الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين: الأزمة الأخلاقية وراء تخلفنا

By :

بيروت/ موقع الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

حرصت "الخليج” على لقاء فضلية الدكتور علي القره داغي خلال زيارته للقاهرة مؤخراً للاستماع لآرائه حول مختلف القضايا التي تهم الدول العربية والإسلامية، فأكد أن الحوار مبدأ أساسي من مبادئ الإسلام وليس قيمة كما يقولون، والقرآن الكريم دستور المسلمين ويطالبنا دائماً بالجدال بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبذلك يرسخ لأهمية الحوار، مشيراً إلى أننا بالفعل في حاجة لتطوير الخطاب الإسلامي والابتعاد عن التشنج أو الانفعال حتى لا يستغل أحد تلك الأمور في تشويه صورتنا وصورة الدين الذي ننتمي إليه، أما بالنسبة للحوار مع الفاتيكان فهو يرفضه لأنه  من وجهة نظره لا يجدي.  وقال إن غياب الوازع الديني هو أهم أسباب انتشار العنف الأسري، وإن أهم سبل مواجهة هذه الآفة هو الوازع الديني، والتربية الصحيحة. التفاصيل في الحوار التالي:

تتزايد في عالمنا العربي والإسلامي المشكلات الزوجية وتسرب أطفال من التعليم.. فكيف نبني أسرة متماسكة؟

 المتابع للشأن الأسري في عالمنا الإسلامي سيكتشف بسهولة غياب المفهوم الإسلامي لمصطلح الأسرة، فالإسلام دعا إلى تكوين الأسرة والاهتمام بها، وقد اعتنى بها منذ بدء تكوينها، فوضع الأسس والقواعد التي يعتلي عليها البناء الشامخ القوي الذي لا يهتز أمام رياح المشكلات وعواصف الأزمات، فجعل الدين هو الأساس الأول في اختيار شريك وشريكة الحياة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك”، وهذه هي المواصفات التي رغب فيها الإسلام وقد ورد النهي عن زواج المرأة لغير دينها ففي الحديث: "من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذُلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه”، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل”.

لهذا فعلى المسلم أن يتخير جيدا عند الزواج، وعلى المسلمة أن تتبع ما جاءت به الشريعة الإسلامية من أجل بناء أسرة صالحة فعلى الزوجة أن تبذل جهدها للحفاظ على الأسرة وعدم وقوع الطلاق، وأن ترعى الله في زوجها وأسرتها، وعلى الزوج أن يرعى الله في زوجته ويعاشرها بالمعروف وينفق على أسرته من ماله الحلال دون تقتير أو إسراف، فديننا وسطي، وإذا التزم الزوجان بهذه التعاليم فسوف ينشئان أسرة صالحة تبني مجتمعا صالحا يتقدم ولا يتأخر يبني ولا يهدم ووقتها سيختفي كثير من مشكلاتنا الاجتماعية.

 ما رأي فضيلتكم في انتشار العنف الأسري من الأب أو الأم والأبناء تجاه بعضهم؟

 أعود وأقول إن غياب الوازع الديني هو أهم أسباب انتشار العنف الأسري، لهذا فإن أهم سبل مواجهة هذه الآفة هو الوازع الديني، والتربية السلوكية الصحيحة، وربط الإنسان بالله تعالى والخوف منه، إلى عناصر التربية التي هي الأساس في بناء الإنسان، وأقول أيضاً إن هناك أمرا مهما وهو ضرورة اختيار كل من الزوجين بالشكل المناسب ديناً وخلقاً، وتربية وسلوكاً، وطبعاً وطبيعة، واجتماعياً وثقافياً، وفكرياً وعلمياً، فعندما يتم التوافق بين الزوجين لا يمكن أن يحدث العنف، لأنهما يعلمان حدود الله تعالى المتمثلة في قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}، وقوله تعالى: {وأخذنا منكم ميثاقاً غليظاً}، وقوله تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً}.

الفتاوى المتضاربة

يحار الكثيرون في التعاطي مع بعض المشكلات بسبب الفتاوى المتضاربة.. فهل هذا صحيح؟

 أولاً لا بد أن نبرئ الفتوى كمصطلح من ذلك، ولكننا لا نعفي من يفتون من دون علم، لأنهم قد يتسببون بالفعل في كثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضاً، وفي هذا يشير الرسول  صلى الله عليه وسلم  إلى خطورة الفتوى وتأثيرها في إضلال الأمة، إذ قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا”، وبنظرة فاحصة إلى أحوال أمتنا الإسلامية اليوم نجد بكل وضوح أن بعض مشكلاتها، إن لم يكن أهمها، يعود إلى فتاوى مضطربة وصادرة عن غير أهل العلم، وفتاوى متشددة، ما أحدث خلافات ونزاعات شديدة أدت إلى تمزق المسلمين والجماعة الإسلامية.

وللأسف فإن كثيرا من المفتين في هذا العصر لو تضعهم أمام مرآة الضوابط والآداب التي ذكرها السلف الصالح للفتوى ترى فيها صورة سوداوية، ولا تتوافر فيهم تلك الضوابط والآداب، وقد بين الرسول  صلى الله عليه وسلم  خطورة تصدى الجهال للفتاوى والرئاسة في العلم، لأنهم يضللون الأمة ويهلكونها، ولذلك قال مالك رحمه الله: (من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة؟ ثم يجيب فيها، ثم سئل عن مسألة، فقال: لا أدري . فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}؟ فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة.

 لكن.. كيف ترى واقع الأمة الإسلامية اليوم؟

 الواقع يؤكد تكرر مآسي الأمة على مختلف الجبهات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وتزداد المصائب يوماً بعد يوم على الأمة ويتداعى عليها الأعداء من الأمم الصهيونية والصليبية والوثنية والإلحادية كما تتداعى الأكلة على قصعتها، رغم أن عدد المسلمين فاق ملياراً وثلاثمئة مليون نسمة، ويملكون قوة عظيمة لا تتوافر لأية أمة أخرى.. قوة جغرافية، ويملكون معظم الممرات المائية والمضايق والمواد الخام من البترول والحديد والغاز ونحوها، ومع كل ذلك فأمتنا تقع في قائمة الدول النامية المتخلفة، وبينها دول تصنف دولياً ضمن الدول الفقيرة المعدمة التي تعيش على الصدقات والتبرعات، وينهش في أجسامها الفقر والجهل والمرض والتخلف، وتفتك بها الحروب الداخلية والإقليمية.

 لماذا وصلت الأمة إلى ما هي عليه من تأخر وتخلف من وجهة نظركم؟

 إذا قرأنا تاريخ الأمم وكذلك لو قرأنا تاريخ أمتنا الإسلامية وتدبرنا في التجارب، لوصلنا إلى نتيجة قاطعة أن كل المشكلات والهزائم والابتلاءات تعود إلى الأزمة الأخلاقية بمعناها الشامل، التي تشمل الطغيان والسلوكيات غير السوية، وحتى الأزمات الاقتصادية فإنها تعود إلى الأزمة الأخلاقية، وإن لم تكن كل الأسباب فإنها تشكل أعظم وأخطر سبب على المجتمعات على الإطلاق.

لذلك بّين الله سبحانه وتعالى سبب هلاك الأمم، فحينما نقرأ في سورة "الفجر”، يقول رب العالمين: {الذين طغوا في البلاد  فأكثروا فيها الفساد  فصب عليهم ربك سوط عذاب  إن ربك لبالمرصاد}، فالطغيان  أي قوة المال والجبروت والكبرياء والتجبر والعلو مع الفساد  أي الفساد المالي والسياسي والإداري والاجتماعي والفساد الاقتصادي هي السبب في فساد الأمم.

حوار غير مجدٍ

كيف تنظر إلى ملف الحوار بين الغرب والمسلمين في ظل تزايد الإساءات الغربية؟

 أولاً الحوار مبدأ أساسي من مبادئ الإسلام وليس قيمة كما يقولون، والقرآن الكريم دستور المسلمين كتاب حوار يطالبنا بالجدال بالتي هي أحسن، يقول: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}، ويقول {وجادلهم بالتي هي أحسن}، وبذلك يرسخ لأهمية الحوار بالحسنى، ونحن بالفعل في حاجة لتطوير الخطاب الإسلامي والابتعاد عن التشنج أو الانفعال حتى لا يستغل أحد تلك الأمور ويستفيد منها في تشويه صورتنا وصورة الدين الذي ننتمي إليه.

أما بالنسبة إلى الحوار مع الفاتيكان فأنا كأمين عام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أرفض ذلك الحوار، وأرى أنه لن يجدي؛ فبابا الفاتيكان الحالي ظلم المسلمين جميعا ظلما شديدا ولم يعتذر، بل رفض حتى أن يرفع نص المحاضرة التي أساء لنا فيها من الموقع الإلكتروني للفاتيكان، بل وزاد سكرتير البابا الأمر سوءا عندما قال إن الحوار مع المسلمين غير مجدٍ لأن لديهم القرآن، أي أنهم يريدون منا أن نتنازل عن القرآن حتى يقبلوا الحوار معنا، وللأسف فالبابا الحالي يختلف تماما عن البابا السابق، فقد كان الحوار مع البابا يوحنا بولس الثاني حوارا إيجابيا لكن البابا الحالي والمحيطين لم يمنحونا فرصة الحوار العقلاني، ولهذا نرفض الحوار معهم حتى يعترفوا بأنهم أساءوا للإسلام والمسلمين.

 يثير الغرب والعلمانيون مزاعم حول قيام الإسلام بظلم المرأة.. فكيف نرد على تلك الادعاءات؟

 أتعجب من تلك المزاعم الغربية التي يدعمها للأسف بعض أبناء جلدتنا ممن يطلقون على أنفسهم وصف "العلمانيين”، فالواقع وشهادات المنصفين من مفكري الغرب كلها تؤكد أن الإسلام هو الدين الذي أنصف المرأة وجعل لها أهلية مالية واقتصادية في وقت لم تكن فيه أية حضارة أخرى تمنح المرأة تلك الأهلية، بل إن الغرب الذي يتشدق بحرية المرأة لم يمنح نساءه الأهلية إلا مع نهاية ثلاثينات القرن العشرين، بينما الإسلام سبقه في ذلك قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، وللأسف فإن ضعف المسلمين السبب في انتشار تلك المزاعم التي يروجها أعداء الإسلام من أجل الحد من انتشاره، خاصة أن التقارير تشير إلى أن انتشار الإسلام بين المرأة في الغرب أصبح يشكل هاجسا لدى العديد من رموز اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

مواجهة الفقر

نود أن نعرف رأيكم في دور الزكاة في معالجة مشكلات الفقر في العالم الإسلامي ولماذا تراجع هذا الدور؟

 الزكاة هي أرقى أنواع استثمار وتوظيف الأموال، فالثري يطهر أمواله ويستثمرها مع الله  عز وجل  والفقير يحصل على نصيبه العادل من المال، فالزكاة وسيلة أساسية في محاربة الفقر تعاونها وسائل أخرى مثل الصدقات التطوعية، والكفارات، وقوانين المعاملات الشرعية من أداء للأمانات، واستيفاء للعقود، وتحريم للربا والميسر والاحتكار والاكتناز والغرر، ونحو ذلك تسهم في إزالة آثار الفقر، فتعمل الزكاة على القضاء على الفقر في المجتمع المسلم، بل إن الهدف الأول للزكاة هو علاج مشكلة الفقر علاجا جذريا، ونرى ذلك في قول النبي  صلى الله عليه وسلم  في حديثه لمعاذ حين أرسله لليمن، إن "الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم”، ويقول السلف الصالح ومنهم سيدنا علي كرم الله وجهه "لا يموت فقير إلا بتقصير الأغنياء”، وفي عهد عمر بن عبد العزيز استطاع خلال عامين القضاء على الفقر تماما من خلال حسن استغلال فريضة الزكاة حتى إن الأموال فاضت عن الحاجة، فقال لعماله: زوجوا الشباب.. فقالوا فعلنا وفاض المال أيضاً . فقال: أعتقوا العبيد . وأهدي هذه الحقيقة لمن يقول إن الفقر أمر من المستحيل التصدي له.

 

حوار: حسام وهبة  
مجلة الخليج


اترك تعليق