رحلة من العلم إلى الإيمان

بواسطة : الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله

رحلة من العلم إلى الإيمان

الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله

العقل المستقيم لابد أن يصل إلى الله، وتفكيره الجيد لن يبعده عن الله أبدا مهما طال المدى.

لقد بدأت الدراسات العلمية فى الغرب بعيدة عن الدين بل كافرة به لأن الدين الذى ورثته يجافى المنطق، وينأى عن العقل، فلا غرو إذا بدأ العلم ملحدا. وأخذ العلماء طريقهم فى بحث المادة وخصائصها وقواها، ينقبون فى فجاج الأرض وآفاق السماء فبوغتوا بما يقودهم قودا إلى الله، ويدلهم على عظمته ومجده.

إن الفكر الصائب يستحيل أن يباعد عن الله! إنه يسوق إليه سوقا لطيفا! لماذا؟ (إن ربي على صراط مستقيم).

إذا كان هدف ما على بعد ميل، فإنك بالغه حتما إذا سرت متجها إليه، المهم أن تسير فى اتجاه صحيح! إن العوج والشرود لا يقرران حقيقة، ولا يوصلان إلى غاية.

وقد اختلفتُ مع بعض أصدقائى فى جملة قضايا جادة!، ولم أغضب منهم مع خطورة الموضوع، فقال لى أحد الناس: لماذا لم تقاطع أولئك الأصدقاء الشاردين؟ فقلت: إنهم أخطئوا مخلصين، ولهم فكر حسن، وسوف يقودهم فكرهم السليم إلى الحقيقة يوما ما. العقل الجيد مادام يلتزم منهجه فسيعرف ربه إن قريبا وإن بعيدا. (إن ربي على صراط مستقيم).

وقد قرأت لنفر من أساطين العلم المادى كلمات صادقة فى هذا المجال أنقلها هنا مع تصرف يسير يضبط معناها.

يقول الفلكى الإنجليزى (سير جيمنس جينز): (أما الآن فالآراء متفقة إلى حد كبير ـ فى الجانب الطبيعى مع العلم ـ اتفاقا يقارب الإجماع، على أن نهر المعرفة أخذ يتجه نحو حقيقة غير مادية، وغير آلية! وبدأ الكون يلوح أشبه بفكرة عظيمة منه بآلة عظيمة! ونحن واجدون فى الكون دلائل تنبىء عن وجود قوة مدبرة مسيطرة، بينها وبين عقولنا الفردية شىء مشترك).

هذا آخر ما يمكن أن يقوله عن الله ـ الحى القيوم المحيط المهيمن ـ باحث فى الكون لا يعرف الإسلام.

كانت بيئة هذا العالم الفلكى تتوارث أن الكون ركمت مادته جزافا بل إنها نشأت كذلك.. فإذا التأمل الطويل يكشف عن قوانين بالغة الدقة، يشرف عليها عقل فردى واسع الذكاء.

ولو عرف هذا الرجل الاسم لقال كلاما آخر يستند إلى وحى أعلى وتصور أحكم! وأنى له أن يعرفه؟

وهذا باحث مشغول عن اليوم الآخر، لا يفكر فى حياة بعد الموت، إنه (آرثر كومبتون) الحائز على جائزة نوبل فى (فيزياء الذرة)، وتخصصه لا علاقة له بالروح فإن العلم يرى أن المادة وحدها موضوعه، وأن ما وراءها لا يسمى علما..

يقول ذلك الباحث: (إننى فى معملى لا أعنى بإثبات حقيقة الحياة بعد الموت.. ولكننى أصادف كل يوم قوى عاقلة تجعلنى أحس إزاءها بأنه يجب على أن أركع احتراما لها).

إن الرجل تروعه حكم شتى تتراءى له وهو يعمل، متحدثة كلها عن بديع السموات والأرض، الذى خلق كل شىء بقدر، وهدى أجزاء الذرة إلى الانتظام فى فلكها دون اعوجاج أو استرخاء. إنه يرى لزاما عليه أن يركع أمام ذلكم المليك المقتدر! ولطافة الصنعة تبعث على الدهشة والإعظام.

والقرآن الكريم يلفتنا إلى ذلك عندما يحدثنا عن اخضرار الأرض السوداء تحت مواقع المطر: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير).

اللطافة والخبرة صفات الخالق العظيم، وإنها لصفات غريبة الآثار عندما تنشىء الحياة وتحيى الموات وتفتق الثرى الهامد عن حبوب وفواكه وخيرات لا حصر لها.. ألا يستحق صاحب هذه الصفات أن نركع له؟

واللطف فى ذلك الإيجاد يعادله اللطف فى تصريف الأقدار بين الناس، وقد استولى هذا الشعور على فؤاد يوسف الصديق عندما وازن بين ماضيه وهو صبى مختطف رقيق وبين حاضره وهو ملك مهيب عزيز وكيف رتب القدر الأحداث التى تمخضت عن تلك النتائج؟ فما ملك نفسه آن يقول: (إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم).


اترك تعليق