ديمقراطية يهَبها الله (حاتم صالح)

By :

فيما كان يتم سحق الثورة الخضراء في ميدان آزادي بطهران، لم يوجد من المراقبين من يتنبأ بأن موجة عارمة من الاحتجاجات ستضرب بعد أشهر مناطق شتى في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، موجة أثارها بركان من الظلم الاجتماعي في تونس، وزاد من زخمها ناشطون إلكترونيون ينادون بالتغيير - فهل تنحسر عن ديمقراطية عربية؟

  لا يزال الحس الديني يفعل فعله في تشكيل المواقف والاتجاهات العامة في منطقة تشهد تغييرات بنيوية. وعلى الرغم من أيام جُمَع الثورة المشحونة روحياً، وعلو منطق "الشعب يريد إسقاط النظام"، فإن بعض المفكرين المسلمين ـ وإن كان عددهم في تناقص ـ لا يترددون في نبذ الديمقراطية أي تردد. فالحُجة "الحرفية" التي يعاد تكرارها حول تعارض الديمقراطية مع الإسلام قوامها أن الديمقراطية هي "حكم الشعب من قِبل الشعب ولأجل الشعب". فالحُكم الإلهي والحُكم الإنساني، كما يحذرون، ينافي كل منهما الآخر.

في حين أن الديمقراطية تقتضي فقهاً ـ كما الإسلام ـ فإنه ليس من المستحيل، بل إن مما لا مفر منه، وجود قاسم مشترك أدنى. فبادئ ذي بدئ، هناك حاجة أساسية للحُكم، أي "حُكم الشعب"، وذلك في مقابل شيوع الفوضى. ثم إن عملية الحكم إنما يقوم بها على المستوى الواقعي بشر عاديون يمكن إخضاعهم للمساءلة، فهو حُكم "من قِبل الشعب"، وذلك في مقابل سلطة كسلطة رجال الكهنوت. وأخيراً، فإن على الحكام أن يمارسوا سلطتهم "لأجل الشعب"، وليس من أجل مصالحهم الضيقة أو مصالح أسرهم أو… ولكن هل يخطر ببال عربي أن ذلك هو ما يحدث عادةً؟  

آخر الفراعنة 

بالنظر إلى المشهد السياسي الراهن، فإن البلدين المسلمين غير النفطيين والذين أحرزا أكبر قدر من النجاح وفقاً للمؤشرات التنموية ـ ونعني ماليزيا وتركيا ـ قد تبنّيا التحول الديمقراطي. (يبدو أن النفط والديمقراطية لا يمتزجان بسهولة!). ففيما يخص تركيا، فإن تحقيق المزيد من الديمقراطية تحت قيادة حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية، وذلك عن طريق تعزيز المؤسسات الديمقراطية، قد تزامن مع تحقيق مزيد من الرخاء - بنمو اقتصادي يضاهي الآن نمو الصين.

أما فيما يتعلق بإسرائيل، فإن وضعها لا يقل إثارة للاهتمام. فقد وصف عضو الكنيست أحمد الطيبي إسرائيل بأنها ديمقراطية لليهود، ولكنها يهودية للعرب. وما قصده الطيبي هو أنها منحازة عرقيّاً بحكم أنها "دولة يهودية" كما يُبين ذلك "قانون العودة" (وهو القانون الذي كان يرحب، وفقاً لمعلقين إسرائيليين، "بعودة" العقيد القذافي إلى إسرائيل على افتراض ان جدته الكبرى يهودية) - وفيما عدا ذلك فإن إسرائيل هي دولة ديمقراطية، هذا لو أغفلنا أمر الاحتلال الدموي الأطول في العالم. 

ومع ذلك، فإن ممارسة الديمقراطية داخل إسرائيل، على ما يشوبها من عوار، هي سبب في تفوقها على الديكتاتوريات المجاورة والتي لا تكاد تولي اهتماماً بمصالح شعوبها. فلا عجب إن كانت الدولة الصهيونية من أشد المؤيدين لنظام الحكم البائد في مصر، قبل السقوط المخزي لـ "آخر الفراعنة".

 أما المستشرق المخضرم برنارد لويس، فقد نصح إسرائيل، في مقابلة مطولة أجرتها معه صحيفة "جيروسالم بوست"، بأن تلتزم الصمت، وأن تراقب عن كثب، وأن تكون على أهبة الاستعداد. ولم يبدِ الضيف ولا المضيف أي ارتياح إزاء التغييرات السياسية التاريخية التي تجتاح المنطقة. بل تعلق الأمر بوضوح بتكتيكات التخويف المعتادة، وهو ما ليس بجديد على الرجل الذي صاغ مصطلح "صدام الحضارات". 

نحو عهد جديد

ثمة نماذج ديمقراطية عديدة، ومن بينها الديمقراطية الدستورية التي قد تكون بتأكيدها على سيادة القانون ذات أهمية خاصة للمسلمين ـ فالإسلام يفخر بتراثه التشريعي والأخلاقي الراسخ والدينامي التطور. أما فيما يتعلق بالقضايا الأخرى، فمنذ عهد بعيد، قرر نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن الناس أعلم بأمر دنياهم. والحق أن على فقهاء السياسة المسلمين أن يأتوا بنماذج ديمقراطية جديدة، أوسع خيالاً، وأفضل مطابقة. وإذا كان ذلك ممكناً في المجالات الاقتصادية والمالية، فلماذا لا يكون ممكناً في المجال السياسي؟

وفي الوقت الحاضر، ومن وجهة نظر دينية، فإن على معارضي الديمقراطية أن يبينوا بشكل دقيق أيّ جانب من هذه الجوانب الديمقراطية يعتقدون أنه مخالف لتعاليم الإسلام، ومن ثم يتعيّن تجنبه: أهو المساءلة، أو الشفافية، أو المساواة بين المواطنين، أو الفصل بين السلطات، أو الرأي الآخر؟ 

ولقد تم سؤال نحو 100,000 شخص في أكثر من 80 بلداً، في إطار المشروع البارز "استبيان القيم العالمية"، وذلك لتقييم مختلف أنماط الأنظمة السياسية. وعندما قام مؤخراً ستيفين فيش ودانييل لوسيير، وهما من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، بمعالجة الأرقام علمياً بدت النتائج محيرة تماماً. فوفقاً لمؤشر يتراوح بين 1 و4 ـ علماً بأن 4 يدل على أعلى مستويات تأييد الديمقراطية ـ فإن المعدّل للمجيبين المسلمين بلغ 2.94، مقارنة مع 2.98 للمجيبين غير المسلمين. ويشير ستيفين فيش أنه، وفقاً لهذا المقياس، فإن الفرق البالغ 0.04 لا قيمة له.  

وبعبارة أخرى، فإن تأييد الديمقراطية بين المسلمين حول العالم يضاهي تأييدها بين غير المسلمين! ومن هذا المنظور، فإن الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ـ لاسيما في تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا والمغرب وسوريا وفلسطين/إسرائيل ـ كانت تجلس على قنابل موقوتة، إن جاز التعبير. وقد كان من شأن برقيات سفارات الولايات المتحدة التي نشرتها "ويكيليكس"، وما أظهرته للعيان من تقارير عن استغلال السلطة من قِبل طغاة في المنطقة وأسرهم، أن تسارعت دقات ساعاتها.

 إننا على أعتاب عصر جديد، ونقلة نوعية. ففي العالم العربي، تُرى الكرامة والحرية - مجدداً - بمثابة هبتين من الله، لا تقبلا الجدل. أما التكنولوجيا المستقبلية فقد يكون من شأنها تعزيز قدرات أناس عاديين بطرق تفوق العادة. مثال ذلك أن تأمين عمليات التصويت عن طريق التشفير قد ثبتت فعاليته؛ مما من شأنه الحد إلكترونياً من التزوير الانتخابي. وهكذا يبدو أن الاحتمالات لا نهاية لها. وهو الأمر الذي ينذر أيّما نذير الطغاة حول العالم، ويبشر بغد أفضل.


اترك تعليق