البحث

التفاصيل

حق الناس فى المال :

حق الناس فى المال :

الشيخ / محمد الغزالي

لا يجوز أن يبقى رجل من غير دخل- قليل أو كثير- يكفل له المستوى الواجب لمعيشته. وعلى المجتمع الدَّيِّن، أن ينظم أموره تنظيما، يؤدى إلى هذه النتيجة المحتومة، وإلا كان مجتمعًا لا دين له. وفى ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلّم : "أيَّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى". وقد أفتى ابن حزم وغيره من العلماء، بأنه إذا مات رجل جوعًا فى بلد اعتبر أهله قتلة، وأخذت منهم دية القتيل. وقد اعتبر القرآن أنه من التكذيب بالدين، أن تَدُعَّ اليتيم، وألا تحض على طعام المسكين. فكيف يكون رأى القرآن فى بلاد لا تهمل الحض على طعام المسكين فقط، بل تصنع الفقر والمسكنة، وتخرج إلى المجتمع الإنسانى ، ألوف الفقراء والمساكين؟!!. فكأن أنظمتها الاقتصادية آلات جبارة، تصوغ البؤس فى قوالب من أبناء آدم، ثم ترمى بهم على أفاريز الطرق، وفى خرائب الأبنية أو بين السجون والملاجئ والمستشفيات. هل نسمى هذا إلا أنه كفر بالدين، وإنكار لنصوصه وقواعده ومبادئه، إى وربى، وإن أصحاب هذه النظم هم أصحاب الميسرة فى الدار الآخرة .

(وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه * خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه * إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين ) والمال الذى يكفى لإذهاب العَيْلَة، واستئصال الحرمان، وإشاعة فضل الله على عباده، يجب إخراجه- مهما عظم- من ثروات الأغنياء، ولو تجاوزت تجاوزا بعيدًا مقادير الزكاة المفروضة، لأن حفظ الحياة حق إسلامى أصيل. - ومقادير الزكاة ليست إلا الحدَّ الأدنى لما يجب إنفاقه. - وقد ورد عن النبى صلى الله عليه وسلّم " إن فى المال حقًا غير الزكاة ". ولنا كلام يأتى بعد فى أنصبة الزكاة التى فرضها الشارع. غير أننا نلفت النظر، إلى أن الزكاة فى صدر الإسلام، لم تكن المصدر الوحيد، الذى رُصِدَ لمحاربة الفقر واستئصال شأفته. إن رأس مال أى أمة ناهضة هو جهد بنيها، وكدحهم وراء الرزق، واعتصارهم أسباب الحياة من الصخور. وعلى الدول شق ميادين العمل لكل قادر، واستنفاد الطاقات المختزنة فى الأجساد لمصلحة الفرد والجماعة، فإذا توفرت ثمرات العمل أولا.. فإن الزكوات وشتى ضروب العطاء عليها بعد ذلك أن تعمل عملها الواسع فى تفريج الضوائق، وسد حاجات اليتامى والمساكين والمعوزين. فإذا جفت بعض المنابع، كان على المنابع الباقية أن تحمل العبء كاملا، وعلى الدولة أن تستنبط من موارد المال، ما توازن به شئون المجتمع، وتقيم به مصالح الناس. والدين لها فى كل ذلك ظهير .

وإذا كانت الغاية التى شرعت من أجلها الزكاة، هى تحرير الفقراء من قيود الفاقة، وإطلاق إنسانيتهم من إسارها الحالك، فلْنُحَقِقْ هذه الغاية كاملة، وَلْنَحمل ما تفرضه علينا من تكاليف، قليلة أو كثيرة! لكن إبقاء كثير من الناس صرعى للفقر والمسكنة كان- والحق يقال- هدف أكثر الحكومات المتتابعة، فى العصور السابقة واللاحقة!!. إذ أن تجويع الجماهير، بعض الدعائم التى تقوم عليها سياسة الظلم والظلام!. ومن هنا انتشر الفقر انتشارًا ذريعًا فى الشرق الإسلامى، وسخر الدين ورجاله، لحمل الناس على قبوله واستساغته، وفسرت نصوص الدين المتصلة بهذا المعنى، تفسيرًا سقيمًا، نسى الناس معه حقوقهم وحياتهم، وجهلوا دنياهم وأخراهم، وحسبوا الفقر فى الدنيا، سبيلا إلى الغنى فى الآخرة، كما أسلفنا القول!. ونحن لا ننكر أن هناك آثارًا دينية، تحمد الفقر وتنوه بشأنه. ولكن ما دلالة هذا وما معناه؟ هل إذا قال شاعر : جزى الله الشدائد كل خير عَرَفْتُ بها عَدُوى من صديقى قلنا : إن الشدائد خير.. وألفنا مصلحة أو وزارة، نسميها وزارة الشدائد لتذيق الناس لباس الجوع والخوف؟!! وإذا قال القرآن الكريم فى وصف حديث الإفك، الذي طُعِنَ به شَرَف السيدة عائشة- صانها الله وكرمها- : (لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ) قلنا : إن الإفك خير، وألفنا جماعة لترويج الزور، ورمى الناس به، ودعوة الناس إلى الصبر عليه!! وإذا وقعنا على حديث للنبى صلى الله عليه وسلّم يمدح الفقر على النحو الذى عزيت به السيدة المتهمة بالإفك، وجدنا من بعض المتدينين من يؤلف طوائف من المتسكعين والمتبطلين باسم التصوف أو غيره، ليعيشوا فى الدنيا فقراء بائسين!! أجل، فإن الشدائد خير، وإن الإفك خير، وإن الفقر خير، مادامت الطبقات الكثيفة من الشعوب ستنام على الضيم، تاركة النعمة والترف والبذخ لمن قيض لهم هذا كله من المحتكرين والمستغلين !!

وهذا هو المنطق الذى يراد أن يقبل باسم الدين...! إن مصائب الحياة قد تكون خيرًا لا ريب فيه، كما تكون السموم دواء فى بعض الأحيان لأمراض الجسد. وهناك أفراد- بل أمم- تمتلئ حياتها بمظاهر الكبر والجبروت والعدوان، وتحتاج إلى قَمْع وتأديب يَغُضُّ من كبريائها وَيَحُدُّ من عدوانها، فيبتليها الله بالآلام. وليس فى شىء من هذا ما يبيح لنا الظلم الاجتماعى، أو ما يقسم البشر إلى آلهة وعبيد. وسنَّة الله فى خلقه أن يقيم ميل الإنسانية إذا اعوجت. وأن تُعيد إليها توازنها إذا اختلتْ، وأن يرددها لذلك بين السلم والحرب، والغنى والفقر، والأمان والقلق. (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين). فلنترك للقدر الأعلى أن يبرز حكمته، وأن تتخذ وسيلته، فلا شأن لنا بذلك، إنما كلفنا- ونكلف أبدا- أن نقيم العدالة بيننا، وأن نفرغ فى تحقيقها وسعنا وأن نبذل قصارانا، فى مصلحة الجماعة، وضمان حقوق الفرد، متجنبين الفتن والمحن، بكل ما نملك من قوة وتفكير.

من كتاب الاسلام والاوضاع الاقتصادية.


: الأوسمة


التالي
بمشاركة أرباش والقره داغي.. المؤتمر العالمي للمواقيت يدعو المسلمين إلى وحدة الصف وعكس الصورة العالمية للإسلام
السابق
د. محمد الصغير يكتب: نصيحة المحب الشفوق لتونس حتى لا نكرر نفس الخطأ