شهر رمضان والدعاء

بواسطة : د. سلمان العودة

شهر رمضان والدعاء

مجالس رمضانية مع الشيخ الدكتور سلمان العودة

الدعاء هو الرغبة إلى الله سبحانه، واستمدادُ المعونةِ منه، في سائر أمور الدنيا والآخرة. وحقيقته: إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتبرُّؤ من الحول والقوَّة، وهو سمةُ العبودية، ومظهر الإيمان، وعنوان اليقين.

وعجيب وجميل أن يذكر الدعاء وسط الكلام عن الصيام وأحكامه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].

هذا التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام إلى خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يذكِّرهم ويعلِّمهم ما يراعونه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والإخلاص، والتوجُّه إليه وحده بالدعاء الذي يُعدُّهم للهُدى والرَّشاد.

ومن أسرار الإعجاز في الآية الكريمة، أنه تعالى لم يقل: (فقل لهم: إني قريب). بل قال لكمال قربه منه: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾. فخاطبهم مباشرة بجواب سؤالهم، ثم فسَّر قربه منهم بأنه يجيب الداعي، وهذا من القرب، وهو مقصود السؤال؛ لأنهم قالوا: «أقريبٌ ربُّنا فنناجيه، أم بعيدٌ فنناديه».

ومن قربه أنه يعلم السر وأخفى، كما قال: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16] ، فهو سبحانه قريب بالإجابة وبالإثابة وبالعلم وبالسلطان.

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَن لم يسألِ اللهَ يغضبْ عليه. وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أفضلُ العبادة الدعاءُ. وعن النعمان بن بَشِير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاءُ هو العبادةُ؛ قال ربُّكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] ».

وقال صلى الله عليه وسلم: إن أبخلَ الناس مَن بَخِلَ بالسلام، وأعجزَ الناس مَن عَجَزَ عن الدعاء.

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: «إن الله حَيِيٌّ كريمٌ، يَسْتَحْيِي إذا رَفَع الرجلُ إليه يديه أن يَرُدَّهما صِفْرًا خائبتين». وقد رُوي مرفوعًا، والموقوف أشبه.

وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ما على الأرض مسلمٌ يدعو اللهَ بدعوة، إلا آتاه اللهُ إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها؛ ما لم يَدْعُ بمأثم، أو قطيعة رحم».

وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني».

وللدعاء آداب، على المسلم أن يلتزمها ويتحرَّاها؛ لأن ذلك من أسباب الإجابة:

• الأول: أن يتحيَّن الأوقات الفاضلة، مثل:

1- وقت السحر: فعن عَمرو بن عَبَسَة رضي الله عنه، أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعتَ أن تكونَ ممن يذكرُ اللهَ في تلك الساعة، فَكُنْ».

وعن جابر رضي الله عنه، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الليل ساعة، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، يسألُ اللهَ خيرًا إلا أعطاه». أخرجه مسلم، وزاد أحمد: «وهي كلَّ ليلةٍ».

2- في السجود: فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء؛ فقَمِنٌ -أي جديرٌ- أن يستجابَ لكم».

3- عند الأذان: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إذا نادى المنادِي فُتحت أبوابُ السماء، واستُجيب الدُّعاء».

4- بين الأذان والإقامة: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا يُرَدُّ الدعاءُ بين الأذان والإقامة».

وفي لفظ: «الدعاء بين الأذان والإقامة مستجابٌ؛ فادعوا».

5- عند لقاء العدو: فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثنتان لا تُردَّان -أو قلَّما تُردَّان-: الدعاء عند النداء، وعند البأس، حين يلحم بعضُهم بعضًا».

6- عند نزول المطر: كما في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه المتقدِّم، وفيه: «وتحت المطر».

7- آخر ساعة من نهار الجمعة: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يومُ الجمعة ثنتا عشرةَ -يريد: ساعة- لا يوجدُ مسلمٌ يسأل اللهَ عز وجل شيئًا إلا آتاه الله عز وجل، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر».

وفي المسألة قول آخر مشهور: أنها من دخول الإمام إلى أن تُقضى الصلاة، وقال قوم: إنَّ الساعة ملتمسة بين هذين الوقتين. والله أعلم.

ومن ذلك أيضًا أن يتحرَّى الأحوال الشريفة، ومن ذلك:

1- دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «دعوةُ المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابةٌ، عند رأسه مَلَكٌ مُوَكَّل، كلما دعا لأخيه بخير، قال المَلَكُ الْمُوَكَّلُ به: آمين، ولك بمثل».

2- أن يبيت على ذكر، فَيتعَارَّ من الليل فيدعو: فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يبيت على ذكر الله طاهرًا، فَيتعَارَّ من الليل، فيسأل اللهَ خيرًا من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه».

3- دعوة المسافر: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثُ دعوات مستجاباتٌ، لا شك فيهن: دعوةُ الوالد، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ المظلوم».

4- دعوة الصائم: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم: الصائم حتى يُفطرَ، والإمامُ العادلُ، ودعوةُ المظلوم...».

ورُوي أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما كان إذا أفطَرَ دعا أهلَهُ وولدَهُ ودعا.

• الثاني : أن يدعو مستقبل القبلة، ويرفع يديه.

• الثالث: خفض الصوت بين المخافتة والجهر.

فعن عائشةَ رضي الله عنها، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 110] قالت: «في الدعاء».

وقال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناسُ، اَرْبَعُوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا؛ إنه معكم، إنه سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جده».

• الرابع: عدم الاعتداء في الدعاء.

قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55].

والاعتداء فيه: كالدعاء بتعجيل العقوبة، أو الدعاء بالممتنع عادة أو عقلًا أو شرعًا، أو الدعاء في أمر قد فُرغ منه، أو الدعاء بالإثم وقَطِيعة الرحم.

• الخامس: التضرُّع والخشوع والرغبة والرهبة.

قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].

• السادس: أن يجزم بالدعاء، ويُوقِن بالإجابة، ويَصْدُق رجاءه فيه.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ادعُوا اللهَ وأنتم مُوقنون بالإجابة، واعلموا أن اللهَ لا يستجيبُ دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ».

وعنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعا أحدُكم فلا يقل: اللهمَّ اغفرْ لي إن شئتَ. ولكن لِيَعْزِمَ المسألةَ، وليُعَظِّم الرَّغبةَ؛ فإن اللهَ لا يتعاظمه شيءٌ أعطاه».

قال سفيانُ بن عُيينةَ: «لا يمنعنَّ أحدَكم من الدعاء ما يعلم من نفسه؛ فإن الله عز وجل أجاب دعاءَ شرِّ الخلق إبليس لعنه الله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: 36-37] ».

• السابع: أن يُلِحَّ في الدعاء، ويُعْظِم المسألةَ، ويكرِّر الدعاءَ ثلاثًا.

فعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سألَ سألَ ثلاثًا. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سألَ أحدُكم فليكثرْ؛ فإنما يسألُ ربَّه.

• الثامن: أن يفتتح الدعاء بذكر الله وتمجيده والثناء عليه، وأن يختمه بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لحديث فَضَالة بن عُبيد رضي الله عنه قال: سمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته لم يمجِّد اللهَ تعالى ولم يصلِّ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «عَجِلَ هذا». ثم دعاهُ، فقال له أو لغيره: «إذا صلَّى أحدُكم، فليبدأْ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يصلِّي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعدُ بما شاء». وفي لفظ: «فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه».

• التاسع: وهو الأدب الباطن

وهو الأصل في الإجابة: التوبةُ، ورد المظالم، والإقبال على الله عز وجل بكامل قلبه؛ فذلك هو السبب القريب في الإجابة. فعن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «إني لا أحمل همَّ الإجابة، ولكن همَّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاءَ، فإن الإجابةَ معه». وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «ادع اللهَ في يوم سَرَّائك، لعله يستجيبُ لك في يوم ضَرَّائك». وعن الحسن، أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يقول: «جِدُّوا بالدعاء؛ فإنه من يُكْثرُ قَرْعَ الباب، يوشكُ أن يُفتح له». وعن حذيفة رضي الله عنه قال: «ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا ينجو فيه إلا مَن دعا بدعاء كدعاء الغريِق».

• العاشر: عدم العجلة:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَلْ، فيقول: قد دعوتُ، فلم يُستجبْ لي».

وليعلم الداعي أن الدعاء عبادة، وربما كانت الإجابة هي قبول العبادة، وكتابة أجرها في الدار الآخرة، أو أراد الله أن يديم العبد الانكسار، أو أجَّل المطلوب لمصلحة لا يدركها العبد، أو دفع عنه من الشر مثلها، كما ورد.

ومن أعظم أسباب القبول: الحال التي يكون عليها الداعي من الانقطاع والاضطرار، والإيمان بالله وقدرته وحكمته ورحمته، وأنه يسمعه ويراه، وتكرار ذلك؛ فإن صاحبه لا يخيب.

فنسأله تعالى بذلك كله، وبكل وسيلة يحبها ويرضاها ويستجيب لصاحبها، أن يصلح أحوالنا، ويقبل أعمالنا، ويهدي ذريَّاتنا، ويجمعنا على محبته وطاعته، وأن يصلح أحوال المسلمين أجمعين، ويهيِّئ لهم من أمرهم رشدًا.


اترك تعليق