تلويث آبارنا!

بواسطة : د. ونيس المبروك

تلويث آبارنا!

بقلم: د. ونيس المبروك

 

عرَفَ تاريخُنا القديم والمعاصر ظاهرة "تلويث" المفاهيم !

وأعني بها ما قام به بعض الناس عن قصد أو عن غير قصد، بمَزج مفاهيم الإسلام وتعاليمه الصافية بما تَرسّبَ في عقولهم من شُبهات وشكوك نتيجةً لمطالعاتهم المتشظية للتراث الوافد في عصور الإسلام الأولى، أو ما يتَقمّصُه بعض المعاصرين مِن منتوجات الحيارى والسُكارى، وتراث الإغريق وكل غَريق .!

الإسلام يُعلي من قيمة الحرية، ولا يُحجّر على فكر الإنسان وقلمه ولسانه، ولا يضع أمامَه بواباتٍ تمنعه مِن أن يأخذَ الحكمةَ مِن أي موردٍ جاءت، مادام هذا النشاط الفكري يقوم على موضوعيةٍٍ تنزهُه من العبث، ولا يستهدف تقويضَ هويةِ المجتمع وتدنيس المقدسات والطعن أو التشكيك في مرجعيته العليا. كما أنّ دينَنا يتخذُ من البراهين والحوار بالتي هي أحسن،الوسيلةَ الأمثل للتفاهم والتعايش وفَض الخِلاف وتدبير الاختلاف.

ولكن كل هذا لا ينفي حضورَ " الأهواء" والدوافعَ النفسية خَلفَ ما ينشره وينقله الناس مِن أفكار، وهي مسألةٌ بالِغةُ التعقيد والخَفاء، مما جعلَ القرآن الكريم يتناولها في أكثر من مناسبة، ويُحذّر من أن تنقلبَ تلك الأهواء إلى موجهات للسلوك الإنساني في ميدان العلم أوالعمل أو في كليهما معاً !

ذكر ابنُ الجوزيّ أنّ أعرابياً كان في موسم الحج والناس تزدحم على بئر زمزم فقام ذاك الأعرابي وحَسرَ ثوبَه، ثمّ بالَ في البئرِ المبارك، فتجمع عليه النّاس وانهَالُوا عليه ضرباً حتى كادَ أن يموت، وعندما جاء به الحرس لأمير مكة قال له: قبّحَكَ الله، لِمَ فعلتَ هذا؟! فقال: حتى يعرفني النّاسُ فيقولون هذا الذي بال في بئر زمزم !

بعض النّاس يستسهل البول في بئر تعاليم الإسلام الصافية، لا لشيء إلا كي يُعرَف !

صحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن "تزريم" الأعرابي الذي بال في مسجده! ولكن هذا لا يمنع من تنبيه ذلك الأعرابي مِن أنّ هذا مكانٌ مُقدس.

كما أنّ هذا النصحَ والتحذيرَ لا ينافي حريةَ الرأي وليس حَجْراً على الفِكر، إنما هو توجيه للمكان الصحيح الذي يجوز للناس أن ينثروا فيه شكوكهم وطعونهم وهواجسهم إن ضاقت بها صدورهم.

بالنسبة لي - وليعتبره التنويريون رأياً - أعتقد أن مَن يُشكك في مرجعية الكتاب والسنة ودلالتهما على الأحكام، أو يطعن في عدالة الصحابة الكرام، أو يسعى لتقويض مناهج الاستدلال بالنصوص،... إما أنه مثل ذاك الأعرابي الذي بالَ في المسجد لأنه لا يُميز بين الخلاء المُنجَس والمكان المقدس؛وهذا من حقه أن يُصَحَح.

أو أنه مثل ذلك الأعرابي الذي بالَ في بئر زمزم كي يُعرف بين الناس؛ وهذا حقه أن يُنصَح.


اترك تعليق