البحث

التفاصيل

"الاعتدال والوسطية" هي السمة الغالبة لمنهج رسول الله ﷺ في شرح الدين

"الاعتدال والوسطية" هي السمة الغالبة لمنهج رسول الله ﷺ في شرح الدين

بقلم: محمد وثيق الندوي

 

كل من يستعرض ما يعانيه المسلمون اليوم من ظروف قاسية، وحملات شرسة، ومشاكل عويصة، وقضايا معقدة، ونزاعات وصراعات فيما بينهم في مختلف مجالات الحياة؛ من العقيدة، والعبادة، إلى الأخلاق، والسلوك، والمعاملات، والسياسة، ومن المنزل إلى المجتمع، وإلى المساجد، والمدارس ومراكز العلم والتعليم، وإلى السلطة، يجد أن سبب كل ذلك يرجع إلى التطرف والشدة، والإصرار الشديد على الرأي، والتركيز الزائد على جانب دون جانب من جوانب الدين، وتوجيه النقد اللاذع إلى من يعارض هذا الرأي، أو اتهامه بتهم كاذبة، ونشاهد أن الحركات والجماعات الإسلامية تركز جهودها على مجال معين وفق نظريتها، وتهمل جوانب أخرى مهمة، وتعارض بل تحارب من لا يوافقها في منهجها ومواقفها، وكذلك العاملون في مجال خدمة الإسلام ومجال الدعوة الإسلامية يشتدون ويتطرفون في فرض آرائهم ووجهات نظرهم، ويصفون من لا يختار رأيهم بالإلحاد والانحراف عن الإسلام، فإن هذا التطرف والشدة في العمل، وتجاوُز التصلب الممدوح إلى التصلب الممقوت في شئون الدين، هو الذي يفرق كلمة المسلمين، ويمزق شملهم، ويفكك عرى وحدتهم، ويحدث الشحناء والبغضاء والعداوة فيما بينهم. وإن هذا الشدة والتطرف نتيجة لمحاكاة الحركات الغربية، بدلاً من التأسي بالأسوة المحمدية الحسنة.

وقد أمر المسلمون بالاقتصاد في العبادة والاعتدال في شئون الدين، ومُنِعوا من الغلو والمشادة في الدين، فقد وُصِفَ المسلمون بأنهم أمة وسط، وهذه الوسطية مطلوبة في سائر جوانب الحياة؛ من الدين إلى الدولة، وأكد الرسول صلى الله عليه وسلم على اختيار الاعتدال والاقتصاد في العبادة بل في سائر شعب الحياة.

وإن الشريعة الإسلامية التي جاء بها سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا إليها، لا تراعي جانباً وتهمل الآخر، إنما تتناول الإنسان من خلال مجالات شخصيته ومكوناته كافة؛ فتعنى بصلته بربه، وبعقله، وبجسمه، وتواصله مع الآخرين، وتعنى بالإنسان بوصفه فرداً وباعتباره عضواً في المجتمع، فلا تنحاز للفرد على حساب مصالح المجتمع، ولا تلغي شخصية الفرد لأجل مصالح المجتمع، وهذا الاعتدال يبدو في مجال العقيدة وأبوابها، وفي مجال التعامل مع الإنسان، فإن الاعتدال سمة بارزة للأمة الإسلامية؛ تتسم بها أعمالُها في الدنيا والآخرة، وتتماز الأمة الإسلامية على غيرها من الأمم في هذه الصفة، فليس فيها غلو كغلو النصارى، ولا تقصير كتقصير اليهود.

من تأمل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهجه في الدعوة والتربية ومواقفه في كل مجال من مجالات الحياة رأى الاعتدال فيها واضحاً، ورآها متسمة بالاتزان والوسطية ومجانبة للتطرف والشدة.

فإن شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مثال لهذا الاعتدال والاتزان، ولم يعرف لديه سمة من سمات التطرف والغلو، كما أن سماته الإيجابية كانت بقدر الاعتدال؛ فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حليماً، لكن الحلم الذي لا يصل إلى الضعف، فحين يتطلب الأمر قوة وشجاعة كان كذلك، وكان كريماً سخياً، لكن الكرم والسخاء لا يقوده إلى التبذير والإسراف، وكان حيياً شديد الحياء، لكن الحياء لا يمنعه من الجرأة في تعليم الناس أمور دينهم مما يستحيا منه.

وقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله بعثه بدين وسط، دين تتجلى فيه السماحة والاعتدال، لذا فقد قال عنه: "بعثت بالحنيفية السمحة". وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: " ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه".

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو أصحابه إلى الوسطية والاعتدال، وتجنُّب الغلو والتطرف أيّاً كان شأن هذا الغلو؛ لأن الناس في حرصهم على التقرب إلى الله قد يبالغون في العبادة، وقد يجانبون الاعتدال؛ فأمر صلى الله عليه وسلم بالاعتدال والتوسط، وضرب لذلك مثلاً؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، سددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة". وفي رواية: سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرفق لا يكون في شئ إلا زانه، ولا ينزع من شئ إلا شانه"، وقال صلى الله عليه وسلم: "يسِّروا ولا تعسِّروا، بشِّروا ولا تنفِّروا". وقال صلى الله عليه وسلم: "من يحرم الرفق يحرم الخير كله"

وعندما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أحكام الدين وشعائره، يحذر من الغلو والتطرف، ويؤكد على الالتزام بما جاء في الدين دون تكلف أو زيادة، فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة، وهو على راحلته: هات القط لي، فلقط له حصيات، هي حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين".

وحين سألوه عن أفضل الأعمل وأحبها إلى الله – تبارك وتعالى – أكد على مبدأ الاعتدال والقصد، وأمرهم بأن يأخذوا من الأعمال ما يطيقون فعله دون أن يشقوا على أنفهسم.

فعن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "أدومها وإن قل"، وقال: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون".

وذمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يبالغون في الدين ويتنطعون؛ إما بتحريم ما لم يحرمه الدين، أو بإيجاب ما لا يوجبه، أو بالتكلف والمغالاة في التطبيق على خلاف الشريعة.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون؛ قالها ثلاثاً".

وظهر أثر هذه التربية التي ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وأتباعه؛ فقد كانوا يفقهون الدين، وما جاء فيه من اعتدال ووسطية.

وحين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحالات، وهي نادرة، تجاوز فيها بعض أصحابه الاعتدال والوسطية، وجنحوا إلى مبالغة وغلو، بادر بعلاج ذلك، وأخبر أن الدين قائم على الاعتدال والوسطية، وأن اجتهاد هؤلاء لم يكن في مكانه.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم؛ أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

وعن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: خرجت ذات يوم لحاجة فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم يمشي بين يدي فأخذ بيدي، فانطلقنا نمشي جميعاً، فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي، يكثر السجود والركوع، فقال النبي: أتراه يرائي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فترك يده من يدي، ثم جمع بين يديه، فجعل يصوبهما ويرفعهما ويقول: "عليكم هدياً قاصداً، عليكم هدياً قاصداً، عليكم هدياً قاصداً، فإن من يشادّ هذا الدين يغلبه".

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقالك ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد".

وعن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها قال: "مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا"، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه.

فيتضح من هذه الأحاديث النبوية أن الشدة والتطرف والتركيز الزائد على جانب، وإهمال الآخر مخالف لمنهج الإسلام في الاعتدال والتوسط، حتى لو كان هذا التطرف في شرح العقائد وأحكام الشريعة.

فإن غياب الاعتدال والوسطية في حياة المسلمين، والجنوح إلى التطرف والغلو بسبب تقليد منهج الحركات الغربية في العمل واختيار الوسائل لتحقيق أهدافها، حتى لا يتورعون من سفك الدماء وقتل النفوس، يجر إلى المسلمين ويلات ومذلات، ونكسات ونكبات، ويشوه صورة الإسلام النقية الصافية، ويسيئ إلى الشريعة الإسلامية السمحة، ويسبب سوء الظن في الناس بالإسلام، فعلى المسلمين أن يتجنبوا التطرف والشدة في الدين، ويسلكوا مسلك الاعتدال والوسطية، ويجمعوا بين الدين والدنيا بتناسب وتناسق، هذا هو المنهج الوسط المعتدل الذي اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:... إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". وقال عز وجل:" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " (البقرة:143). فوصف المسلمون بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، إذ أحب الأمور إلى الله أوسطها.

ألا فإن بقاء الأمة الإسلامية كأمة دعوة وهداية وقيادة، هي وسطيتها واعتدالها!!.





التالي
انطلاق مسابقة نيل جائزة محمد السادس الدولية في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده وتفسيره في الدورة ال16
السابق
هويدي: القرضاوي أحد أبرز المجددين الكبار وقد نصر الحق بفكر ثاقب واجتهاد عميق

البحث في الموقع

احدث التغريدات

احدث المشاركات

فروع الاتحاد


عرض الفروع