كتاب : فقه الجهاد الحلقة [ 24 ] : الباب الثالث : الجهاد بين الدفاع والهجوم (مناقشة أدلة الفريقين من الهجوميين والدفاعيين( الفصل الثاني : (حكم قتال المسالمين ومناقشة أدلَّة من أجازه(

By : د.يوسف القرضاوي

• مدى مشروعية مقاتلة المسالمين :

هناك قضية تعدُّ من أهم قضايا الجهاد القتالي في عصرنا، بل لعلها أهمها على الإطلاق، تقتضي منا - لزوما - العكوف على بحثها وتمحيصها، وترجيح الراجح فيها، وهي التي تدور حولها المعركة الجدلية بين الفريقين المتعارضين الذين ذكرناهما من قبل.

هذه القضية هي: مدى مشروعية قتال مَن سالمنا ومدَّ يده إلينا بالمصافحة والمصالحة، وألقى إلينا السلم، وكفَّ يده عنا، فلم يقاتلنا في الدين، ولم يخرجنا من ديارنا، ولم يظاهر عدونا على إخراجنا.

هناك من الفقهاء - قديما وحديثا - مَن ذهبوا إلى أن المسلمين مطالَبون شرعا بتوسيع أرض الإسلام، كلما أمكنهم ذلك، وأنه يجب عليهم أن يغزوا مَن يلونهم من غير المسلمين كل سنة مرة على الأقل، إيذانا بقوة الإسلام، وإعلاء لكلمته، لتبقى دائما هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وضمِّ الدول الكافرة بالتدريج، لتكون تحت سلطان الأمة الإسلامية، والنظام الإسلامي، ليرَوا بأعينهم الإسلام بتشريعاته العادلة، وتوجيهاته الفاضلة في حال تطبيقه، فخضوعهم هنا للإسلام شريعةً، وليس للإسلام عقيدةً، فهذه متروكة لاختيار الناس وإرادتهم، ولا إكراه فيها بحال، وفيها جاء قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256[

وهناك من الفقهاء قديما وحديثا: مَن ذهبوا إلى أن القتال في الإسلام لم يُشرع في حق مَن يسالم المسلمين، ومَن لم يقاتلهم في الدين، ولم يخرجهم من ديارهم، ولم يظاهر على إخراجهم، بل كفُّوا أيديهم عنهم، وألقَوا إليهم السلم. فهؤلاء ما جعل الله لهم عليهم سبيلا، بل أمر المسلمين أن يبرُّوهم ويقسطوا إليهم، فإن الله يحب المقسطين.

إنما شرع الإسلام قتال الذين يقاتلونهم، ويعتدون على حرماتهم، أو يفتنونهم في دينهم، ويخرجونهم من ديارهم، ويصدُّون عن سبيل دعوتهم، ويصادرون حقهم في نشرها بالحُجَّة والبيان، ويَشهرون في وجههم السيف، وقد يقتلون دعاتهم، كما حدث بالفعل مع مشركي العرب، ومع نصارى الروم، ومع مجوس الفرس.

• انقسام أهل العلم في موضوع الجهاد إلي فريقين:

وهكذا انقسم أهل العلم والفكر في موضوع الجهاد إلى فريقين يختصمان:

( 1 ) فريق (دعاة السلم)، إذ يعتبرونه الأصل في العَلاقة بغير المسلمين، إلا أن يقع اعتداء على المسلمين أنفسهم أو أموالهم أو أرضهم، أو على دينهم بالفتنة عنه، والصدِّ عن سبيله، أو على المستضعفين في الأرض من المسلمين أو من حلفائهم، ونحو ذلك.

وهؤلاء يسمُّونهم (الدفاعيين) لأنهم يقولون: إن الجهاد شرع دفاعا بالمعنى الذي شرحناه، ولا يبدأ بالهجوم من غير سبب.

وقد صنَّفوني من هذا الفريق، وأنا لا أنكر ذلك، بل أعتزُّ به، وأحمد الله أن هداني إليه؛ لأنه هو الذي يعبِّر عن حقيقة الإسلام في القضية. كما سيتَّضح لنا.

( 2 ) وفريق (دعاة الحرب)، لأنهم يعتبرون الأصل في عَلاقة المسلمين بالكفار هي الحرب، وعِلَّة قتالهم هي الكفر، وليس مجرَّد العدوان على أهل الإسلام أو على دعوتهم، لأن طبيعة الكفر والشرك تحمل الشرَّ والعدوان، كما أن طبيعة الإسلام هي التوسُّع، وإخضاع الأنظمة الكافرة لسلطان حكمه. وهكذا كانت - في رأيهم - معظم غزوات الرسول، وفتوحات أصحابه. وهؤلاء يسمُّونهم (الهجوميين) لأنهم لا يقصرون الجهاد على الجانب الدفاعي، كما يقول الآخرون، بل يُوسعونهم نقدا - وربما: ذمًّا وتجريحا - لأن الإسلام في نظرهم: حقٌّ تسنده قوَّة، ومصحف يحرسه سيف، ورسالة تدعو العالم إلى ثلاثة أشياء: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما القتال.

• أدلة دعاة الحرب على العالم:

استند القائلون بشرعية القتال للناس كافة: مَن حاربنا، ومَن سالمنا، بجملة أدلة من القرآن، ومن الحديث، ومن السيرة النبوية. ومن التاريخ، ومن أقوال الفقهاء، ومن فلسفة الإسلام. نذكر هذه الأدلة إجمالا ثم نعلِّق عليها [1[

( 1 ) قوله تعالى في سورة البقرة: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة:193]، وفي سورة الأنفال: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39]، ومعنى {لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} في رأيهم: أي لا يكون شرك. كما رُوي عن بعض المفسرين.

( 2 ) آية السيف) التي نسخت نحو مائة وأربع عشرة آية، أو مائة وأربعين آية من القرآن، أو أكثر من ذلك. وهي توجب قتال الكفار كافَّة. وأكثر ما قيل: إنها آية: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة:5[

( 3 ) حديث: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف". وهو يوحي باستخدام القوة في مواجهة الجميع.

( 4 ) حديث: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله". ومعناه واضح كل الوضوح، فلم يعلِّل القتال بشيء، إلا أن يقولوا: "لا إله إلا الله": أي يدخلوا في الإسلام.

( 5 ) غزوات الرسول كانت مبادأة بالهجوم. كما في فتح مكة، وغزوة تبوك، وغيرهما.

( 6 ) فتوح الخلفاء الراشدين والصحابة - وهم الذين يُقتدَى بهم فيُهتدَى - كانت ابتداء وطلبا.

( 7 ) إجماع الفقهاء على أن الجهاد فرض كفاية على الأمة، ومعناه: وجوب الغزو لأرض الكفار كلَّ سنة مرة. على الأقل.

( 8 ) عِلَّة القتال هي (الكفر) فهو وحده عِلَّة تامة، وإن وُجدت علل أو أسباب أخرى، مثل العدوان على الإسلام وأهله، فهي تُقوِّي سبب الكفر.

( 9 ) فلسفة إخضاع السلطات الطاغية، والأنظمة الظالمة، لنظام الإسلام، وحكم الإسلام، حتى ترى الشعوب الإسلام بأعينها: عملا وتطبيقا واخلاقا، فتتأثر به، وتدخل فيه.


اترك تعليق