البحث

التفاصيل

د. محمد الشنقيطي: تحرير القدس يبدأ بتحرير شعوب “الهلال الإسلامي المتوسطي” من الاستبداد (حوار)

د. محمد الشنقيطي: تحرير القدس يبدأ بتحرير شعوب “الهلال الإسلامي المتوسطي” من الاستبداد (حوار)

انتفاضة الأقصى في 28 رمضان تأتي بعد تغيرات كبيرة في المنطقة، خاصة مع دعوات التطبيع، كيف تنظرون للصورة الكاملة؟ 

‏محمد المختار الشنقيطي: تدل هذه الانتفاضة المباركة على أن الشعب الفلسطيني شعب حيٌّ وأبيٌّ، وأن كل مساعي التدجين والتطبيع لم تؤت أكلها، فقد أظهر الجيل الفلسطيني الجديد أنه لن يرضخ للاحتلال، وأن كل الاتفاقيات التي تفرّط في حقه من “اتفاق أوسلو” إلى “اتفاق دايتون” لم تجعله يراهن على أوهام السلام مع العدوّ الصهيوني، الذي تنحصر غايته الأولى والأخيرة في سلب الشعب الفلسطيني أرضه، وتهويد المقدسات الإسلامية في فلسطين.

وقد تفاعلت الشعوب المسلمة في كل مكان مع انتفاضة الأقصى الحالية، ويجب أن يستمر هذا الزخم من أجل تثبيت الفلسطينيين على أرضهم التي يهددها الاستيطان، ومنع العدو من أي تغيير في وضع المقدسات الإسلامية في القدس الشريف التي يهددها التهويد، إلى أن تتعافى الأمة وتبدأ عملية التحرير.

شهدت إسطنبول احتجاجات شعبية واسعة ضد القنصلية الاسرائيلة ليلة أمس، بالرغم من وجود حظر تجوال شامل في تركيا، كيف تقيمون الدور التركي في نصرة قضايا الامة عموما وقضية فلسطين على وجه الخصوص؟

‏محمد المختار الشنقيطي: تركيا هي الدولة المحورية في قلب العالم الإسلامي اليوم، ولديها مواقف مشرِّفة في نصرة قضايا الحق والعدل، وحقوق الشعوب المسلمة في كل مكان. 

وللشعب التركي تاريخ عريق في رعاية مدينة القدس، والدفاع عن المسجد الأقصى المبارك. ولا بد أذكر مثالا على ذلك من تاريخنا المعاصر، فقد واجه المشروع الصهيوني عائق الدولة العثمانية التي كانت فلسطين جزءا منها. فاستغل القادة الصهاينة أزمة الديون العثمانية للدول الأوروبية، واقترحوا على السلطان عبد الحميد سدادها مقابل فلسطين. 

 

ورفض السلطان ذلك العرض بقوة، وكتب عن ذلك في مذكراته: “لا أستطيع أن أتنازل عن شبرٍ واحدٍ من الأراضي المقدَّسة، لأنَّها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي. وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأرض، وروَّوها بدمائهم؛ فليحتفظ اليهود بملايينهم. إِذا مُزَّقتْ دولتي، فمن الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل، ولكن لزم أن يبدأ التَّمزيق أوَّلاً في جثَّتنا، ولكن لا أوافق على تشريح جثَّتي وأنا على قيد الحياة.” 

وبالفعل لم ينل الصهاينة أرض فلسطين إلا بعد تمزيق الدولة العثمانية، وهم لم يكونوا بعيدين عن ذلك التمزيق، بتحريضهم القوى الاستعمارية الغربية. 

فبعد يأسه من بيع السلطان عبد الحميد فلسطين له بالمال، كتب رئيس الوكالة اليهودية (ثيودور هرتزل) في مذكراته: “إِنِّي أفقد الأمل في تحقيق أماني اليهود في فلسطين، وإِنَّ اليهود لن يستطيعوا دخول الأرض الموعودة، ما دام السُّلطان عبد الحميد قائماً في الحكم، مستمرَّاً فيه".

وفي موضع آخر من مذكراته كتب هرتزل: “أقرُّ على ضوء حديثي مع السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا يمكن الاستفادة من تركيا إِلا إِذا تغيَّرت حالتها السِّياسيَّة، أو عن طريق الزَّجِّ بها في حروب تهزم فيها، أو عن طريق الزَّجِّ بها في مشكلاتٍ دولية، أو بالطَّريقتين معا في آنٍ واحد".

وهذا ما حدث بالفعل، فقد تم توريط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى التي انتهت بتمزيقها، وبحصول اليهود على فلسطين بالمجان، كما توقع السلطان عبد الحميد. 

فقضية فلسطين ألقت بظلالها على مصير المنطقة السياسي خلال القرن الماضي كله، ولا تزال تلقي بظلالها عليه اليوم. 

وهي ليست قضية معزولة، بل هي قلب الصراع والتدافع بين العالم الإسلامي والقوى الدولية الطامعة.

لديكم نظرة خاصة بشأن تحرير القدس وفلسطين تنطلق من دول هلال البحر الابيض المتوسط، وأن تحرير الأقصى مرتبط بمدى تحقيق الحرية في تلك البلدان، هل يمكن تسليط الضوء على هذه الرؤية أكثر؟

‏محمد المختار الشنقيطي: رؤيتي لهذا الموضوع تنطلق من منطق الجغرافيا السياسية والتاريخ السياسي. 

فالدول المسلمة الموجودة الآن ضفاف الشق الشرقي من المتوسط هي البيئة التاريخية والاستراتيجية التي تحتضن القدس، إذ تشكل هذه الدول هلالا إسلاميا يحيط بالقدس من كل الجهات البرية: تركيا (شمال شرق المتوسط) وبلاد الشام والعراق (شرق المتوسط)، ومصر (جنوب شرق المتوسط)، وتقطنها غالبية من الشعوب المسلمة التركية والعربية والكردية، التي يجمعها الفضاء الحضاري الإسلامي المشترك. 

ولدينا سابقة تاريخية في تحرير القدس من الصليبيين عام 1187م بعد أن احتلوها نحو تسعة عقود من الزمان، تدل على أهمية هذا الهلال المتوسطي في أي قضية تتعلق بالقدس والأقصى. 

فقد تم ذلك التحرير عام 1187م بعد توحيد الشعوب المسلمة الموجودة على ضفاف ذلك الهلال البحري الذي نسميه الآن “شرق المتوسط”. والذي ينظر في تركيبة جيوش صلاح الدين الأيوبي التي حرر ت القدس من احتلال الصينيين عام 1187م سيجد أنها جاءت من حواضر إسلامية عديدة في هلال شرق المتوسط، منها: ديار بكر وعينتاب وأورقة (في تركيا اليوم)، والرقة وحلب وحماه ودمشق (في سوريا اليوم)، وأربيل والموصل (في العراق اليوم)، والقاهرة والسويس (في مصر اليوم)، والكرك وعمّان (في الأردن اليوم). 

بمعنى أنها جيوش قادمة من منطقة هلال شرق المتوسط كلها. 

ولا تزال حقائق الجغرافيا السياسية الثابتة تدل على هذا الهلال الإسلامي المتوسطي هو الذي بيده تحرير القدس، دون إعفاء بقية الأمة من مسؤوليتها في الإسناد والإمداد. والإسرائيليون يدركون ذلك تماما، لذلك يكثرون الحديث في السنوات الأخيرة عن ما يسمونه “البيئة الاستراتيجية” وما فيها من تحولات ويقصدون بذلك هذا الهلال الإسلامي المتوسطي، وما يموج فيه من تحولات سياسية واستراتيجية، وسعي شعوبه إلى التحرر والنهضة. 

وقد توصلوا إلى نتيجة واضحة، هي أن بقاء مشروعهم الاحتلالي مرتبط ببقاء أنظمة الاستبداد مسيطرة على الشعوب المسلمة في هذا الهلال المتوسطي. 

ولذلك فإن الطريق إلى تحرير القدس والأقصى يبدأ بتحرر الشعوب من الاستبداد في هذه المنطقة، والنضال من أجل فلسطين يبدأ بالنضال من أجل الديمقراطية في دول شرق المتوسط، ثم النضال من أجل توحيد كلمة شعوبنا على التعاون الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي.

فالعلاقة بين احتلال فلسطين والاستبداد الجاثم على صدور شعوبنا علاقة وجودية. ولذلك يمكن القول إننا لن نحرر القدس، ولكن القدس هي التي ستحررنا في نهاية المطاف.

"حوار صحيفة "تركيا ميديا" مع المفكر الدكتور محمد المختار الشنقيطي عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - ‏أستاذ الفكر السياسي بجامعة قطر"

المصدر: ترك ميديا 

 


: الأوسمة


التالي
القره داغي: أهنئ الأمة الإسلامية بحلول عيد الفطر المبارك
السابق
حكم إعطاء الزكاة للإخوة