موقف في قضية الوقف

بواسطة : د. محمد عياش الكبيسي

موقف في قضية الوقف

بقلم د. محمد عياش الكبيسي (عضو الاتحاد)

لا أعلم منذ 2003 كارثة يمكن أن تحل بالعراق وأهله -بعد الاحتلال ومسلسلات القتل والتهجير- مثل هذه القضية قضية الوقف وما تحمله من تبعات -الله وحده العالم بنتائجها وتداعياتها-.

ومن أثقل الرزايا على الحر أن تمر به هذه الأحداث فلا يستطيع مواجهتها إلا ببيانات واستنكارات وإدانات.

لذلك أحببت أن أعلق بهذا التعليق البعيد عن سياق التنديد والاستنكار والبعيد أيضا عن الرغبة بتسجيل المواقف، مع أن كل ذلك عمل مشروع ولابد منه على الأقل من باب إنكار المنكر بالقلم واللسان، وهنا يكفيني أن أشيد بموقف علماء السنّة بشكل عام وأخص مَن هم في داخل الميدان -ثبتهم الله وتقبل منا ومنهم-.

 

أما النقطة التي أود التعليق بها فتتلخص بالآتي:

إذا كان الموضوع موضوع حق وباطل، فلاشك أن الاتفاق بين الوقفين (السني والشيعي) هو اتفاق باطل وآثم، فالأوقاف -التي يصعب إحصاؤها- إنما هي في الغالب أملاك شخصية تبرّع بها أصحابها صدقة جارية، وذلك عبر قرون من الزمن وتعاقب أجيال كثيرة، وقد ذهب هؤلاء إلى ربهم وتركوا صدقاتهم هذه أمانة في أعناق المسلمين إلى قيام الساعة، وقد أوقفوها بشروط محددة ومجالات معينة، فما علاقات الخلافات السياسية والطائفية بالموضوع؟

لكن الموضوع في الحقيقة ليس موضوع حق وباطل، وإنما هو موضوع (قوي وضعيف) واستقواء بالأجنبي وتنفيذ لمشروعه في استئصال هوية العراق والسطو على تاريخه بعد أن سطوا على حاضره ومستقبله.

لا أريد هنا أن أفتح جراحا غائرة، لكن أليس التشخيص الصحيح شرطا للعلاج؟

هل نحن فعلا بهذا الضعف؟ أو إننا نحن الذين فرّطنا بعناصر قوتنا ووحدتنا؟

وهل نحن مقطوعون من شجرة في هذا العالم أو إننا نحن الذين عملنا على محاصرة أنفسنا باستعلائنا الفارغ على الناس وقدرتنا على صناعة الأعداء؟

في الحقيقة أن الخطاب السنّي لحد الآن لم يستفد من تجاربه المريرة منذ 2003 ولحد الآن، خطاب التشكيك والتفرقة والاستغناء الداخلي والخارجي، والفتاوى والبيانات التي يود أصحابها تسجيل المواقف إزاء كل قضية في العالم حتى لو كان في ذلك لف الحبل على أعناقنا.

كل صاحب قضية في العالم يجعل قضيته أولا لأنه هو المسئول عنها، وهو المعنيّ بها، إلا الذين تصدّوا للقضية العراقية فقد همشوا قضيتهم وجعلوها في الذيل من قائمة الاهتمامات، وليس عندهم من مشكلة في استعداء كل العالم ضدهم وضد قضيتهم من أجل من لم يقف معهم ولو لمرة واحدة، وكأنهم الوحيدون المطالبون بتسجيل موقفهم إزاء كل قضية أو حدث، ويا ليت إخوانهم يبادلونهم هذا التعاطف، وأنا أتابع التصريحات والبيانات المختلفة من كل أصقاع العالم الإسلامي، حتى أولئك الذين يمرون بظروف أفضل بكثير من ظروفنا، مع أني أدعو من الناحية المبدئية أن تكون قضايا المسلمين قضية واحدة، وأن نجابهها بروح الأمة الواحدة، لكن هذا يحتاج إلى اتفاق وتنسيق وتوزيع الأدوار، وكل هذا لم يحصل، بل الواقع أن كل قيس يغنّي على ليلاه فقط إلا قيس العراق فإنه يغني على كل ليلى، مع أنه بهذا يضر بليلاه وبليالي الآخرين كذلك.

أما على الصعيد الداخلي، فظاهرة الزهد بطاقاتنا المتنوعة لأدنى خلاف حتى وصل الأمر إلى أبناء الجماعة الواحدة والأسرة الواحدة، وربما نقطة الإضاءة الوحيدة إلى حد ما؛ قدرة بعض العلماء في الداخل على التماسك تحت عنوان المجمع الفقهي، مما أعاد شيئا من روح الثقة، خاصة في موقفهم الأخير من قضية الوقف هذه.

إنني لا أروّج هنا لأحد، ولا أريد أن أنظر إلى نصف الكأس الأعلى أو الأسفل، وإنما أريد أن أقول ما أراه واجبا لتلمس الحل، والذي لن يكون أبدا إلا باستجماع نقاط قوتنا الذاتية، وحل مشكلاتنا مع العالم الخارجي، ومن دون ذلك فإننا سنؤكل دون أن يبكي علينا أحد، والأمل الفارغ يغرر بصاحبه،  ومن أراد أن يعتبر فليعتبر بالأندلس، التي كانت حاضرة الإسلام فانقلبت إلى شيء آخر، وليعتبر كذلك بجارتنا القريبة التي تحولت بعقيدتها وثقافتها تحولا جذريا بغفلة من الزمن، فسنن الله في هذا الكون غلابة، والناس يخضعون لها مؤمنهم وكافرهم، تقيّهم وفاجرهم.

والله تعالى نسأله أن يبصرنا بطريق خلاصنا، وأن يبعد عنا وعن عراقنا الجريح وأمتنا العزيزة كل ذي فتنة وشر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(المصدر: صحيفة الأمة الالكترونية)

 

اترك تعليق