البحث

التفاصيل

«روح الشعر» مع القرضاوي بين النفحات واللفحات..

«روح الشعر» مع القرضاوي بين النفحات واللفحات..

بقلم الشاعر: ناصر صلاح

 

دائما ما نعيب -نحن معشر الشعراء- على البعض منا لجوئه إلى الخطابة في أشعاره، والخطابة هنا ليست أسلوب الإلقاء بقدر ما يقصد بها الوعظية والمباشرة في الصور والمعاني والتعبير، والمباشرة ليست عيبا دائما فربما كانت الحاجة إليها شديدة في بعض الأحايين.

لكن في الحقيقة عندما يكون هناك عالم مخلص ورع وخطيب مفوه يأخذ بالقلوب والألباب ولا يستعين بالشعر أو يكتبه ، نعاتبه عتابا شديدا لإدراكنا أهمية وتأثير الشعر على وجدان الناس وحماستهم.

وهنا ليس مطلوبا من العالم الشاعر أن يكون (بيكاسو) الشعر فيغرق قلمه بالجماليات التصويرية والإسقاطات الرمزية أكثر من الاهتمام بالمعنى والحماسة لأن محبى الشيخ الشاعر هم رواد المساجد والندوات الدينية يشغلهم هموم الأمة وقضاياها أكثر مما يشغلهم فنية التناول لتلك القضايا شعرا ، وإذا استطاع العالم الشاعر أن يوفق بين الصورة الجمالية والمعاني الكريمة والحماسة الوقادة  كان ذلك خيرا كثيرا.

ومن هؤلاء الذين تمكنوا من هذه المعادلة الصعبة العالم العلامة يوسف القرضاوي ولتسمحوا لي بالتقاط بعض الثمار من روضته الغناء في عجالة.

من القصائد التي أعجبتني جدا رغم وقوفي أمامها بقلب الشاعر لا بحرص الفقيه قصيدة (غرام) فهي تحتوي على صور جميلة مثل قوله (في نرجس العين الضحوك) وبها خلاصة القول وبلاغته حين قال (هو شغل قلب فارغ فقد التطلع للصعود) ثم كان الختام بالاستفهام المنطقي بعد مقارنة غير مقصودة وغير مرئية وإنما محسوسة بين غرام القدود والنهود وبين محبة الله ورسوله والأب والأم والخليلة الحليلة والانشغال بالطاعة بقول في نهايتها (أفبعد هذا تظن عبد الغانيات هو السعيد؟)

إن العالم الشاعر يوسف القرضاوى يمتعنا ببلاغة الصياغة وفى معظم الأحيان يتركك أمام صورة ملموسة ومحسوسة وان لم تك مرئية هكذا فعل في قصيدته (قوة)

وتأملوا العنوان وفكروا وتوقعوا واستنتجوا قبل البحث عن ماهيته داخل القصيدة:

هذا الرقيق تراه عند الروع   ***   في قلب الأسود

متبسما والدهر غضبان   ***   يزمجر بالوعيد

فإذا رماه بالخطوب   ***   رماه بالعزم الجليد

هو كالشعاع المستقيم   ***   فلا يخر ولا يميد

هو ناصع لا يختفي   ***   خلف الستائر والسدود

لا يلتوي كالإفعوان   ***   ولا يطاطى كالعبيد

هو مطمئن   ***   لا يبيت من المخاوف في سهود

وهو العزيز   ***   وان يكن بين السلاسل والقيود

إنها قوة المسلم قوة العابد لله والمستمسك بدينه والصابر على الابتلاء والذي لا يعرف النفاق والرياء وكل كلامه وأفعاله ضياء يهتدي به إنها صورة المسلم التي لابد وألا يحيد عنها قط.

ومما لمحته في معظم قصائد شيخنا الجليل أن السعادة والرضي هما مقصده وهدفه وغايته هما تميمة الخلاص من بلاء الدنيا، فدائما ما تحتضن شفتاك تلك الكلمة بمعناها الواضح في قصائده مع اختلاف المسببات التي تؤدى إليها والنتائج المترتبة عليها

حتى أنه في بداية قصيدة (الثراء) يقول:

قالوا السعادة في الغنى   ***   فأخو الثراء هو السعيد

الأصفر الرنان في   ***   كفيه يلوى كل جيد

يرمى به شركا يصيد   ***   من الرغائب ما يصيد

وظل شيخنا يعرض قوة المال في يدى الثرى وسحره على النفوس الضعيفة ليدلل على ألسنة الناس (قالوا.. قالوا..) اقتناعهم بأن السعادة في الثراء ولكن لشاعرنا رؤيته المخالفة

ويدلل بقوة على صحتها وفساد الرؤية الأخرى:

قلت الغنى في النفس وهو   ***   لعمرك العيش الرغيد

كم عائل راض وكم   ***   مثر على بؤس قعيد

فيقيم في هم الطريف   ***   وفى الحفاظ على التليد

ويذوب في أطماعه   ***   هي ناره وهو الوقود

وبعد إن يعدد شاعرنا مسالب الغنى وعلاقة الناس بالثرى حين عماه والاستفادة منه ثم علاقتهم به بعد إفلاسه وهجرانهم له ، يأتي بالاستفهام الدائم والمسكت: أفبعد هذا تظن أن أخا الثراء هو السعيد؟

وكما أشرت أن السعادة هدف لا يخطئه الشيخ بل جعله قضيته تأملوا (هذى العقيدة للسعيد هي الأساس هي العمود) في قصيدة (قلب) ثم في قصيدة إيمان (قل للذي يبغى السعادة هل علمت من السعيد).

وان كانت السعادة إحدى قضايا القرضاوى الهامة التي أرشد إليها ووضح مقاصدها ومداخلها ومخارجها، فإن قضية الأمة ووهنها وتقاعسها أخذت منه عمرا وجهدا وفكرا وقلبا كيف لا وهو عالم علمائها،، فكيف لا يصيح محذرا ومنبها:

يا أمتي وجب الكفاح   ***   فدعي التشدق والصياح

ودعي التقاعس ليس   ***   ينصر من تقاعس واستراح

ودعي الرياء فقد تكلمت    ***   المذابح والجراح

خلص القرضاوى في الأبيات الثلاث إلى داء الأمة ما بين تقاعس وبين رياء أضاع على الأمة نفسها من نفسها، ثم يأتي بعد ذلك للمكاشفة:

سموا الحقائق باسمها   ***   فالقوم أمرهمو صراح

سقط القناع عن الوجوه   ***   وفعالهم بالسر باح

والباطنية مثلوا الدور   ***   المقرر في نجاح

أرأيت كيف يكاد للإسلام   ***   في وضح الصباح

 

ثم يضع شيخنا الشاعر يده على خلاصة الأمر ويرسم لنا طريق الخلاص مما نعانيه:

لابد من صنع الرجال   ***   ومثله صنع السلاح

لا يصنع الأبطال إلا   ****   في مساجدنا الفساح

في روضة القرآن    ***   في ظل الأحاديث الصحاح

في صحبة الأبرار   ***   ممن في رحاب الله ساح

هكذا في سلاسة وبساطة وعمق وعذوبة يتناول شاعرنا الشيخ وشيخنا الشاعر قضية الأمة وأحوالها.

تعددت قضايا القرضاوي وقصائده مما يجعلني مقصرا تجاه النيل من منهله الصافي المتدفق، لكنني أود قبل الخروج السالم الغانم من معمعة قضاياه أن أعظم قدر الرجل كشاعر كبير ولولا إخلاصه للعلم الذي جعله أميرا للعلماء لأصبح في الشعر أميرا للشعراء، نعم ولم أجامله ومن يريد دليلا قاطعا على ذلك عليه بقصيدته الرائعة «بنت قنا» التي كتبها منذ خمسين عاما والتي استخدم فيها التورية والرمز والمعادل الموضوعي بكافة اشتراطاته إنها تحمل الفكرة العميقة والصورة المبدعة واللقطة الطريفة والطرفة الجميلة.. تعالوا أولا نستمتع ببعض قطرات هذه الماتعة ثم نتحدث:

أنثى تروق أخا هيام   ***   حسناء فارعة القوام

جسم رشيق زانه   ***   عنق حكى عنق النعام

وتحس أن لقاءها   ***   يشفى الصدور من الأوام

وإذا حرمت القرب منها   ***   فالجوانح في ضرام

قنوية لكنها   ***   بيضاء كالبدر التمام

قنوية خلعت عباءتها   ***   وألقت الاحتشام

ثارت على قعر البيوت   ***   فلا يحب لها مقام

ليست ترد يدا تلامسها   ***   ولو كفى غلام

وإذا اقتربت تريدها   ***   وتروم منها ما يرام

أفضت إليك بصدرها   ***   دون امتناع أو خصام

وحبتك فاه العذب   ***  تلثمه ولا تخشى الملام

حتى التقى المستقيم   ***   بها تعلق واستهام

ما كفه عنها تقاه   ***   ولا نهاه أن استقام

قنوية لكنها   ***   رقت كأقداح المدام

هي لا تحب سوى العشير   ***   أخا التلطف والوئام

إن لم تعاملها برفق   ***   قد يفاجئها السقام

ولربما منيت بجرح   ***   لا يكون له التئام

ماذا دعي بنت الكرام   ***   ومن رماها بالسهام

كانت فتاة الحي ليلى   ***   كل قيس مستهام

ليست تنافسها هنالك   ***  «مدمزيل» أو «مدام»

واليوم قد أضحت تنازعها   ***  بنات العم سام

هذى هي الدنيا فليس   ***   لكائن منها دوام

أعرفت من أعنى لعلك   ****   قد فهمت من المقام

قل لي أبنت قنا ترى   ***   أم يا ترى بنت الحرام

 

اعتذر لشيخنا عن الاكتفاء بالتقاط تلك الحبات المشبعات من وجبته الدسمة تلك التي أعدها من أبدع الشعر العربي ففيها كل فنونه وأغراضه القضية والرثاء والمدح والفخر والعاطفة والجهاد والوصف و…. و…. هي عمل فريد يحتاج وحده صفحات وصفحات ولعلني أخلو بها وأصفو لها ذات يوم ، لقد وضع القرضاوى المتلقي في دائرتين دائرة الأنثى وشغله بالوصف الذي شف وعف ، ثم دائرة الاشتباه والشك في الشيخ العلامة صاحب قصيدة «غرام» التي هي على النقيض من هذه الحسناء ، ثم لعب شيخنا في دائرة أخرى مغلقه لم يفتحها حتى مع النهاية وإنما منحك نوافذ للإطلال عليها وبذلك وضعك في دائرة رابعة  هي دائرة البحث والتحري  عن تلك الحسناء ولابد لك أن تقرأ القصيدة مرات ومرات لترتيب لقطات العفة فيها والشهادة لها وتحيل لقطات الوصف والشبهة للتحليل والدراسة  كل هذا الكم الممتع لا يحتاج إلا ثوان معدودة، وتدهش بعدها عندما تكشف القصيدة عن سرها فقد كتبها سيدنا في (القلة) القناوى، وبالتأكيد أنه قصد ببنات العم سام الثلاجات والمبردات التطور الحديث للقلة.

ولابد أن أتوقف عنها الآن لأنني شرعت في اتصالات بالأصدقاء من الشعراء لأسمعهم هذه الفريدة ونتناقش حولها.

ولكنني لا يمكنني الخروج إلا وأنا اردد مع شيخنا الشاعر وشاعرنا الشيخ:

هو الرسول فكن في الشعر حسانا   ***   وصغ من القلب في ذكراه ألحانا

ذكرى النبي الذي أحيا الهدى وكسا   ***   بالعلم والنور شعبا كان عريان





التالي
مفتي أستراليا ينعي إلى الأمة وإلى كل أحرار العالم: سماحة الدكتور يوسف القرضاوي
السابق
وداعًا يا مودع الأعلام

البحث في الموقع

احدث التغريدات

احدث المشاركات

فروع الاتحاد


عرض الفروع