هل يمكن أن تنفصل الأخلاق عن حياتنا؟!

بواسطة : د. جمال نصار

هل يمكن أن تنفصل الأخلاق عن حياتنا؟!

(2/1)

بقلم: د. جمال نصار

الأخلاق تسري في كيان الإسلام كله، وفي تعاليمه فهي عبارة عن المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، والتي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه الأكمل والأتم، فالأخلاق لها ارتباط وثيق بعقيدة المسلم، وعباداته، ومعاملاته، وتدخل في مجال السياسة والاقتصاد، ولا تنفك عنه في كل مناحي الحياة، ويجب أن تكون، حتى يحيا حياة سعيدة في الدنيا، وينال رضا الله، عز وجل، في الآخرة.

الإيمان والأخلاق

العقائد الإسلامية أساسها التوحيد، وضده الشرك. وهنا نجد الإسلام يُضفي على التوحيد صبغة خلقية، فيعتبره من باب "العدل"، وهو فضيلة خلقية، كما يعتبر الشرك من باب "الظلم"، وهو رذيلة خلقية )إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(([1])، وذلك لأنه وضْع للعبادة في غير موضعها، وتوجه بها إلى من لا يستحقها.

بل اعتبر القرآن الكفر بكل أنواعه ظلمًا، كما قال تعالى: )وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ(([2]).

والإيمان الإسلامي حين يتكامل ويؤتي أكله، يتجسد في فضائل أخلاقية فاضت بها آيات القرآن، وأحاديث الرسول، صلى الله عليه وسلم.

نقرأ في القرآن مثل قوله تعالى: )قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (([3]).

وقوله تعالى: )إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاًّ(([4]).

وقوله تعالى:) إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(([5]).

والأحاديث النبوية كذلك تربط الفضائل الأخلاقية بالإيمان، وتجعلها من لوازمه وثمراته: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليحفظ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو لصمت"([6]).

"الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"([7]).

"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"([8]).

العبادات والأخلاق

العبادات الإسلامية الكبرى ذات أهداف أخلاقية واضحة، فالصلاة، وهي العبادة اليومية في حياة المسلم، لها وظيفة مرموقة في تكوين الوازع الذاتي، وتربية الضمير الديني، قال تعالى: )وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ(([9]). والصلاة كذلك مدد أخلاقي للمسلم يستعين به في مواجهة متاعب الحياة، قال عز وجل: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ(([10]).

والصلاة لا تبلغ درجة القبول عند الله حتى تنهي صاحبها عن الرذائل الأخلاقية، "من صلي صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا"([11])، "فالإبعاد عن الرذائل والتطهير من سوء العمل، هو حقيقة الصلاة"([12]).

والزكاة، وهي العبادة التي قرنها القرآن بالصلاة ليست مجرد ضريبة مالية تؤخذ من الأغنياء، لترد على الفقراء، إنها وسيلة تطهير وتزكية في عالم الأخلاق، كما أنها وسيلة تحصيل وتنمية في عالم الأموال، قال تعالى: )خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا(([13]).

فتنظيف النفس من أدران النقص، والتسامي بالمجتمع إلي مستوي أنبل هو الحكمة الأولي من الزكاة.

"والقرآن حين يربي المجتمع على هذا التجرد من حب المال يرسم خطة محكمة تحاصر النفس من كل جوانبها، فإذا بها سخية لينة كريمة معطية، تدفع وتبذل بكل ما تستطيع في السر والعلن لا تخشى من ذي العرش إقلالا"([14]).

والصيام في الإسلام، إنما يقصد به تدريب النفس على الكف عن شهواتها، والثورة على مألوفاتها.

وبعبارة أخري إنه يهيئ النفس للتقوى وهي جماع الأخلاق الإسلامية([15])، قال تعالي: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(([16]).

"فالصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشَر والبطَر والفواحش، ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج"([17]).

"وليست التقوى هو ذلكم اللون الشاحب، أو الصوت الخافت أو الرقبة المنحنية ولا هي المهمهة بكلمات تعرف التسبيح والتهليل وإنما التقوى ذات عنصر سلبي يمنع من فعل الشر للنفس وللغير، ولهذه التقوى التي لا يعرف القرآن سواها فرض الله الصوم وجعله مددًا للإيمان، وبها كان الصوم عنصرًا قويًا من عناصر تكوين المجتمع في نظر الإسلام ومنهجه"([18]).

والحج في الإسلام تدريب للمسلم على التطهير والتجرد والدفع عن زخارف الحياة وترفها، وأوصى الله قاصد الحج بأن يكف لسانه عن الفحش والجدال، وسوء المقال، وأمر بالتقوى التي هي غاية الأخلاق قال تعالي: )الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا  تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ  وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ(([19]).

هذا العرض المجمل لبعض العبادات التي اشتهر بها الإسلام وعرفت على أنها أركانه الأصيلة، نستبين منه متانة الأواصر التي تربط الدين بالخُلق. إنها عبادات متباينة في جوهرها ومظهرها ولكنها تلتقي في غاية واحدة، فالصلاة والصيام، والزكاة، والحج، هي مدارج الكمال المنشود، وروافد التطهر الذي يصون الحياة ويعلي شأنها([20]).

وهذه العبادات تقوم على "تحقيق معنى العبودية لله، بالإخلاص في طاعته والتوجه إليه وحده والاستعانة به وحده، والتخلص من سلطان الحظوظ البشرية المظلمة"([21]).

 


([1]) لقمان: 13

([2]) البقرة: 154

([3]) المؤمنون: 1 - 10

([4]) الأنفال: 2 - 4

([5]) الحجرات: 15

([6]) مسند أحمد، 2/ 174 واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الضيف، حديث رقم (74، 75)، 1/ 68

([7]) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، حديث رقم (58)، 1/ 63 واللفظ له، وسنن ابن ماجة، المقدمة باب الإيمان حديث رقم (57)، 1/ 22

([8]) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، حديث رقم (100)، 1/ 76 واللفظ له، وسنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن، حديث رقم (2625)، 5/16

([9]) العنكبوت: 45

([10]) البقرة: 153

([11]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 415

([12]) خلق المسلم، الشيخ محمد الغزالي، ص5

([13]) التوبة: 103

([14]) منهج القرآن في تربية المجتمع، عبد الفتاح عاشور، ص207

([15]) مدخل لمعرفة الإسلام، يوسف القرضاوي، ص89

([16]) البقرة: 183

([17]) مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، 3/ 56

([18]) منهج القرآن في بناء المجتمع، محمود شلتوت، إصدار وزارة الأوقاف، شوال، 1375هـ، الرسالة الخامسة، ص132.

([19]) البقرة: 197

([20]) خلق المسلم، ص7، بتصرف يسير

([21]) الإسلام عقيدة وشريعة، محمود شلتوت، ص129


اترك تعليق