هذا هو الإسلام

بواسطة : لدكتور تيسير رجب التميمي

القدس مدينة إسلامية بقرار رباني وكل ما يناقضه فهو باطل

     نعم ؛ إنه قرار رباني أعلنه الله عز وجلَّ وقرَّره وقدّره من فوق سبع سماوات ، ورسَّخه وأبَّده بقرآن يتلى إلى يوم الدين بقوله تعالى{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الإسراء 1  ،

     فمن ذا الذي يملك أن يقرر غير ما قرر الله سبحانه ؟ حتى وإن كان الرئيس الأمريكي أو من هو أقوى منه ، فيقيننا أن كلمة الله هي العليا ، وأن الهوية الإسلامية لن تسقط عن المدينة المقدسة أو عن المسجد الأقصى المبارك ، وهذا التاريخ شاهد لكل من تدبره ووعاه ، فكلما تعرضت مدينة القدس للاحتلال هيأ الله جلّ وعلا لها مِنْ عباده المخلصين مَنْ يحررها من دنسه ورجسه ،  وكلما وقع المسجد الأقصى المبارك في أيدي المغتصبين الغزاة العُتاة هيأ الله له القادة العظماء الأوفياء يحررونه ويستنقذونه من أيديهم .

     بل إنها حتمية قرآنية ثابتة قررتها أيضاً سورة الإسراء في آياتها الأولى ، قال تعالى { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } الإسراء 4-8 :

فقوله تعالى { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً } يتضمن إخبار الله سبحانه بني إسرائيل في كتابهم بأنهم سيفسدون في الأرض مرتين إفساداً عظيماً وسينحرفون عن منهج أنبيائهم ، وسبب ذلك الإفساد هو العلو والسيادة والسيطرة بالباطل والطغيان ، وهو ليس إخباراً مجرداً ؛ بل ينطوي على التحذير والإنذار لبني إسرائيل من خطورة إفسادهم وفسادهم وعاقبته ،

وقوله تعالى { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً }  يتضمن الحديث عن المرة الأولى للإفساد ، حيث سيسلط الله عز وجل في هذه الحالة عليهم عباداً له أقوياء أشداء يتوغلون بجيوشهم ويسومون بني إسرائيل سوء العذاب ويكثرون فيهم القتل والإيذاء حتى يقضوا على علوّهم وجبروتهم ، ويؤكد الله عز وجل أن هذا الحدث واقع ومحقق فالله عز وجل لا يخلف وعده أبداً ،

     وليس مهماً من هم هؤلاء العباد أولي البأس الشديد ، وليس مهماً أيضاً متى كان هذا الإفساد الأول ، لكن المهم أنه وقع وكان ، وأن بني إسرائيل عاشوا نتائجه وعانوا آثاره بعد أن لم يأبهوا لتحذير الله سبحانه .

وقوله تعالى { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } يؤكد أن الضعيف لن يبقى ضعيفاً إلى الأبد ، فهذا التاريخ يخبرنا أن الأيام دول بين الناس ، وهذا ما كان من بني إسرائيل ، فقد عادوا أقوياء بعد أن قضي على إفسادهم وعلوّهم ، وما ذاك إلا لأنهم عادوا إلى الاستقامة على نهج أنبيائهم وتعاليم دينهم فأيدهم الله يومها ،

وقوله تعالى { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً } فمعناها : [ إن أطعتم الله يا بني إسرائيل وأصلحتم أمركم فسيدفع عنكم من أراد بكم سوءاً ، وسينمي لكم أموالكم ويزيدكم إلى قوّتكم قوّة ويثيبكم الجنان ، أما إن عصيتم الله وارتكبتم ما نهاكم عنه فإنكم إلى أنفسكم تسيئون لأنكم تُسخطون بذلك على أنفسكم ربكم ، فيسلط عليكم في الدنيا عدوّكم ويمكِّنه منكم ، ويخلدكم في الآخرة في العذاب المهين ] .

     وتتحدث الآية عن المرة الثانية لإفساد بني إسرائيل ، وتقرر أن الله عز وجل سينفذ وعده بأن يسلط عليهم العباد الأقوياء ذوي البأس الشديد فيلحقون بهم من الأذى ما يظهر أثره على وجوههم لأن الوجه أشرف ما في الإنسان ، وليدخلوا المسجد الأقصى المبارك قهراً وغلبة عليهم كما دخلوه في المرة الأولى ، وسيطهرونه من رجسهم وسيخلصونه من قبضتهم وأسرهم ، وسيهلكون ويُدمّرون ويُخربون كل ما أقامه اليهود وما بَنوه وشيّدوه من مظاهر الحضارة والعلوّ والاستعلاء والقوة والاستقواء على أراضي غيرهم ،

     وليس مهماً أيضاً متى كان هذا الإفساد الثاني أو متى سيكون ، وليس مهماً على يد من كان أو سيكون ، لكن المهم أنه واقع حتماً كما وقع الإفساد الأول ، وأنهم عاشوا نتائجه أو سيعيشونها ، وأنهم عانوا آثاره أو سيعانونها ، بعد أن لم يأبهوا لتحذير الله سبحانه في المرة الأولى ، ولم يأخذوا العبرة من دروس الإفساد الأول .

*  وأخيراً قوله تعالى { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } هذه الآية تقرر أساساً عظيماً وقاعدة كبرى يخاطب الله بها بني إسرائيل ويقول لهم : لعلّ ربكم أن يرحمكم بعد انتقامه منكم وينتشلكم من الذلّ الذي حل بكم ، ويرفع الخساسة عنكم ويعزّكم إذا رجعتم إلى منهجه وتعاليمه .

     ولكن يبقى النذير الرباني الأبدي لهم ولغيرهم : وإن عدتم يا معشر بني إسرائيل للمعصية عاد عليكم غضب الله وسخطه بالقتل والإذلال ، وإذا لم تتعظوا وعدتم للإفساد من جديد فإن الله لكم بالمرصاد يسلط عليكم عباده أولي البأس الشديد يفلّون شوكتكم كما فعلوا في الإفسادين الأول والثاني .

     فخير لبني إسرائيل اليوم إذن ألاّ يغتروا بقدرتهم وجبروتهم ، وألا يركنوا إلى دعم الإدارة الأمريكية المطلق لهم ، وخير لهم أن يحذروا وعيد الله لهم فإنه حالٌّ بهم لا محالة ، وقد صدق القائل فيهم [ ... فكما عاقبهم في المرتين الأولَيَيْن ، فسيعاقبهم كلما أفسدوا في الأرض من جديد إلى آخر الدنيا ، وهذا واقع ومشاهد في تاريخهم : دوماً يسلط الله عليهم الجبابرة ويسلط عليهم عدوهم كلما علوا وأفسدوا في الأرض ، هذه عقوبة ربانية لهم لفسادهم وإفسادهم ، ولتكبرهم واستكبارهم على العباد ... فالإفساد في الأرض والتكبّر على الحق والتجبّر على الناس بغير الحق وقهرهم ستكون عواقبه وخيمة عليهم في الدنيا والآخرة ... ] .

     إن هذه الآيات الكريمة وعيد للاحتلال وحلفائه والمتآمرين معه على هذه الأرض المباركة ولكل من يتماهى معه من أبناء جلدتنا أيضاً ، ووعيد للرئيس الأمريكي ترامب ولنائبه الذين اغتروا بقوتهم فوعدوا الاحتلال بأن بيت المقدس ستكون عاصمة له ، وبأنهم سينفذون مخططاتهم فيها ، لذلك فإننا نذكرهم بالأقوام السابقة التي كانت أقوى منهم فأصابهم الغرور فهل استطاعوا الإفلات من وعيد الله ؟ قال تعالى { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } فصلت 15 ، ونقول لهم أين هم قوم عاد اليوم ، بل أين هم بعد سويعات من أمر الله الذي جاءهم ، قال تعالى { ... أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ] هود 60 .

     ورحم الله من قال [ إن هذه سنة كونية من سنن الله يستوي أمامها المؤمن والكافر: مَنْ أحسن فله إحسانه , ومن أساء فعليه إساءته ، ومَنْ استحق الغلبة فهي له وإن لم يكن على دين الله ، فهو العادل سبحانه بين خلقه ، فإذا كانت الكَرّة لليهود الآن فهل ستظل لهم دوماً ؟ لا.. لن تظل لهم الغلبة , والدليل على ذلك ما نراه بأعيننا : فما يحدث من تجميع لليهود في أرض فلسطين واستجلابهم إليها بكل المغريات هو آية مُرادة لله سبحانه وتعالى ومقصودة في ذاتها ، فقد ظلوا مبعثرين مفرَّقين في كل بلاد الدنيا , منعزلين عن الناس منبوذين بينهم , يثيرون المشاكل أينما وجدوا ، فيضيق الناس بهم ذرعاً ويحاولون القضاء عليهم أو التخلص منهم ، فجاءت فكرة الوطن القومي الذي يجمعهم من شتى البلاد ، فكانت أولى خطوات نهايتهم المؤكدة ، فلْيبنوا ولْيرتفعوا في البنيان ما شاءوا ، ولْيفسدوا في الأرض ولْيعلو فيها كما أرادوا ، فالضربة الموعودة قادمة واقعة بهم كما قدَّرها الله عز وجل بقوله تعالى { وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً } الإسراء 104 ، واللفيف هو الجمع العظيم ]

     فهذه إذن بُشرى لنا بأن يطرد الاحتلال ويزول من هذه الأرض المباركة كما زال كل الغزاة من قبله ، ونحن موقنون بوعد الله ومطمئنون إلى تقديره ، قال تعالى { فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً } المعارج 5-7


اترك تعليق