الجدل الفقهي حول سب الرسول صلى الله عليه وسلم

بواسطة : د. معتز الخطيب

الجدل الفقهي حول سب الرسول صلى الله عليه وسلم

بقلم: د. معتز الخطيب (عضو الاتحاد)

 

أوضحت في مقال الأسبوع الماضي أن تقويم الفعل من الناحية الفقهية والأخلاقية والقانونية يختلف عن معالجة الحدث، الذي لا يمكن تحليله وفهمه من دون سياق مركب، وأن الخلط بين الحدث والفعل يولِّد إشكالات عديدة كالتي نشهدها حاليا.

وبما أن فئة الناس قد استدعت الحكم الفقهي الخاص بشاتم أو سابّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لشرعنة فعل الذبح، فإن الحدث صار مناسبة لمناقشة هذه الإحالة الفقهية التاريخية، الأمر الذي يعيدنا مجددا لإشكالية استدعاء فقه ما قبل الدولة في الزمن الحاضر كما عالجته في كتابي "العنف المستباح" وغيره من دراساتي. يعني ذلك أن مناقشتي هنا لن تكون لحدث الرسوم؛ لأن له تعقيدات مترامية الأبعاد وطويلة الذيل، ولكنني سأناقش فعل الذبح وإحالاته الفقهية فقط، دون أن يعني ذلك أنني أرفض اتخاذ أفعال أخرى لمجابهة محاولات الإساءة المتكررة.

لا يمكن تجاهل الموروث الفقهي في مسائل الشأن العام لسببين على الأقل: أولهما معرفي، وهو أن أي موقف أو حكم يستدعي التأسيس النظري له، والتفاعل النقدي مع الإرث السابق فيه، أو ما يسمى في اللغة القانونية بـ"السوابق القانونية"، وثاني السببين سياسي، وهو أنه في ظل التشتت السياسي في دولة ما بعد الاستعمار ثمة دوما من يستثمر في الموروث ورمزياته في صراعه مع هذه الدولة والأطراف الأخرى، ومن ثم يتحول التراث إلى مجرد اقتباس أو شاهد لدعم وتأييد مواقف وقناعات راهنة؛ ولكن الفقه لا يؤسس -في الواقع- لها، وإنما يتم استدعاؤه للحاجة إلى شرعيته.

ولتوضيح ذلك، سألخص -في تكثيف شديد- الجدل الفقهي حول شاتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- لبيان حجم التعقيدات، التي تحيط بالحكم (بل أحكام) من جهة، ولبيان مبلغ التبسيط المُخِلّ الذي يحيط باستدعاء الفقه اليوم في وقائع منبتة الصلة عن واقع الجدل الفقهي من جهة أخرى، وهذا كله من نتائج الخلط بين الحكم المجرد عن الوقائع، وبين الفتوى المعينة التي تخص فعلا محددا في سياق معين، لأن الفتوى ستصطدم لا محالة بتعقيدات ما أسميته في المقال السابق بالحدث، والحدث هنا يحيل إلى تعقيدات تنزيل الحكم المجرد على واقع مفارق لواقع إنتاج الحكم من دون عملية اجتهاد معاصر للحدث يقوم بهذا التنزيل.

تاريخيا، عالج الفقهاء أحكام سب النبي -صلى الله عليه وسلم- في كتبهم الفقهية العامة؛ لكن وقع إفراد المسألة بالتصنيف المستقل مع الفقيه المالكي أبي عبد الله سَحنون (265 للهجرة)، ثم توسع فيها القاضي عياض المالكي (544 للهجرة) وإن لم يُفردها، ثم توارد العلماء على التصنيف فيها كما فعل ابن تيمية الحنبلي (728 للهجرة) وتقي الدين السبكي الشافعي (756 للهجرة)، وبعض الحنفية كابن كمال باشا (940 للهجرة) وحسام جلبي (926 للهجرة) وابن عابدين (1252 للهجرة) وغيرهم.

وتشير هذه التصنيفات المتنوعة إلى التعقيدات التي تحيط بالمسألة؛ فلو كان الحكم شديد الوضوح لما شهدنا كل هذه المناقشات المطولة حتى العصر الحديث، ويمكن لي ذكر سببين رئيسين لذلك: أولهما: أنها كانت جزءا من الجدل الفقهي حول تحرير المذهب، الذي ينتمي إليه صاحب التصنيف؛ لمعالجة خلافات قائمة في تعيين ما هو المذهب في المسألة وتفريعاته، وثانيهما: أن المسألة تجمع بين فتوى المفتي وقضاء القاضي، ومن ثم جاءت بعض هذه التأليفات نتاج وقائع خاصة أثارت الجدل بين الفقهاء والسلطة وثار لأجلها بعض العامة.

ومن اللافت أن أشهر كِتابين في المسألة -وهما كتابا ابن تيمية والسبكي- قد أُلِّفا بسبب واقعتين منفصلتين كما يبدو، فالمسألة بحاجة إلى تدقيق تاريخي، حصلت أولاهما في 693 للهجرة، وحصلت ثانيتهما في 751 للهجرة.، ويبدو أن الحكم كان محل إشكال؛ سواء لجهة الفتوى أم لجهة القضاء في الواقعتين، ولذلك صنف الإمامان السابقان كتابين مفصلين في المسألة؛ بل إن السبكي اهتم بمسألة قبول توبة الساب؛ لأنه -وهو قاضي القضاة- خالف مذهبه فيها، وحكم بعدم قبول توبة النصراني الساب الذي أسلم، ثم تردد فيها، ثم عاد إلى مذهبه الشافعي وهو قبول التوبة مطلقا، في حين أن ابن تيمية رأى عدم قبول التوبة.

ولكن لو رجعنا إلى متون الفقه العام ومصادره، نجد مناقشات واختلافات عديدة في فروع المسألة وتعليلاتها، والآثار القانونية المترتبة عليها بخصوص عقدي الذمة والهدنة؛ ولكن من الواضح أن التصور الفقهي العام يقسمها إلى قسمين -بحسب التوصيف الديني والقانوني للسابّ- وهما سبّ المسلم وسب الذمي.

(1) فالقسم الأول وهو سب المسلم للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقد اتفق جمهور الفقهاء على أن الساب يكفر بذلك، وعقوبته القتل؛ لكن حكى القاضي أبو يعلى الحنبلي (458 للهجرة) عن بعض الفقهاء أن الساب يتم التمييز فيه بين المستحل للسب وغير المستحل (ربما سب غضبا)، فإن كان مستحلا كفر، وإن لم يكن مستحلا فَسَق فقط، كما أن بعض الفقهاء من أهل العراق كان قد أفتى لهارون الرشيد فيمن سب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يُجلد، فردّ عليه الإمام مالك هذه الفتيا؛ لكن الاتجاه العام قد استقر على أن فعل السب مُخرجٌ للمسلم من دائرة الإيمان، وأن عقوبته القتل.

اعلان

ولكن لا يكفي ذلك؛ فلا بد من تسويغ هذه العقوبة وفق الصنعة الفقهية، وهنا اختلف الفقهاء: هل هي حدٌّ أم ردةٌ؟ فالمذهب الأول: أنها حدٌّ، بمعنى أنها تتعلق بحق لآدمي ولا تسقط بالتوبة إذا وصلت إلى القاضي، وقد ذهب إلى هذا مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والشافعي كما حكاه ابن المنذر عنهم؛ لكن أصحاب الشافعي اختلفوا فيما بينهم في هذه المسألة. أما المذهب الثاني فهو أنها ردة وتسقط عقوبتها بالتوبة، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوريّ، وأهل الكوفة، والأوزاعيّ، وهو المشهور من مذهب الشافعية.

 

(2) والقسم الثاني وهو سب الذمي للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقد اختلف فيه فقهاء المذاهب وناقشوا فيه 3 مسائل: عقوبته، واستتابته، وفي أثر السب على عقد الذمة.

أما عقوبة السب في هذه الحالة، فقد اختلفوا فيها على قولين:

القول الأول: أن عقوبته حدية كالمسلم، وذلك أن عقد الذمة يعني أن أحكام الإسلام وقوانينه تجري عليه، ومن ثم تطبق عليه الحدود والتعزيرات، وهو مذهب مالك وأهل المدينة وأحمد وفقهاء الحديث؛ لكن يثور إشكال هنا في مسألة التمييز بين ما إذا كان هذا الحد حقا لله أم لرسوله؛ فإن حقوق الله لا تطبق على الذمي (كالزنا والخمر…).

 

والقول الثانيأن عقوبة السب تأديبية فقط وليست حدا، وهو مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري وأتباعهما من أهل الكوفة. قال الحنفية لأن ما هو عليه من الشرك أعظم من السبّ. وقد جعل أبو محمد الحُلواني (546 للهجرة) من الحنابلة نفي عقوبة القتل محتملا في حق الذمي، فقال: "يُحتمل أن لا يُقتل من سب الله ورسوله؛ إذا كان ذميا". وقد نازع في عقوبة الذمي الساب أيضا بعض أئمة الشافعية كالقاضي أبي الطيب الطبري (450 للهجرة) وتبعه جماعة من فقهاء الشافعية كابن الصباغ وأبي إسحاق الشيرازي، وكأنهم لم يروا عقوبة القتل له، ولذلك وجدنا عبارة ترد في كتب الشافعية تقول "ومن أصحابنا من قال: من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب قتله"، وهي تشير إلى وجود الخلاف؛ بل نص بعض الشافعية -كابن أبي عَصْرون (665 للهجرة)- على أن عقوبة الذمي الساب هي التعزير (التأديب) كالحنفية. ثم جاء السبكي فانتقد هذه الأقوال محاولا نفي وجود خلاف داخل المذهب الشافعي ليثبت أن عقوبة المسلم والذمي سواء؛ ما لم يُسلم.

وإذا تتبعنا تطورات المذهب الحنفي، سنجد أنه كان ثمة محاولة للاقتراب من مذهب الجمهور في حكم الذمي الساب من جهتين: الأولى نوع العقوبة، والثانية قبول توبته إذا تاب. فلجهة العقوبة، فُهم من كلام بدر الدين العيني (855 للهجرة) أنه اختار القتل، وإن نازع بعض متأخري الحنفية في هذا الفهم، ولكن كمال الدين بن الهمام (861 للهجرة) اختار القتل مخالفا مذهبه؛ لكن أئمة المذهب لم يرتضوا ذلك منه حتى قال تلميذه قاسم ابن قطلوبغا (879 للهجرة) إنه لا يُعمل بأبحاث شيخه المخالفة للمذهب. وقال ابن نُجيم (970 للهجرة) "نعم نفس المؤمن تميل إلى قول المخالف في مسألة السب؛ لكن اتباعنا للمذهب واجب" في عدم القتل. ثم جاء شيخ الإسلام في الدولة العثمانية أبو السعود أفندي (982 للهجرة) فأفتى بعقوبة القتل؛ بشرط أن يظهر أن هذا السب هو من عادة الذمي، وعلة ذلك -فيما يظهر من كلام ابن عابدين- أنه في هذه الحالة يكون قد "أظهر ما هو الغاية في التمرد وعدم الاكتراث والاستخفاف، واستعلى على المسلمين"، وهذا جارٍ على المذهب الحنفي حيث جعلوا المسألة من سياسات الإمام.

أما بخصوص استتابة الذمي بعد السب بحيث يأمن من العقوبة، فالمشهور عند المالكية أنه يستتاب المسلم واليهودي والنصراني، أما الحنفية فالمسألة -عندهم- خاضعة للتأديب ويقبلون توبته بلا خلاف، والشافعية متفقون على قبول توبته أيضا إن لم يتضمن سبُّه قذفا للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان السب قذفا ووقعت منه التوبة ففيه أوجه 3: القتل أو الجلد أو العفو، ومذهب الحنابلة قريب من مذهب المالكية، رغم أن المشهور عن أحمد عدم قبول توبته وعنه رواية بقبولها.

وقد عزا الفقيه الحنفي محمد البزازي (827 للهجرة) القول بعدم قبول توبة الذمي السابّ إلى المذهب الحنفي، ولكن أئمة المذهب خطؤوه في ذلك، ثم عرض الشيخ أبو السعود أفندي على السلطان سليمان القانوني الجمع بين القولين: قبول التوبة وعدمه؛ بحسب كل حالة على حدة، فإن فُهم من الذمي صحة التوبة يُعمل بقول الحنفية في قبول التوبة، وإن لم يُفهم منه الخير يُعمل بمذهب غير الحنفية، وهو عدم قبولها، فأمر السلطان جميع قضاة ممالكه أن يعملوا بهذا الجمع بين القولين، ثم جاء ابن عابدين فلم يرضَ ذلك، وقال إن قضاة السلطان سليمان قد انقرضوا، وإنه يجب الاحتياط ودرء الحدود بالشبهات، وإن "الانتصار للرسول مقبولٌ فيما به أَمَر، لا فيما عنه نهى وزجر".

ولا يتسع المقام للتفصيل في خلافهم حول أثر السب على عقدي الهدنة والذمة؛ لكن ما يلفت النظر هنا هو أن الحنفية لم يميزوا بين الكفر والسب بل جعلوا الكفر أشد، بينما ميز الشافعية تمييزا مهما بين نوعين من السب: الأول: سب وانتقاص هو من صلب معتقد الذمي، ومما يتدين به، والثاني ليس جزءا من عقيدته، وهدفهم في ذلك الموازنة بين موجبات الديانة وموجبات عقد الذمة، ففي عقد الذمة نراهم يميزون بين نوعين من الأفعال؛ أفعال فيها إضرار بالمسلمين بحيث يترتب عليها حقوق قانونية لآدميين، وبين أفعال هي مجرد تنقيص وغضاضة من المسلمين، والسب يدخل في هذا الأخير.

تُظهر هذه المناقشات – التي عرضت طرفا منها فقط- حجم الشعبوية التي أرستها النزعة التقنية الأثرية، فهذه النزعة تفترض أن المسائل تُحسم بمجرد قص ولصق حديث من هنا أو هناك، أو بتصور أن الحكم واضح وترفض مناقشته والخوض في تفاصيله، كما تُظهر خطورة القص واللصق من كتب الفقه أيضا؛ فثمة تعقيدات تتصل بأمرين: الأول منهج الفتوى والاجتهاد، وهي مسائل تركيبية تفتقر إلى تخصص، والأمر الثاني: النظام القضائي والقانوني، فالمسائل العامة والمرتبطة بحقوق الناس عامة، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، مردها إلى القضاء في الفقه الإسلامي.

وإذا كان المنهج الأثري التقني قد خرج على الأمر الأول، فإن جماعات العنف قد خرجت على الأمرين معا. فالقراءة التقنية تعزل النصوص عن دلالاتها وسياقاتها التاريخية وتطوراتها فتجعلها صماء، كما أنها تتجاهل أن أي حكم فقهي يفتقر إلى تعليل وتسويغ واستدلال لجهة الفتوى، ويفتقر إلى وسائل إثبات وحكم لجهة القضاء، وأن ذلك كله خاضع لتصور سياسي عام ينتظم مثل هذه الأحكام العامة، التي كانت تتم ما قبل الدولة في دار الإسلام ووفق قوانينها وأنظمتها الدينية والقضائية.

وإذا عدنا إلى التصور العام الذي حكم كل التفاصيل السابقة، سنجد أن مداره على القسمة بين المسلم والذمي، وهي قسمة من تفريعات رؤية العالم القديم: دار الإسلام ودار الكفر (وهي إما دار حرب أو دار عهد)، فإن احتكمنا إلى ذلك التصور سنجد أن واقعة فرنسا هي صورة مغايرة لأحكام المسلم والذمي (والمسلم والذمي من أهل دار الإسلام)؛ أي إنها صورة ثالثة تتصل بدار العهد؛ لأنها تتم خارج دار الإسلام، وفي دولة تنتظم ضمن مواثيق وعهود على مستويين: الدولة الفرنسية والأفراد الذين يدخلونها بتأشيرة دخول فيقرون بالخضوع لقوانينها. وإذا كان هذا الخلاف الفقهي الطويل قد وقع في الذمي الذي هو من أهل دار الإسلام وملتزم بأحكامها تجري عليها قوانينها، فغيره من باب أولى أن يجري فيه الخلاف، خصوصا أن الحدود إنما تطبق في دار الإسلام ولا تَلزم إلا المسلم والذمي المتلزم بأحكام الإسلام، والذمي لم يُسلم حتى تثبت ردته، فلم يبق من الخلاف السابق حول تسويغ العقوبة إلا أنها حد، وهذا كله من تصرفات القضاة لا الأفراد.

وإن تجاوزنا تصورات العالم القديم (دار الإسلام ودار الكفر)، فسنكون أمام تصورين: أن نحتكم إلى المنظومة السياسية القائمة ونعمل من خلال منظومتها القانونية، أو أن نتجاوزها فنقع في فراغ يؤدي إلى فوضى. فإن حاولنا تطبيق تفريعات النظام القديم (رؤية العالم) سنكون أمام حرب مفتوحة على طريقة جماعات العنف الذين يحولون الفتوى والقضاء والتنفيذ إلى خيارات أفراد؛ بحجة غياب القائم بأمر الله والمنفذ لشرعه. وهذا يُظهر التعقيدات التي تحيط بتطبيقات الجانب القانوني للفقه الإسلامي والمسائل التي تتعلق بالشأن العام والدولي في ظل عالم اليوم ودوله، وهنا يظهر أحد المآزق التي يعاني منها فقه اليوم ومتفقهته، وهي في الواقع مشكلة من يقتبسه أو يستعيده في غير زمنه وسياقه؛ لأنه إنما نشأ واتسقت منظومته في زمنه حيث كان جزءا من منظومة العالم السياسي القديم، وكان هو النظام السائد والمقبول سياسيا وقضائيا وأخلاقيا.

ولا يمكن عزل هذه النقاشات عن موازين القوى والسياسة في العالمين القديم والحديث؛ بل إن فقهاء العالم القديم كانوا واعين بهذه المسألة، سواء على مستوى قدراتهم هم عندما حالت السلطة بين ابن تيمية والسبكي وغيرهما في تطبيق عقوبة القتل على النصراني، الذي قذف النبي صلى الله عليه وسلم مثلا، أم على مستوى سلطة الحكام حين افترض بعض فقهاء الحنفية أنه لو ارتدت جماعة كبيرة عن الإسلام وعجز الإمام السياسي عن إقامة الحدود فيهم، فإنه عليه أن يعصم دماءهم وأموالهم؛ بل إن الحنفية حين استدلوا لعدم قتل الذمي السابّ ببعض الوقائع النبوية، التي عفا فيها النبي صلى الله عليه وسلم عمن سبه، أجابهم الشافعية بالقول "إن ذلك كان في ضعف الإسلام، ولم يكن في قوته"، وكل هذه الاعتبارات تكشف عن أبعاد أخرى لأحكام الشأن العام التي تتصل بالجانب القانوني المحلي والدولي، سواء على مستوى فهم الحكم المجرد وتطوراته التاريخية ومستنداته، أم على مستوى تنزيله ضمن منظومة سياسية وقانونية.

وإذا كانت رؤية العالم وموازين القوة (وأعبر عنها بالسياق بمعناه المركب) تفرض نفسها على تنزيل الأحكام المجردة؛ بل وفي بعض الجدالات الفقهية بين أصحاب المذاهب كما سبق، فإن ثمة مسائل منهجية تتصل ببناء الأحكام المجردة عن الوقائع، وتتصل بثلاث جهات: جهة الثبوت، وجهة الدلالة والتأويل، وجهة النسق الفقهي الكلي واندراج الحكم وتعليلاته ضمن منظومة الفقه.

(1) فمن جهة ثبوت الأدلة، فإن بعض الأدلة التي يقع الاستدلال بها لإثبات عقوبة القتل لا تصح، وكان السبكي -على سبيل المثال- واعيا بهذه النقطة، ومع ذلك أوردها وحاول أن يجيب عنها بأن الهدف هو مجرد تكثير الأدلة لا أصل الاستدلال.

(2) ومن جهة الدلالة، فإن وقائع القتل التي يتم الاستدلال بها هي وقائع أعيان يجب تحريرها بدقة، ولا يصلح فيها التعميم؛ فالعموم لا يدخل الأفعال بخلاف الأقوال، ولا يوجد حديث قولي مرفوع يقرر هذه العقوبة، وكان السبكي نفسه واعيا بهذه التعقيدات التي تحيط بالوقائع محل الاستدلال، وأنها تتنوع مواردها؛ فبعض الوقائع ارتكب أصحابها جرائم مصاحبة للسب، وبعضها كان من مشركين محاربين ممن لم يعطهم النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمان، وعدد من الوقائع تم في السياق المكي وهو سياق التأسيس للدين الجديد. وفي الجملة لم تكن المسألة مجرد سباب لفظي أو ممارسة قولية، وفي مقابل وقائع القتل -وبعضها ثابت- نجد أنه من الثابت أيضا أن -النبي صلى الله عليه وسلم- عفا عن كثيرين ممن آذوه وشتموه قبل إسلامهم، وأن من خصاله -صلى الله عليه وسلم- أنه شديد العفو والمسامحة في حقه الشخصي (دون حق الله والدعوة)، كما كان شديد الإشفاق على الناس لهدايتهم.

كان من أدلة الحنفية أن رهطا من اليهود دخلوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا "السام عليك"، فقال: "وعليكم". فقالت عائشة رضي الله عنها "يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟، فقال قد قلت وعليكم، ثم قال: مهلا يا عائشة! فإن الله يجب الرفق في الأمر كله". واستدل الشافعية في المقابل بحديث أن رجلا قال لعبد الله بن عمر سمعت راهبا يشتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال عبد الله لو سمعته أنا لقتلته. إنا لم نعطه الأمان على هذا".

وقد حاول ابن تيمية وغيره ممن انحازوا إلى أحاديث القتل الإجابة عن الأدلة المتعارضة، فقال ابن تيمية مثلا "كان يعفو عمن سبه أو ينتقم منه؛ تبعا للمصلحة"، لعله يريد مصلحة الدعوة، وهذه مسألة تُخرج النقاش من دائرة الحق الشخصي والحدود أساسا، كما أن الإحالة في "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" هي إحالة إلى مسألة خلقية، وهي لا تقبل النسخ، كما أنها مجردة عن موازين القوى والمصالح؛ وهذا شأن المسائل الخلقية؛ سواء كانت فضائل شخصية أم تقويمات يأمر بها صلى الله عليه وسلم، وذلك كله بخلاف المسائل المرتبطة بمسائل الشأن العام أو بمصلحة الدعوة، التي يبدو أنها كانت هي الأساس في وقائع مكية حصل فيها بالفعل قتل.

لنتأمل حديثا رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع حين قدم النبي مع أصحابه الحديبية، قال سلمة "فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها، قال فأتاني 4 من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي، يا للمهاجرين، قُتل ابن زنيم، قال فاخترطت سيفي، ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم فجعلته ضِغثا في يدي"، ثم لما جيء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليهم، فقال "دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه"، فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم)، وهذا إنما وقع مع المشركين إثر اتفاق صلح، مما يؤكد المعنى الذي قلته سابقا من أنه كان يترفع عن الحق الشخصي؛ فممارستهم تلك لم تَعْدُ ألفاظا ساءت قائليها، ولم تمسه صلى الله عليه وسلم.

(3) بقيت الجهة الثالثة -وهي الاتساق في التعليلات وفق المنظومة الفقهية- فلا يستقيم إثبات الحدود بالاجتهاد، ولم يثبت نص يوضح أن عقوبة قتل الساب هي حد من الحدود، ولذلك وقع فيها الخلاف الفقهي. ثم إن قلنا إنها حدٌّ فهي إما حدٌّ ثبت لحق الله تعالى أو لحقّ الآدمي. فإن كانت قد ثبتت لحق الله تعالى؛ فقد أقر الفقهاء أهلَ الذمة على كفرهم، وفيهم من يقول إن لله ولدا -تعالى الله عن ذلك-؛ فسب نبي مثل الادعاء بأن لله ولدا؛ بل هو أدنى منه مرتبة. ثم إن كانت العقوبة حدّا لله فكيف يسقطه رسول الله في وقائع عديدة؟. وإن كانت العقوبة قد ثبتت حدا لوجود حق لآدمي؛ فمجرد السب لا يترتب عليه حد إلا إذا انضم إليه قذف، فيثبت الحد للقذف لا لمجرد السب.

في رأيي أن التعليلات السابقة للعقوبة (بغض النظر عن تحديد طبيعتها: قتل أم تأديب) لا تستقيم إلا على إثبات حق استثنائي للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو السياق الذي كتب فيه القاضي عياض كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، ثم جاء ابن تيمية والسبكي فعللوا العقوبة بإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعندها سنضطر إلى الخوض مجددا في مفهوم الإيذاء، وما إن كان له حقيقة أم لا، وفي ظني أن تعبير "الرسوم المسيئة" لا يستقيم؛ لأنها لا تسوء إلا صاحبها، فهي -في الواقع- لا حقيقة لها سوى قصد صاحبها إلى الإساءة، ونبي الله -صلى الله عليه وسلم- لا ينال منه شيء، ولا يسوؤه شيء؛ فهو مبرّء من كل عيب. والله أعلم.

 

اترك تعليق