وحدة الأمّة الإسلامية

By :

وحدة الأمّة الإسلامية

(الميثاق الإسلامي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) 

1-  يؤمن الاتحاد بأن الاختلاف في فروع الدين -اعتقادية أم عملية-  قائم بلا ريب، وأنه لا شر فيه ولا خطر إذا التُزِمت آداب الخلاف، بل هو ضرورة ورحمة وسعة.

لقد اقتضت المشيئة الإلهية اختلاف الأفهام البشرية للدين، هذا الاختلاف ينطلق من ضرورة لغوية، لأن اللغة التي تحدثت بها مصادر هذا الدين، فيها الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والعام والخاص، والمطلق والمقيد..الخ، وفيها تتفاوت الأفهام. 

وهو فطرة بشرية، لأن الله لم يخلق البشر نسخاً مكررة، بل لكل منهم تفكيره ونوازعه وإرادته ، منهم البليد، ومنهم الذكي، ومنهم العبقري، كما أن منهم السهل السمح الذي يميل إلى التيسير، ومنهم الصعب الشديد الذي يميل إلى التضييق والتشدد. 

كما أن هذا الاختلاف رحمة بالأمة، فلو كانت الشريعة رأيا واحدا، لضاق الأمر على الأمة، ولم يسع إلا فئة واحدة من الناس، وعَسُرَ الأمر على الآخرين. 

وفي هذا الاختلاف ثراء للفقه، وخصوبة للشريعة، وتوسعة على الأمة، فقد يصلح رأي لزمن ولا يصلح لغيره، ويصلح آخر لبلد في حين لا يصلح لبلد آخر، ويصلح قول في حال، على حين لا يصلح في حال أخرى، وفي التعدد مجال للانتقاء والاختيار، لترجيح ما هو أقوى دليلا، وأهدى سبيلا، وأوفق بتحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق. 

ولهذا كانت محاولة رفع الخلاف، وإلغاء المذاهب، وجمع الجميع على رأي واحد محاولة غير ممكنة، وغير مجدية ، وقد رأينا كيف اتسع صدر الأمة لتعدد المذاهب، وتنوع المدارس، واختلاف الفرق. 

ومن هنا كان الواجب ألا نضيق بالخلاف، ولكن نجتهد أن نجعله خلاف ثراء وتنوع، لا خلاف صراع وتناقض، وأن نلتزم جميعا بأدب الخلاف، ونعرف (فقه الاختلاف) أو ما سماه بعض إخواننا من علماء العصر (فقه الائتلاف)، بحيث تختلف آراؤنا ولا تختلف قلوبنا، وبحيث نقف جميعا في قضايا الأمة الكبيرة: صفا واحدا كالبنيان المرصوص، يشد بعضنا بعضا، ولا ندع ثُغرة لعدو متربص، يتسلل منها لتمزيق وحدتنا، وتفريق كلمتنا، ولا سيما في  هذه المرحلة العصيبة من الزمن، التي يُكاد فيها للأمة أعظم كيد، ويتعرض دينها للخطر، حتى إنهم ليريدون تغييرها من جذورها، بتغيير ثقافتها، وتغيير عقليتها، وتغيير هويتها.حتى التعليم الديني، يريدون أن يتدخلوا فيه، ليصنعوا أمة لا رسالة لها، تستسلم لما يخططون، وتستجيب لما يطلبون. 

إن الوحدة الإسلامية مطلوبة في كل وقت، ولكنها أشد ما تكون طلبا في هذا الوقت، الذي لا ينقذ فيه الأمّة من الخطر إلا تضامنها وتناصرها.

ويجب أن تبدأ الوحدة بين أهل العلم الذين يقودون جماهير الأمة بأحكام الشرع. على قاعدة: (نتعاون فيما نتفق عليه، ونتحاور فيما نختلف فيه).

وما نطمح إليه هو الحوار البناء الهادف الذي يظهر الحقّ، ويفتح باب التعاون على الخير. على أن يتم هذا الحوار – أول ما يتم - بين أهل العلم والفكر، في ظل الإخاء والود، وتحت راية العلمية والموضوعية، بعيدا عن الإثارة الغوغائية .  

2 – يؤمن الاتحاد بان الأصل في علاقة المسلم بأخيه المسلم: هو حسن الظن به، وحمل حاله على الصلاح ما أمكن، فلا يؤثمه ولا يفسّقه ولا يبدّعه إلا بدليل قاطع. وأعظم ما يسئ به المسلم إلى المسلم: أن يرميه بالكفر الأكبر، المخرج من ملة الإسلام، بدون برهان من الله، أي بدون نص قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، لا يحتمل شكا ولا جدلا. 

أما ما فيه محل للجدل والقيل والقال، فهو يفسر لصالح المسلم. فمن ثبت إسلامه بيقين، فإن اليقين لا يزال بالشك. 

وقد جاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة تحذر من تكفير المسلمين بعضهم لبعض، فلا يجوز التهاون في ذلك بحال، حتى تستبيح كل طائفة تكفير مخالفيها. «ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلاّ حار عليه»  «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما. فإن كان كما قال، وإلاّ رجعت إليه» . 

فالتكفير: خطيئة دينية، وخطيئة علمية، وخطيئة اجتماعية، لأنه يؤدي إلى تمزيق الأمة الواحدة، ويقع فيها ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم دي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». 

وإن جاز التكفير بأدلته، فينبغي أن يكون للأنواع لا للأشخاص، فيقال: من قال كذا وكذا فهو كافر، ومن فعل كذا فهو كافر، ومن أنكر كذا فهو كافر... ولا يجوز أن يقال عن إنسان بعينه: فلان كافر، إلا بعد مواجهة وتحقيق وتمحيص، تنتفي معه كل شبهة، وهذه لا يستطيعها إلاّ القضاء.

ومن هنا نقول: إن إعطاء عامة الأفراد حق الحكم على شخص بالردة، ثم الحكم عليه باستحقاق العقوبة، وتحديدها بأنها القتل لا غير، وتنفيذ ذلك بلا هوادة، يحمل خطورة شديدة على دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، لأن مقتضى هذا أن يجمع الشخص العادي -الذي ليس له علم أهل الفتوى، ولا حكمة أهل القضاء، ولا مسؤولية أهل التنفيذ - سلطات ثلاثا في يده يفتي- وبعبارة أخرى يتهم – ويحكم وينفذ، فهو الإفتاء والإدعاء والقضاء والشرطة جميعا!! 

3 – يؤمن الاتحاد بوحدة أهل القبلة رغم كلّ أنواع الخلاف، وأن المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة، بعد أن رضوا بالله تعالى ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد  نبيا ورسولا، وبالقرآن إماما ومنهاجا. يقول تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) [الأنبياء 21/ 92].

وهم - بحكم وحدة العقيدة، ووحدة الشريعة، ووحدة الغاية- تجمعهم الأخوة الإيمانية، والإسلام يجعل لهذه الأخوة حقوقا ثابتة في النصرة والتكافل والرعاية «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يسلمه» أي لا يتخلى عنه «المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم».

وإن من أفضل الأعمال عند الله السعي في التقريب بين المسلمين، وإصلاح ذات بينهم، وإزالة أسباب الشقاق بين طوائفهم وجماعاتهم: ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) [الحجرات49/10].

وفي الحديث: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى ، قال: إصلاح ذات البين ، فإن فساد ذات البين هي الحالقة». 

إنّ المسلمين إخوة، جمعتهم العقيدة الواحدة، والقبلة الواحدة، والإيمان بكتاب واحد، ورسول واحد، وشريعة واحدة، وأن عليهم أن يزيلوا كل العوامل المفرقة لجماعتهم، من الخضوع للعصبيات العنصرية والإقليمية، ومن التبعية للمناهج والأنظمة المستوردة: يمينية أو يسارية، ومن الارتماء في أحضان الولاءات المعادية لأمتنا غربية أو شرقية، ومن اتباع الأهواء والأنانيات الحاكمة، التي تدوس مصالح الأمة الكبيرة، في سبيل مطامعها الصغيرة، ومكاسبها القريبة. 

كما أن عليهم أن ينتقلوا بالتضامن الإسلامي القائم، من مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل، وأن يشدوا أزره، ويوسعوا نطاقه، حتى يصل إلى  شكل سياسي من أشكال الاتحاد أو التكتل في عالمنا المعاصر، الذي لا يعيش فيه الصغير إلا في حماية الكبير، ولا تنجح فيه إلا الدول أو الكتل الكبرى، وأمتنا جديرة أن تكون كتلة كبرى، إذا استجابت لنداء ربها: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [آل عمران3/ 103] (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات)... [آل عمران3/ 105]، ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)... [الأنفال8/46].  

وعلى المسلمين متضامنين، أن يعملوا على تحرير "الأرض الإسلامية" من غاصبيها، وفق توجّه يأخذ في الحسابات المصالح الإسلامية العليا، والحاجات والمقتضيات العسكرية والاقتصادية والبشرية. وعملهم في هذا من أفضل الجهاد في سبيل الله . فمن عجز وحده عن مقاومة الغزاة، وعن تحرير أرضه، فعلى جميع المسلمين أن يعاونوه بما يستطيعون. 

ولفلسطين – خاصة – مكان في جهاد المسلمين اليوم ، فهي أرض النبوات، ومسرى النبي ، وبلد المسجد الأقصى، وهي قضية كل مسلم، فعلى الأمة الإسلامية كلها: أن تعاون أهلها بكل ما يحتاجون إليه، حتى تتحرر أرضها السليبة، ويستعيد شعبها حقه، ويقيم دولته المستقلة في أرضه.


اترك تعليق