دروس تربوية من علم مصطلح الحديث (محمد مسعد ياقوت)

By :

علم مصطلح الحديث هو العلم بالقواعد التي يُعرف بها أحوالُ السندِ والمتن من حيث القبول والرد. وهو علمٌ شريف، يصون السنة، ويُجلي لك أصل الآثار، ويبين لك الثابت من المتروك، والغث من الثمين، ويقوي لديك ملكةَ الترجيح، ويقنن فيك ضوابط التعديل والتجريح، وأفضل من ذلك كله أنه يقربُ المرءَ من خيرِ أسوة، وأكرمِ قدوة، وأعظم مربٍ ـ {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}الأحزاب21 

ثم يكفي أن تعرف أن أصحاب هذا العلم هم أكثرُ الناسِ صلاةً على رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ . 

هذا ونستخلص طرفًا من الدروس التربوية التي يكتسبها الطالب في هذا العلم على النحو التالي: 

الدرس الأول: حُسن الخُلق 

      أول ما يستفيده الطالب تربويًا من هذا العلم الكريم هو "حسن الخلق"، فالطالب مثلاً يرى كيف تُرد آلافُ المرويات التي رواها راوٍ بعينه إذ ما أُثر عنه فعلٌ قادح، أو عملٌ يطعن في أخلاقه. ومثال ذلك "شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ" إذ ضفعه جماعةٌ من أهل العلم بسبب خريطة سرقها،  قال يحيى بن أبى بكير الكرمانى، عن أبيه: "كان شهر بن حوشب على بيت المال، فأخذ خريطة فيها دراهم فقال القائل: لقد باع شهر دينه بخريطة فمن يأمن القراء بعدك يا شهر". 

وعن يحيى القطان عن عَبَّادُ بن منصور قال: "حججت مع شهر بن حوشب فسرق عيبتي. 

فانظر كيف ضاعت آثار هذه الرجل بسبب فعلة أُثرت عنه، على كثرة ما ورد عنه من أحاديث، لاسيما التي تفرد بطرقها، وهي كثيرة جدًا. 

وهذا، ومثل هذا، له من الأثر الكبير ـ دون شك ـ في تشكيل أخلاق طلاب العلم. 

الدرس الثاني: الأمانة العلمية 

ومن القيم العظيمة التي يتربى عليها طلاب "المصطلح" أنهم يعرفون أهميةَ أنْ يُعزى القولُ لقائله.  وهم أعلم الناس بحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " من كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ". 
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ ! فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ". 

وقد كان أنسُ بن مالك ـ رضي الله عنه ـ يتحفظ من كثرة التحديث خشية أن يُخطىء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقال أنس:"إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَال: "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ". 

وفي ثنايا ذلك الجو المهيب، يتعلم الطالبُ أمانةَ النقل، ويتورع من أن ينسب شيئًا لأحد لم يقله، فضلاً عن أن ينسبه لنفسه. 

وقد كان الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ حينما يتحدث عن نسبة العلم ـ أو الفضل ـ لأهلة؛ يستشهد بقوله تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} الشعراء183 

الدرس الثالث ـ الدقة 

          فيتربى طلابُ هذا العلم على أهمية الدقة في كل لفظة، بل في كل حرف ...، فلفظة " حدثني " ليست كلفظة "حدثنا " عند الإمام مسلم، فعندما يقول: "حدثني" أي أن الشيخ حدّثه منفردًا، ولفظة "حدثنا" تعني أن الشيخ حدثه وحدث معه غيره. 

كذلك عندما يقول الإمام مسلم " أخبرني" فهذا معناه أن الإمام مسلم قرأ على الشيخ منفردًا والشيخ يقره، وإذا قال" أخبرنا" فهذا يعني أنه قرىء على الشيخ في جمع من الطلبة والشيخ يقره. 

 وهذا يدلك  على دقة الإمام مسلم رحمه الله، ودقة أهل هذا العلم عمومًا، وهي من الثمرات التربوية التي يكتسبها طالب هذا العلم الجليل. 

الدرس الرابع: الصبر 

فهذا العلمُ يُدرب الطالبَ على الصبر، "وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ، مِنْ الصَّبْرِ "[8]. إذ يجلس الطالبُ على الحديث الواحد، يجمع طرقه، ويتتبع كل طريقٍ من مظانه، ثم هو يرسم "خريطة الحديث"، وقد يمزق ورقتها، ثم يعيد بناء الخريطة من جديد، وهكذا، يواصل، في دأب وعمل حتى يستقيم له الحديث على الخريطة، ثم هو يتتبع الرجال في كتب الجرح والتعديل، ولعله يطالع شيئًا من كتب العلل إذا ما بدى له شيءٌ يرتابُ منه، وقد يفتح شيئًا من معاجم اللغة العربية ـ كلسان العرب ـ يبحث عن كلمة في الحديث؛ ربما إذا وصل إلى معناه يتجلى له الأمر في علةٍ اختلف الناسُ فيها . ثم يذهبُ الطالب إلى شيخه، فيطلعه على خريطة الحديث، وجامع القول في الرجال، والدرجة المقترحة للحديث، ولكنّ الشيخ يأبى أن يوافق تلميذه في حُكمه الذي وصل إليه، ويقول: أنت لم تطالع كذا، ولم تقرأ رأي فلان في هذا الرجل، ارجع إلى الميزان، ماذا قال الحافظ في فلان؟ طالعْ تتبعات الدراقطني في طريق كذا ... إلى آخره، ثم يأمره الشيخ أن يعيد بناء الخريطة آخذًا في اعتباره الملاحظات التي أشار إليها، فيعود الطالب، ويرجع إلى المراجع التي أشار إليها الشيخ، ويبني الخريطة من جديد، وهكذا ... يدور الطالب بين الشيخ والكتاب والبحث والترجيح حتى يَنبِّل الطالبُ في العلم، ولن يَنبِّل إلا بالصبر. وحسبك من هذا العلم نعمةٌ الصبر. 

الدرس الخامس: التواضع 

يُعاين الطالبُ أخلاقَ التواضع قائمةً حيةً في علم الحديث، يراها في ألفاظ التواضع والورع والأدب الجم فيما سطَّره أهلُ العلم، ويراها كذلك في رواية الأكابر عن الأصاغر، إذ لم يأنف كبيرُ القدر من الرواية عمّن دونه في السن أو العلم أو السبق، وخير ما يضرب به المثل في هذا الباب، ما رواه رسول الله ـ  صلى الله عليه وسلم ـ في خطبته عن تميم الداري مما أخبره به عن رؤية المسيح الدجال في تلك الجزيرة التي في البحر. والحديث في الصحيح، ويسمى حديث "الجساسة"، وهو حديث طويل، يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أوله: "إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ . حَدَّثَنِي: أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا ...." الحديث. 

كذلك روى معاويةُ بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ  عَنْ مَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ السَّكْسَكِيِّ ـ وهو من كبار التابعين ـ وهم بالشام، في حديث: "لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ"، والحديث في صحيح البخاري. 

وقد روى العبادلة عن كعب الأحبار وهو من التابعين. 

وكذا رَوى عن عمرو بن شعيب جماعةٌ من الصحابة والتابعين. 

وروى ابن سيرين وهو من كبار التابعين عن خالد الْحَذَّاء وهو من صغار التابعين. 

وؤوى شعبةُ بن الحجاج وهو من كبار أتباع التابعين عن علي بن عاصم وهو من صغار أتباع التابعين، وهي من أعجب ما يرويه الأكبار عن الاصاغر. 

وقد صنف أبو تراب محمد بن سهل الْقُهُسْتَانِىُّ  كتابًا أورد فيه روايات الأكابر عن الأصاغر، يرويه عن سليمان بن إبراهيم عن أبي الحسين علي بن محمد بن جعفر العطار عنه 

ويشير "ابن الصلاح " ـ رحمه الله ـ إلى أهمية هذا النوع من الرواية في علم الحديث، فيقول : "وفي التنبيه على ذلك من الفائدة معرفة الراوي من المروي عنه". 

الخلاصة: 

      علم مصطلح الحديث ليس كما يظن البعضُ علمًا جامدًا كغيره من علوم الآلة، بل هو علم حيوي، متجدد، يغرس في نفس الطالب قيمًا تربوية كريمةً من حُسن الخلق، والأمانة العلمية، ودقة الضبط والنقل، والصبر على عقبات الطريق، والتواضع بين الناس على علم العالم وجهل العامة.


اترك تعليق