د. حاتم عبد العظيم: رمضان يزيد عطاء الله ونفحاته والفيوض الإلهية

بواسطة :

د. حاتم عبد العظيم: رمضان يزيد عطاء الله ونفحاته والفيوض الإلهية

-كورونا لا يُسقط فريضة الصيام ولا يمنع صلاة القيام ولو في البيوت

-الأمة الإسلامية تعيش واقعاً مأزوماً لبعدها عن القيم الكبرى للإسلام

-الربيع العربي سيتكرر ويمتد ليعيد للامة نهضتها وتقدمها 

-داعش وغيرها حصان طرواده لمشاريع الاستعمار

-التضييق على المسلمين في الغرب يكسب قضية الإسلام أرضاً جديدة

-هدم المساجد جزء من سياسة التضييق ومحاصرة الإسلام 

 

أكد الدكتور حاتم عبد العظيم أستاذ الشريعة الإسلامية، أن رمضان موسم الهداية والرحمة بين البشر، ومظهر للكرم الإلهي.

وبين الدكتور عبد العظيم في حواره لـ”الحقيقة بوست”  أن ظهور وباء كورونا لا يُعطل الصوم، ولا يمنع إقامة العبادات الرمضانية، مضيفاً أن لا يمكن إقامته في المسجد فيمكن إقامته في البيوت مثل صلاة التراويح، التي ليس شرطا فيها إقامتها في المساجد.

ونبه إلى أن الأمة الإسلامية تعيش واقعاً مأزوماً، جعلها تنكص عن القيام بدروها في إقامة الدين وعمران الأرض، موضحاً أن الإسلام يتعرض للحرب والتشويه من ناحيتين، أولاهما الجماعات الضالة التي تشوه القيم الإسلامية الكبرى مثل داعش وغيرها التي صنعها الغرب لتبغيض الإسلام إلى الغرب، والناحية الثانية جماعات الإسلاموفوبيا التي تناصب الإسلام والمسلمين العداء.

وإلى نص الحوار..

* ماذا تقول عن رمضان وفضله ومنزلته وما الفارق بينه وبين سائر الشهور الأخرى؟

- شهر رمضان أراده الله موسماً للهداية والرحمة للبشر وهو مظهر للكرم الإلهي، فالله سبحانه وتعالى يعاملنا بكرمه فيه، فالحسنة بعشر أمثالها لكنه سبحانه وتعالى لا يرضى بهذا الحد من الكرم فيمنحهم المزيد، فيعطي لهم في أيام دهرهم نفحات كفيض من كرم الله ورحمته ومن هذه النفحات والفيوض الإلهية شهر رمضان، الذي تُضاعف فيه الأجور فتكون الفريضة كسبعين فريضة فيما سواه، والنافلة كالفريضة فيما سواه. كما جعل الله فيه أبواباً مختلفة لحصول المغفرة والتوبة التامة، منعا صيام رمضان فمن صام رمضان إيمانا واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن ثم فشهر رمضان هو مدار العام بالنسبة للمؤمن في علاقته بالله سبحانه وتعالى، ويُبنى العام كله على علاقة المسلم بالله في رمضان الذي يخرج منه المؤمن بإذن الله إذا احسن الصيام والقيام وليس عليه من ذنوبه السابقة شيء، ويُولد قلبه من جديد، بقيت حسناته وتضاعفت وزادت الأجور، وباركها الله وغُفرت سيئاته، وتبدأ صفحة جديدة في حياة كل مسلم بشهر رمضان.

 

تأثير كورونا

ـ: لكن رمضان هذا العام والذي قبله صاحبه وباء كورونا.. فكيف ترون ذلك؟

  • وجود الوباء هذا العام والذي قبله لا يقلل من مكانة الشهر ولا من مركزيته، ولا قيمته في حياة المسلمين فكورونا لا يؤثر على اي عبادة رمضانية، فالصيام ممتد ومستمر ولا يتأثر بحالات الحظر الموجودة في بعض البلاد. وصلاة القيام ذاتها ليس شرطأً أن تؤدى في المساجد فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها منفرداً في بيته، أو مجتمعاً بأهل بيته وليس شرطاً من شروطها أن يجتمع الناس لها في المساجد ليصلوها بالأعداد الكبيرة بل يكفي أن يصلوها في بيوتهم لحصول الأجر، وربما يكون ذلك باباً لاجتماع الأسرة، وتحقيق التواصل بينها والالتقاء على الطاعة وتمتين الأواصر بينها، حين يتشاركون هذه العبادة مع بعضهم البعض ويصلون جماعة، ويكون كل بيت مسجداً وموضعاً للذكر وللعبادة، فيزيد الخير. فمن خصائص هذه الأمة أن الله جعل لها الأرض مسجداً وطهوراً، ولذلك لا أرى أن الوباء يؤثر على الشهر الكريم ولا على علاقة المسلم بربه سبحانه وتعالى.

 

* ونحن في شهر تجتمع فيه الأمة الاسلامية على الصيام والقيام.. كيف ترى حال الأمة؟

- الحقيقة أن الأمة الإسلامية تعيش واقعاً مأزوماً وهذه الأزمة ليست وليدة اليوم، وليست وليدة هذه المرحلة، فالأمة في القرن الأخير بأسره تعيش حالة من التراجع الحضاري، وحالة من التنازع والبعد عن القيم الكبرى للإسلام والوظيفة الاساسية لأمة الإسلام، وهي وظيفة الشهادة على الناس إيماناً وعمراناً. فالله سبحانه وتعالى كلف البشرية منذ البداية بمهمتين رئيستين، المهمة الأولى هي مهمة عبادته الله وإقامة منهجه في الناحية الدينية والاجتماعية والسلوكية. وأن يكون ذلك كله على أساس سليم نزل به الوحي وأرسل به الرسل وأنزل الكتب، لإقامة الدين الحق في الأرض، والأمر الثاني والوظيفة الثانية هي عمارة الأرض قال تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) أي وطلب منكم عمارتها.

وبالتالي كانت هذه المهمة إيماناً وعمراناً منوطة بالأنبياء والرسل في كل جيل، والآن النبوة في أمة الإسلام في الأمة المسلمة، وهي النبوة الخاتمة، ولا نبوة بعدها، والأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم تحملت التكاليف، تكاليف الدين وتكاليف الرسالة وتكاليف البلاغ، وتكاليف الشهود على الناس، وإذا نظرنا إلى عظم المهمة وهذه الأمانة، وإلى ثقلها نجد أن الأمة الإسلامية قد تخلفت عن هاتين الوظيفتين تخلفاً هائلاً، فلا هي أقامت الدينا ولا هي اصلحت الدنيا، ولا امتثلت المنهج الإلهي الكامل في حياتها، ولا هي ارادت العلم ولاهي ارادت البناء ولا هي ارادت العمل الحضاري، بل تأخرت في المجالين غاية التأخر، ربما تكون المرحلة التي تمر بها الأمة الآن هي مرحلة يقظة وهي تمرد على ذلك الموروث من التأخر والتخلف، وربما كانت ثورات الربيع العربي تغذيان هذا التحول وسوف تستمر موجات هذا الربيع وتتكرر ويعود مداه حتى نصل بالأمة إلى النهضة والتقدم، وقبل ذلك التحرر من سلطان الاستبداد السياسي الذي كان سبباً في تخلف الأمة وتأخرها خلال القرن الماضي.

 

* ما رأيكم في الجماعات المتشددة التي أضرت بالإسلام كداعش وغيرها؟

- في تقديري أن هذه الجماعات داعش وغيرها هي صنيعة الغرب لأهداف لا تخفى على أحد، على رأس هذه الأهداف ان يتخذوها ذريعة لضرب الأمة، وهؤلاء دائماً حصان طرواده لمشاريع الاستعمار أو وكلاء الاستعمار. وفي تقديري أن هذه الجماعات والحركات مصنوعة على يد الغرب سواء علم هؤلاء أو لم يعلموا، وهي مصنوعة بقصد ضرب الثورات ووأد حركات التحرر. والأمر الثاني ضرب قيم إسلامية كبرى، فعندما ترفع شعار الدولة الإسلامية، وتكون تصرفاتها بهذه البشاعة، وهذه المعاداة لقيم الإسلام، وهذه الجرأة على الدماء، فهذا يشوه صورة الدولة الإسلامية في نفوس الناس حتى في نفوس المسلمين أنفسهم ، كذلك أن ترفع شعار الخلافة وأنها دولة الخلافة فهذا يصنع حائلاً أو حاجزاً بين الناس وبين مصطلح دولة الخلافة التي تعني حكماً رشيداً صالحاً جامعاً للأمة.

وأجهزة المخابرات في الدول الغربية الكبرى يستفيدون منها على عدة مستويات، على مستوى وأد حركات التحرر والثورات في الدول العربية والإسلامية وعلى مستوى تشويه القيم الإسلامية الكبرى والنظام السياسي الإسلامي ومصطلح الخلافة التي تعني الحكم الرشيد، فيتم ابتذال كل هذه المصطلحات وتبغيضها إلى الناس.

 

* كيف ترى الهجمة الفرنسية والغربية على المسلمين والتضييق عليهم؟

- ربما يعود الأمر إلى تنامى الإسلاموفوبيا في الغرب والعداء للإسلام، ومظاهر ذلك لا تخفى على أحد بداية من الاعتداء على المصلين في مسجدين في نيوزيلندا وقتل العشرات، ومروراً بحظر الأنشطة الإسلامية في كثير من الدول الغربية، وتشديد القوانين لمحاصرة المجتمع المسلم في بلاد الغرب، وربما الحملة الممنهجة التي تشنها الإدارة الفرنسية على المسلمين هناك خير شاهد على ذلك.

أنا أرى أن هذا نوع من رد الفعل، فهم يرون أن المجتمع المسلم توطد ويتوطد كل عام ومندمج في بيئته، ونحن نرى المسلمين في الغرب يبلون بلاء حسنا ويقدمون يد العون لجيرانهم والمتضررين في كل الحوادث المختلفة وهم يرصدون هذا النجاح، وهذه الظروف، ويرون أن من شأنها إفشال الجهد في تشويه الإسلام لدى الغربيين.

لقد رأينا تعاطف المجتمع الأمريكي مع المحجبات عندما قرر ترامب حظر الحجاب، ويتضامن مع الشعوب الإسلامية التي منعها ترامب من دخول أمريكا، وتتضامن قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي مع عبادات المسلمين، فهذا معناه أن الإدارات الغربية والاجهزة تستشعر ما يحرزه المسلمون من تقدم اندماج في المجتمعات الغربية، فيتداعون إلى مزيد من الضغوط ومزيد من العنف والإقصاء ومزيد من العنصرية ضد المسلمين.

وفي ظني أن هذه الممارسات ستزيد من تعاطف الشعوب مع الإسلامي، وستربح بسببها قضية الإسلام أرضاً جديدة، ومساحات تأثير جديدة وتمكين اجتماعي للمسلمين بدرجة أشد في المجتمعات الغربية يوماً بعد يوم بإذن الله رب العالمين، وكما يقولون “رُب ضارة نافعة".

 

سياسة الاستبداد

* ماذا تقول عن هدم المساجد كما يفعل السيسي؟

  • هذا يأتي ضمن مجموعة تصرفات وسياسات للأنظمة الاستبدادية التي تنتهج سياسة التضييق ومحاصرة نشاط الإسلام وازدهاره، ومن ذلك هدم المساجد.

 فقوى الاستبداد تعلم ان الإسلام هو الخطر الأكبر عليها ،لأن الإسلام يرى أن استعباد الناس جريمة من أعظم الجرائم، والإسلام يريد مجتمعات متمكنة صاحبة قرار وصاحبة  إرادة والله سبحانه وتعالى قد أمر المسلمين بالشورى، في قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر)، وقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، وبالتالي هؤلاء يرون أنهم ليس أمامهم من سبيل ليستتب لهم الحكم والأمر إلا بتزييف الوعي والخطاب الديني، وتدجين منابر المسلمين لتتحول إلى أبواق تسبح بحمد الحاكم، لا بحمد الله ولتكرس سلطة الاستبداد والفرعونية، وتحول هؤلاء الحكام إلى أوثان وأنصاف آلهة، ولذلك يحاصر كل خطاب ديني فيه قدر من الحرية وفيه قدر من التعبير عن القيم الإسلامية الكبرى، وهذا ليس جديداً.

فقد حاوله كل المستبدون، بدءاً بفرعون وكل من أتى بعده، وفي نهاية تسقط مشاريع المستبدين وتبقى الشعوب، التي هي اقوى وابقى من جلاديها.

 

* يظهر بين الحين والجدل جدل حول الفتاوى الإسلامية، فما هي ضوابط الفتوى؟

- في تقديري أن الفتوى في مرحلة كورونا يجب أن ترتكز على مرتكزات شرعية واضحة على رأسها إنه حماية النفس الإسلامية أمر مقدس ومقدر في الشريعة الإسلامية، ولذلك يقول الله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً * ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً).

فينبغي أن تكون الفتوى في هذه المرحلة مركزة على حماية المبدأ الاصيل في التعامل مع العدوى والتعامل مع الخطر الذي يداهم الناس، والنبي يقول: (ألا لا يوردن مُمرض على مُصح ولا مُصح على مُمرض)، فالنبي أمر بانه إذا كان هناك مرض مُعد، فيجب أن لا يخالط المريض الأصحاء، ولا يخالط الأصحاء المريض، وقال أيضا :إذا نزل وأنتم خارجها فلا تدخلوا فيها”، وهذه قاعدة شرعية مهمة وأولوية أولى في محاصرة الوباء، وعدم نقله بين الناس. والثانية هي المحافظة على شرائع الإسلام قدر الإمكان، ولا يتجرأ على تعطيل الشرائع الإسلامية الكبرى مع إمكان الاحتراز من مخاطر إقامتها. فإذا كان الوباء في بلد من البلاد ليس منتشراً بدرجة كبيرة، ويمكن للاحترازات المعتادة أن تقلل أثره فلا يصح إغلاق المساجد، وعلى المفتين أن يقدروا الأمور بقدرها، فإذا كان انتشار المرض كبير، والخطر يتهدد الناس، فلا مانع من تعطيل الجماعات والشعائر العامة، وأما إذا كانت الأمور تحت السيطرة النسبية وأصلاً المواصلات مفتوحة والمجتمعات مفتوحة، والمناشط الاجتماعية مفتوحة، فلا يقبل أن المساجد فقط هي التي تعطل وتعلق، فالأمور توزن بميزانها، وتقدر بقدرها ما يمكن إقامته وما ليس في إقامته ضرر محقق. ومن قواعد الفقه أن العبادات يُحتاط لها لا عليها، وأن العبادة يُحتاط بإقامتها لا بإهدارها، لكن ذلك يأتي بعد أولوية الحفاظ على النفس البشرية وحمايتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. حاتم عبد العظيم في حوار مع الصحفي مصطفى إبراهيم من صحيفة "الحقيقة بوست".


اترك تعليق