الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

By :

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
ورحل علّامة الجزيرة
(1330- 1420هـ = 1910- 1999م)
ودعت الأمة الإسلامية اليوم علمًا من أعلامها الأفذاذ, ونجمًا من نجومها الساطعة في سماء العلم, علامة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز, الذي كان جبلًا من جبال العلم, وبحرًا من بحور الفقه, وإمامًا من أئمة الهدى, ولسانًا من ألسنة التوحيد, وعمادًا من أعمدة الدين, وركنًا من أركان الأمة, طالما استفاد من علمه المسلمون في الجزيرة والخليج, وفي شتى بقاع الأرض, عن طريق اللقاء والمشافهة, وعن طريق الكتاب والمراسلة, وعن طريق الهواتف والإذاعة, وعن طريق الكتابة والصحافة, وعن طريق الرسائل والكتب, وعن طريق الشريط المسموع.
عاش الشيخ عمره المبارك للعلم والدين, يعلم ويدرس, ويجيب ويفتي, وينصح ويأمر بالمعروف, وينهى عن المنكر، مع حكمة بالغة, ورفق وبصيرة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.
كان أكبر همّ الشيخ الدعوة إلى التوحيد الخالص، وتصفية العقيدة من الشرك، واتّباع ما جاء عن السّلف، وفي وصف الله تعالى ممّا وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ, ولا تكييفٍ ولا تمثيل، وكان لا يدع فرصةً ولا مناسبةً إلا أكّد فيها هذه المعاني، لا يمالئ ولا يجامل.
وكان الشيخ في الفقه حنبليًا، ولكنه لم يكن مقلدًا، يأخذ القول في مذهبه ولو كان ضعيف الحجة، بل كان رحمه الله يعتمد الدليل ويستند الى الكتاب والسنة ويعرض عن مذهبه إذا كان الحق مع غيره، لا يخشى لومة لائم, وقد كان فوق أن يلومه أحد.
ولذا رأيناه يفتي بآراء شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق وإن كان علماء المملكة لا يفتون بها وإنما يأخذون بالمعتمد في المذهب.
وكان الشيخ يرأس إدارات الفتوى والبحوث والدعوة, ويرأس هيئة كبار العلماء, ويرأس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي, ويرأس المجلس العالمي الأعلى للمساجد, ويرأس مجلس المجمع الفقهي للرابطة وظل سنين رئيسًا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة, وكان مُقرَّبًا من أولي الأمر في المملكة, فكان ذا مكانة محفوظة عندهم جميعًا عن يمين الملك إذا حضر.
ولم تضعه مكانته في برج عاجي أو في صومعة منعزلة, بل ظل بيته مفتوحًا, ومكتبه مفتوحًا, وقلبه مفتوحًا لكل ذي حاجة من أبناء المسلمين, ماديةأو علمية, ولا يدخر جهده في مساعدة أحد.
لم يكن العلم الغزير هو الذي ميَّز ابن باز, بل ميَّزته كذلك قوة إيمانه, وغيرته على دينه واهتمامه بأمر أمته, وتحرقه على مآسي المسلمين, وحسن خلقه في معاملة الناس, ورحمته بالصغير, وتوقيره للكبير, ومعرفته بحق أهل العلم من إخوانه وإن اختلفوا معه.
أرسل إليَّ الشيخ رحمه الله منذ أكثر من ربع قرنٍ كتابًا يخبرني فيه أن وزارة الإعلام عرضت عليه كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) هل يفسح له في دخول المملكة أو لا يفسخ, وأنه يود ألا يحرم القراء في المملكة من كتبي التي ((لها ثقلها في العالم الإسلامي)) على حد تعبير الشيخ, وأن المشايخ لهم ملاحظات على الكتاب تتحدد في ثماني نقاط ذكرها, وأنه يرجوني أن أعيد النظر فيها, فإن اجتهاد الإنسان قد يتغير من وقت لآخر.
ورددت يومها على الشيخ برسالة رقيقة قلت له فيها: إن أحب علماء الأمة عليّ ألا أخالفه في رأي هو الشيخ ابن باز, ولكن قضت سنة الله ألا يتفق العلماء على رأي واحد في كل المسائل, وقد اختلف الصحابة بعضهم مع بعض, واختلفت الأئمة بعض مع بعض, فما ضرَّهم ذلك شيئًا, اختلفت آراؤهم ولم تختلف قلوبهم, وبعض هذه المسائل الثمانية اختلف الناس فيها من قديم مثل قضية وجه المرأة: أهو عورة أم ليس بعورة؟ وقضية الغناء بآلة وبغير آلة: ما حكمه؟ وسيظل الناس يختلفون فيها إلى ما شاء الله, ويرد بعضهم على بعض, ولا حرج في ذلك ولا إنكار في مسائل الخلاف, وهذا من سعة هذا الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان, وهناك قضايا فهمت مني خطأ, فقد قيل: إني أبحت التدخين, أو ترددت في الحكم عليه مع أني معروف بالتشدد في هذا الأمر, ومن قرأ كتابي أو غيره تبين له ذلك بجلاء, ومثل ذلك قضية جواز المودة مع الكافر, وأنا لم أجز المودة مع كل كافر ولو كان محاربًا لله ولرسوله وللمؤمنين, إنما المودة مع المسالم الذي له حق على المسلمين, ولهذا أجاز الشرع للمسلم أن يتزوج كتابية, مع ما افترض أن يكون بينه وبين زوجه من سكينة ومودة ورحمة.
وقلت في نهاية رسالتي للشيخ: أرجو ألا يكون خلافي مع المشايخ في بعض المسائل سببًا في منع كتابي من دخول المملكة.
وقد استجاب الشيخ – رحمه الله - فيما ظهر لي إلى رغبتي, وسمح لكتابي وغيره بدخول سوق المملكة.
واتصل حبل الود بيني وبين العلامة ابن باز في مناسبات كثيرة في مؤتمرات رابطة العالم الإسلامي, وفي المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة, وكنت عضوًا فيه, وكان الشيخ نائبًا لرئيسه إذ كان رئيسه هو ولي عهد المملكة الأمير فهد بن عبد العزيز حفظه الله في ذلك الوقت, وفي مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي الذي أتشرف بعضويته ويرأسه الشيخ, وفي المؤتمرات العلمية والدعوية العالمية التي أقيمت في المملكة, مثل المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي في مكة المكرمة, والمؤتمر العالمي للدعوة والدعاة في المدينة المنورة, ومؤتمر مكافحة المسكرات والمخدرات والتدخين في المدينة أيضًا.
أبى الشيخ على نفسه ألا يغادر المملكة, وكم دُعِي من أقطار وجهات شتى, ولكنه اعتذر, وعندما أقيم المؤتمر العالمي للسنة والسيرة في دولة قطر في افتتاح القرن الخامس عشر الهجري وجهنا إليه الدعوة وألححنا عليه, ولكنه قال: إنّه كان يود الاستجابة للدعوة, ولكن هذا سيفتح عليه أبوابًا لا يستطيع سدها, وأصر على موقفه ونهجه في الاعتذار.
لم أر مثل الشيخ ابن باز في ودِّه وحفاوته بإخوانه من أهل العلم, ولا في برِّه وإكرامه لأبنائه من طلبة العلم, ولا في لطفه ورفقه بطالبي الحاجات من أبناء وطنه أو أبناء المسلمين عمومًا, فقد كان من أحاسن الناس أخلاقًا, الموطئين أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون.
ولقد رأيته في المجمع الفقهي يستمع وينصت إلى الآراء كلها: ما يوافقه منها وما يخالف, ويتلقاها جميعًا باهتمام, ويعلق عليها بأدب جم, ويعارض ما يعارض منها برفق وسماحة, دون استعلاء ولا تطاول على أحد, متأدبًا بأدب النبوة, متخلقًا بأخلاق القرآن.
لا أعرف أحدًا يكره الشيخ ابن باز من أبناء الإسلام, إلا أن يكون مدخولًا في دينه, أو مطعونًا في عقيدته, أو ملبوسًا عليه, فقد كان الرجل من الصادقين الذين يعلمون فيعملون, ويعملون فيخلصون, ويخلصون فيصدقون, أحسبه كذلك والله حسيبه, ولا أزكيه على الله تعالى.
ليس معنىذلك: أن الشيخ كان معصومًا من الخطأ, فما ادعى ذلك لنفسه, ما ادَّعاه له أحد من محبيه, ولكن خطأه مغمور في جنب صوابه, وهو مأجور على خطئه هذا أجرًا واحدًا إن شاء الله لأنه بعد تحرٍّ واجتهاد منه, والمعصوم من عصمه الله.
ولقد اختلفت مع الشيخ العلامة في بعض المسائل, نتيجة لاختلاف الزوايا التي ينظر منها كل منا, ومدى تأثر كل منا بزمانه ومكانه, إيجابًا وسلبًا, ولم أر هذا الاختلاف غيَّر نظرتي إليه أو نظرته إليَّ, وظللت – والله- أكن له المحبة والتقدير وأدعو له بطول العمر في خدمة العلم والإسلام, وظل كذلك يعاملني بود وحب كلما التقينا, وكلما لقيه أحد من أبناء قطر حمَّله السلام إليّ رحمه الله وأكرم مثواه.
الحديث عن العلامة ابن باز ذو شجون، ومجال القول ذو سعة، ولا نستطيع أن نوفي الشيخ ما يستحقه في هذه العجالة، إنما هي كلمات سريعة، كتبتها على عجل أودّع بها الشيخ الجليل, وفاء لبعض حقه، ومعرفة بقدره, وتقديرًا لمكانته وفضله.
إن موت العلماء الأفذاذ مصيبة كبيرة، فإن الأمة تفقد بفقدهم الدليل الذي يهدي، والنور الذي يضيء الطريق، يقول علي كرَّم الله وجهه: "إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه".
وقال ابن عمر رضي الله عنهما:  "ما قبض الله عالمًا إلا كان ثغرة في الإسلام لا تسد", يؤكد هذا حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه : "إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعا من صدور الناس, ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء, حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جُهّالًا, فسئلوا, فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.


اترك تعليق