التدين العلماني.. وأثره
في الأداء المجتمعي
بقلم: أ.د. بلخير طاهري
الإدريسي
عضو مجلس أمناء الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
سمعتُ مقطعًا للدكتور نور الدين بكيس، عالم الاجتماع الجزائري،
حول الدراما الجزائرية وصورة المتدين فيها، أو كما سماها «النظرة النمطية
للمتدين»، وكيف يُصوَّر في وسائل الإعلام، سواء الوطنية أو الدولية.
فلاح لي من هذا الموضوع أن أكتب فيه، ذِكرًا لأصناف المتدينين
كما يرسمها في مخيلته الفكر العلماني، وكيف ينشرها، وماذا يريد منها؟
وحصرتُها في أربعة أنواع من المتدينين في واقعنا المعاصر،
مركزًا على سماتهم التي تظهر على سلوكياتهم وتصرفاتهم.
وهم: المتدين المتطرف، والمتدين المتعصب،
والمتدين السلبي، والمتدين العجوز.
أولًا: سمات المتدين المتطرف:
ويمكن استخلاص بعض هذه الصفات من الحديث الصحيح من رواية أبي
سعيد الخدري: «.. قال: فأقبل رجلٌ غائرُ العينين، مُشرفُ الوجنتين، ناتئُ الجبين،
كثُّ اللحية، محلوقٌ..» (راه البخاري، ومسلم).
1- متعصب
وغضوب.
2- مقطب الجبين.
3- كثُّ اللحية.
4- شذوذ في اللباس (صاحب لباس
متميز ومثير للانتباه، ليس لباس أهل البلد، وقد يكون لباس شهرة).
5- منبوذ
في المجتمع.
6- دكتاتوري في عائلته.
7- مخاصم
لجيرانه.
أما من حيث الأداء المجتمعي، فأغلب المجتمع يتجنبه ويخشى
التصادم معه، ويرى فيه تلك الشخصية الفظة المتعصبة، صاحبة ردود الفعل العنيفة؛
وعليه فهو عبء على المجتمع، وسبب من أسباب تأخره، وصاحب رسالة سلبية للآخر.
ثانيًا: سمات المتدين المنافق:
وهو الذي يظهر ما لا يُبطن، وهي أقرب إلى التقية، ولكن من غير
التزام ديني.
وإن شئت توصيفه واقعيًا فقل: صاحب التدين المناسباتي، والتعبد
المزاجي، والتأقلم مع كل أصحاب تدين وفكر، دون أن يوطن نفسه، وإن شئت قلت: يصدق
عليه برنامج «حصة ما يطلبه المستمعون» فهو تحت الطلب بلا ضوابط، وهذا فيه خطر على
نفسه وعلى المجتمع.
ثالثًا: سمات المتدين السلبي:
وهو المتدين الذي يصدق عليه قول الله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا
أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا
يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (النحل: 76).
(أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ) هكذا وصفه القرآن،
وقد عبّر عنه الشيخ أحمد الراشد بأصحاب العقول المستريحة؛ سلبيون لا أثر لهم في
المجتمع، بل شخصية انزوائية انطوائية، وجودها كعدمها؛ إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا
غابوا ما افتُقدوا.
هذا النوع من المتدينين الذي أصبح يُعرف بالمسلم العلماني، يرى
أن التدين محصور في المسجد فقط، ولا دخل لتدينه في حياة الناس والمجتمع أو الحركة
اليومية.
يقول لك: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، أصلي أوقاتي في بيتي،
وإن أُتيحت لي الفرصة ففي المسجد، ولا أتخلف عن الجمعة حضورًا، أصوم شهري، شهر
رمضان فقط، وأعطي زكاة أموالي إن وجدت لأقاربي، وأحج إن خرجت في قرعة الحج بعد كبر
سني.
لا تحدثني عن معاملات الربا، أو الصفات المشبوهة، أو بعض
السلوكيات المرفوضة؛ فهذا لا يعنيني، ولا أرى فيه حرجًا، فهو مما عمت به البلوى.
رابعًا: سمات المتدين العجوز:
وهذا النوع هو السواد الأعظم، الذي يرى أن كبر السن هو مرحلة
التدين والرجوع إلى الله، وأنه على عتبات الرحيل، وعليه أن يُكثر من الزاد.
وهذا ما يجعله يعتني بنفسه فقط، ولا يهتم بمحيطه، ويرى أنه في
مرحلة لا يكفيه الوقت أن يلتفت لغيره؛ ما يجعله سلبيًا في المجتمع، وليس له أثر
إلا من جهة البركة وطلب الدعاء.
إن مسألة الدين والتدين من أهم لوازم الإنسان منذ نشأته إلى
فنائه، والشعور بالانتماء الديني أصبح فطرة ينشأ عليها.
وهنا تحدث المفارقة: عن أي دين نتحدث؟ هل هو دين صحيح أم مزيف؟
وهذا الحكم نسبي واعتباري تبعًا لكل ملتزم بما يدين؛ فهناك من يعبد الله، ومنهم من
يعبد الحجر، ومنهم من يعبد البقر، ومنهم من يعبد البشر.. وهكذا، فلكلٍّ معبوده،
بحق أو بباطل.
ولهذا كان القرآن الكريم واضحًا في خطابه: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ {1} لَا أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ {2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ
مَّا عَبَدتُّمْ {4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {5} لَكُمْ دِينُكُمْ
وَلِيَ دِينِ) (الكافرون)، وفي قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد
تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن
بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 256).
وعليه، فإن الحرب مُعلنة على الدين الصحيح، لكن لما أيقنوا أن
محاربة الإسلام بشكل مباشر تزيده قوة وصلابة وتماسكًا، فوجدوا أن أحسن وسيلة
لتدمير الدين الحق هي تمييعه، وإفراغه من مقاصده وجوهره، وبُعده الروحي والسلوكي
والواقعي، وحصره في أماكن العبادة، وفصله عن حياة الناس؛ ليبقى كجرعات تخديرية
تُسكِّن تلك الحاجة والرغبة في وجود قوة روحية أو نفسية غيبية، يمكن أن تكون
وقودًا للشعور بالتدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا
تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.