الرزق

By :

د. زغلول النجار   " الرزق "   
                                                                                               قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (الإسراء: ٣٠).

تؤكد هذه الآية الكريمة أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، فيوسعه عليهم، وهو الذي يضيقه على من يشاء منهم، لأنه هو العليم بأحوالهم. ومن علمه سبحانه وتعالى أن من عباده من تصلحه السعة في الرزق، وأن منهم من يصلحه الضيق فيه، ومن هنا كان قرار توزيع الأرزاق كله بيد الله، وقد جاء كل من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مؤكدين أن الله تعالى قضى الأرزاق قبل خلق المخلوقات. وفي ذلك يقول رسول الله صل الله عليه وسلم: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة في مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد"،(مسلم).
والبسط في اللغة هو الامتداد المادي أو المعنوي، وهو ضد القبض; و(يقدر) من (قدر) عليه الشيئ (يقدره)(قدرا) أي: ضيقه عليه، أو أعطاه بقدر الكفاية فقط. ومن عقائد المؤمنين بالله أنه تعالى قدر كل شيئ في هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته، وأن كل ما يحدث يقع وفقا لإرادته.

والإنسان في موضع ابتلاء وامتحان في رزقه سواء وسع الله عليه فيه أو ضيق. وعليه في حالة السعة أن يشكر ربه على ما رزقه، وأن يؤدي حقوق الآخرين في ماله من الزكوات والصدقات حتى ينال ثواب الله. وفي حالة الضيق فإن على الإنسان إعفاف نفسه عن المال الحرام، والسعي من أجل تحسين أحواله، والصبر على الشدائد، فينال بذلك أيضا مرضاة الله وثوابه.

والإيمان بأن الله تعالى هو الرزّاق يدفع العبد إلى حب خالقه، وإلى التوجه الدائم إليه، والمواضبة على طلب مرضاته والتقرب إليه بالطاعات مما يحسن خُلقه، ويجعل منه لبنة صالحة في بناء المجتمع. والعلوم المكتسبة تؤكد لنا اليوم أن كل ما يحتاج إليه الإنسان من مختلف صور المادة والطاقة يتخلق أمام أنظارنا من غاز الأيدروجين في داخل النجوم، وفي صفحة السماء، ثم ينزل ذلك بالقدر المعلوم على كل واحد من الخلق في كل زمان ومكان. والذي يؤمن بأن الله تعالى هو الذي ينزل الرزق لا يقلق على رزقه أبدا، لأن الخالق قد تكفل بالرزق لكل فرد من أفراد خلقه. وهذا الإيمان لا يجعل المؤمن يتقاعس عن بذل أقصي ما يملك من جهد في طلب الرزق الحلال، لأنه يعلم أنه مأجور على ذلك. ثم هو يرضى بما قسمه الله تعالى له من رزق (قل أو كثر) فلا تبطره سعة الرزق، ولا يسخطه ضيقه، لأنه يعلم أن ذلك هو قرار الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. والرزق في اللغة كلمة تدل على عطاء ينتفع به سواء كان عطاء ماديا كالمال والولد أو عطاء معنويا كالإيمان والعلم، وصلاح الحال واطمئنان النفس، والرضا والقناعة. والعطاء المادي يشمل كل ما يؤكل ويشرب ويلبس ويستعمل من وسائل الإيواء والركوب؟ ومن أسباب الجاه والسلطان.

كما يشمل الرزق كلا من العافية والأمن والستر والراحة النفسية. والرزق بهذا التعريف يشمل كل ما يسوقه الله تَعَالَى إلى مخلوقاته للإنتفاع به في الدنيا أو في الآخرة. ورزق الدنيا يشمل كل ما ينتفع به العبد من ماديات ومعنويات هذه الحياة الدنيا، ورزق الآخرة يشمل الخلود في جنات النعيم، والنظر إلى وجه الله الكريم.

ولما كان الرزق من الله تعالى، فإنه لا يطلب إلا بالطاعة، ولا يكمن أن يطلب بمعصية أبدا.
ولما كان الرزق مقدرا سلفا قبل أن يخرج كل فرد من بني آدم إلى هذه الحياة الدنيا، فإنه لا حيلة في الرزق، فلا يجوز التحايل في كسبه أبدا. وعلى الذين يتحايلون على كسب الرزق بوسائل محرمة أن يدركوا ذلك حتى يتوقفوا عن جرائمهم من السرقة والسلب والنهب، والبيع بالإكراه، والغش في الصنعة والتجارة، وتطفيف المكيال والميزان، وغير ذلك من الوسائل المحرمة.

وعليهم أن يدركوا أن ما سلبته أيديهم بالحرام كان مقدرا لهم، لو صبروا لوصل إليهم بالحلال!!
الدكتور #زغلولالنجار #الاعجازالعلمي #الرزق


اترك تعليق