جواب على سؤال حرق جثة المتوفي في سيرلانكا (فتوى)

بواسطة : فضل بن عبد الله مراد

جواب على سؤال حرق جثة المتوفي في سيرلانكا (فتوى)

بقلم: فضل بن عبد الله مراد (أمين سر لجنة الفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)

 

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيها السادة العلماء الأعزاء حفظكم الله جميعا،

 أود أن أسأل حضرتكم في مسألة حرق الموتى المصابة بفيروس كورونا بما أنها تحدث عنوة في سريلانكا منذ أن انتشر وباء كورونا في البلد زعما من الحكومة أن القرار جاء بعد توصية اللجنة المختصة بها، بناء على سببين رئيسيين، الأول : أن الفيروس تعيش بعد موت صاحبها إلى مدة ستة وثلاثين ساعة وهذا خطر على من يدفن الجثة،  والثاني: هو أن مستوى وجود الماء في أراضي البلد قريب جدا، ويحتمل أن يخلط الفيروس بالماء، طبعا هذه كلها مخالفة مع ما أوصت بها منظمة الصحة العالمية، وتقول الحكومة أنها لا يمكنها من تغيير أي شيء فيها لأنها من اختصاصات الأطباء ولا يتدخل فيها، ولا يخفى على أحد أن وراء كل هذه، سياساتهم الخبيثة ضد المسلمين،  ورغم أن هيئة علماء المسلمين في البلد ينكرون حرق الجثث علنا إلا أنهم يلحون في مجالسهم الخاصة إلى قبول ذلك القرار مستندًا بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، ولكن هناك قضيتان مهمتان نريد توضيحا شرعيًا حولهما ، الأولى : أن المسلمين من عامة الناس بدأوا بأنفسهم ممن مات من أهلهم يمتنعون من توقيع على المواثيق من أجل حرق الجثة ويمتنعون كذلك ألا يدفعوا أي مبلغ مالي لعملية الحرق لأن الحكومة كلفت أهل الميت تكلفات الحرق ويبلغ خمسين ألف روبية تساوي ثلاثمائة دولار تقريبًا وهذا الامتناع يحدث من المسلمين فقط لإظهار عدم موافقتهم على قرار حرق الجثث مع أن الإعلام يشيع ذلك تمردًا على قرارات الحكومة، فما هو الموقف السديد في هذه الحالة حسب رأيكم؟ وما رأي الشرع فيه؟ والمسألة الثانية هو ما حكم دفن رماد الميت بعد حرقه هل هو واجب؟ أم يمكننا أن نتركه لأن في تركه أيضا نوع من إظهار عدم موافقتنا لقرارات الحكومة لأنه يكلف الحكومة إزالة رماد الجثث؟

أخوكم في الله (أكرم عبد الصمد - من سريلانكا)

 

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على الرسول الكريم وبعد

فقد أجابت لجنة الفتوى بالاتحاد عن حكم حرق الموتى في فتواها رقم ( 4 )الصادرة بتاريخ الخميس 9 شعبان 1441هـ الموافق ل 02/04/2020م

 

بعنوان فتوى في بعض أحكام تجهيز الموتى في جائحة كورونا

وفيها عدد من المسائل ومنها مسألة الحرق جاء فيها ما يلي :

أما فيما يتعلق بحرق الموتى:

فإن حرق الموتى قبل دفنهم، منكرٌ، وحرامٌ في شريعتنا، وغير معمول به في الشرائع النصرانية واليهودية، ولكنها عادة انتقلت للغرب منذ قرون. أما في شريعتنا فإن الإسلام كرم الإنسان، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الاسراء:70)، وهذا عام يشمل كل إنسان، حياً وميتاً.

ومن تكريم الإسلام للإنسان، أنه حرم كسر عظمه حياً وميتا، لما رواه أبو داوود، وابن ماجه في سننهما من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كسر عظم الميت ككسره حيا"، فإن كان كسر عظمه محرما،  فمن باب أولى حرقه. كما جاء في البخاري من حديث ابن عباس أنه قال: هذه زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها، ولا تزلزلوها، وارفقوا " [البخاري، كتاب النكاح، باب كثرة النساء، حديث رقم 5067] قال ابن حجر رحمه الله: "ويستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته" [فتح الباري، ابن حجر، 9/113].

وقد تناهى لعلمنا أن بعض الدول تراجعت عن هذا القرار وأجازت للمسلمين أن يدفنوا بحسب شريعتهم، وهذا أمر تشكر عليه تلك الدول، ولكن إن أصرت بعض الدول على حرق الجثث دون تمييز، بسبب كثرة الموتى وخوفا من الوباء، فيجب على المسلمين أولا، أن يبينوا للدولة خصوصيتهم الدينية، وأن الحرق في

شريعتهم محرم، وأن يطالبوا الدولة، بدفن موتى المسلمين بكل ما أوتوا من جهد في إطار القانون والمؤسسات الحقوقية، فإن فعلوا ذلك سقط الإثم عنهم.

كما نوصي المسلمين بالدعاء للموتى، وتفقد أهلهم من بعدهم، ونوصيهم بالمطالبة باحترام حقوقهم الإنسانية وخصوصيتهم الدينية، بما يخوله لهم القانون والأعراف الدولية. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

 

وقد صدرت هذه الفتوى من اللجنة بعد نقاشات كثيرة ومستفيضة وبناء عليها لا يجوز الاقدام من المسلمين في سيرلانكا على ذلك ولا دفع الجثة لمن يحرقها.

وما ذكره السائل من المبررات لا نرى كفايتها للترخص في الاقدام على الحرق

وعلى المسلمين وهيئاتهم مواجهة الحملات الإعلامية المغرضة التي تصور عدم الحرق بالتمرد بحملات مماثلة على كافة الوسائل تبين فيها أن ذلك التصرف ليس تمردا ولا يمت لمخالفة أمر الدولة بصلة لكنها من الخصوصيات الدينية التي تكفلها كل التشريعات الدولية والإنسانية ولا تسبب ضررا للدولة ولا للمجتمع ولا للأفراد ولا تحمل أي شقاق أو تمرد على الأنظمة.

هذا ما يجب فعله.

كما أن الشق الثاني من السؤال جوابه مبني على جواز الحرق وقد قدمنا المنع.

أما دفن الرماد فقد تكلم العلماء في كتبهم عن دفن أجزاء الميت

والذي نرى في حالة حصول الحريق وتفحم جثة المسلم أن يدفن صيانة للمسلم لأن الرماد من أجزائه ومنسوب إليه.

ونرى أنه يجب الصلاة على المسلم الميت ولو رمادا لعموم "وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" أخرجه مسلم

والميسور لا يسقط بالمعسور، ولأن المقصود من الصلاة الدعاء له لذلك تشرع لمن غرق وأكله السمك أو السباع

وهذا ما أفتى به ابن حبيب من المالكية والحنابلة وبعض المتأخرين من الشافعية وهو الصحيح الذي تدل عليه عموميات الشرع وقواعده ومعانيه

خلافا لمن شرط تقدم الغسل لصحة الصلاة على الميت أو حضوره أو بعضه

وهذا الاشتراط لا نرى له ما يرجحه لا في نص ولا معنى نص فإن اشتراط شيء في تعبد يجب فيه الظفر بدلالة قوية من النصوص كما هو معلوم في الأصول، لما يترتب على الاشتراط من الحكم بالصحة والبطلان، فمن ادعى شرطية شيء لزمه ما يدل على تعلق الصحة والبطلان بذلك، ولم نجد ذلك هنا، وما نقل في السنن من البدء بالغسل ثم الصلاة ثم الدفن.

غايته أن يستدل به على المشروعية والسنية المؤكدة ولا يستدل لاشتراط بمجرد ذلك

كما أن ذلك إنما كان هو في الأحوال العادية لا في حال الاضطرار فلها فقهها الخاص

لذلك جاء في «نهاية الزين» (ص159): ولو لم يوجد ماء ولا تراب صلي عليه انتهى..

وقال الخطيب وَلَا وَجْهَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُور، لِمَا صَحَّ ( وَاذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) متفق عليه ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ : الدُّعَاءُ ، وَالشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ، وَجَزَمَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ : صُلِّيَ عَلَيْهِ ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ مَنْ أُحْرِقَ فَصَارَ رَمَادًا ، أَوْ أَكَلَهُ سَبُعٌ : لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ بِذَلِكَ ، وَبَسَطَ الْأَذْرَعِي.

الكلام في المسألة وَالْقَلْبُ إلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَمْيَلُ "مغني المحتاج" (2/49).

 

والحاصل مما تقدم: أنه لا يجوز حرق جثث المسلمين ولا نجد رخصة لذلك ،  وأنه يدفن رماد من مات في حرق إكراما له و الصلاة عليه واجبة. هذا ما نختاره

ملاحظة..

قد رخص العلامة احمد الريسوني في حالة الاضطرار بقوله: "إذا وصلت القضية إلى حد الإرغام والإكراه والعقوبة.. وما إلى ذلك، فسلموا بالأمر لهم ما دام على هذه الحالة..".

 

 

اترك تعليق