مالي تزأر للإسلام

By :

لم تدرك الدولة الفرنسية حجم الخزي والعار الذي حصدته الولايات المتحدة الأمريكية عندما خرجت صاغرة من الصومال، وتصورت الدولة الباريسية أنها يمكن أن تأتي بجديد عند إقدامها على التدخل في مالي، وقتها كانت فرنسا تعلم يقينًا أن مالي ليست هي الصومال، غير أن أبناء هذه الدولة الإفريقية كانوا يدركون جيدًا أن بلدهم كالصومال وأفغانستان والعراق وغيرها من الدول التي تأبى الاحتلال وترفض التدخل الأجنبي في شئونها.

راهنت فرنسا على الدولة العظمى كما راهنت على الدول العربية، في الوقت الذي راهن فيه الشعب المالي على إرادته وصموده، فتحقق له ما أراد فنجح الماليون وخسر الفرنسيون، نجح أبناء القارة السمراء في إفشال جميع الخطط الفرنسية في غزو بلادهم، وأعلنت وزارة الدفاع الفرنسية عزمها على سحب جميع جنودها من المعسكرات التي أقامتها في مالي، ولم يشفع لها دعم الإمبراطورية العظمى، كما لم يساعدها ما قدمت لها بعض الدول العربية من دعم لوجِستي، خلاف حجم المؤازرة الإفريقية والدولية للحرب على ما يسمى بالإرهاب، دون أن يستوعب مسئولو قصر الإليزيه الدرس الأمريكي في الصومال، فلم يكن ماثلاً أمامهم؛ بسبب الصلف الفرنسي، واستعراض القوة، وبسط النفوذ، واستحضار التاريخ العسكري لفرنسا وغزوها للدول الإفريقية.

وجراء الخسارة التي حققتها القوات الفرنسية في شمال مالي والعاصمة باماكو، فقد كان ذلك دافعًا إلى أن تعيد باريس تفكيرها في ألا تحصد المزيد من خسائرها في تلك الدولة الإفريقية، ولذلك كان قرارها بالانسحاب من مالي، على الرغم من أن البداية نفسها كانت خاطئة، وكانت تخالف بالأساس تصريحات مثقفي الحزب الاشتراكي الحاكم في أن فرنسا لم تكن راغبة في التدخل العسكري في مالي، على الرغم من أن باريس لم تتخلَّ عن نفوذها في مستعمراتها السابقة الممتدة على طول منطقة الساحل الإفريقي، ولم تتوقف أيضًا عن التدخل في شئونها، فضلاً عن أن قواتها تتمركز في دول عديدة منها، وتشتبك في حرب فعلية دائرة حاليًّا، على نحو ما هو حاصل في إفريقيا الوسطى. غير أنه وحسب كل الحروب، فإن هناك من يشحذ السلطة بأقلامهم لتبرير قرار الدخول في الحرب؛ يقول الفرنسيون: إن حكومتهم قررت التدخل لأسباب مهمة وحيوية هي بالترتيب:

- الضعف الكبير للحكومة المركزية في باماكو.

- السرعة التي تقدمت بها قوات الجماعات المسلحة في اتجاه الجنوب.

- البطء الذي شاب عملية تشكيل القوة الإفريقية التي أذن بها الاتحاد الإفريقي.

- الدافع القومي لحماية 6 آلاف مواطن فرنسي مقيمين في مالي.

- الحاجة لمنع إقامة عاصمة إسلامية في غرب إفريقيا تلعب دور كابول بالنسبة لتنظيم القاعدة في أفغانستان.

ووظف الإعلام الفرنسي ذلك، غير أنه لم يكن بارعًا، على الرغم من أنه ساق الأسباب التي دفعت الرئيس أولاند إلى اتخاذ قرار التدخل العسكري، في وقت لم تُبدِ أية دولة أوروبية استعدادها أو نيتها مشاركة جارتها فرنسا في تنفيذ مهام التدخل، وفي وقت بات فيه مؤكدًا أن الولايات قررت -وبكل الحزم- عدم التدخل في الصراعات المسلحة، والاكتفاء بتكليف من يقوم من الدول "الحليفة" بهذه المهمة بمساعدة من الدول "المحلية" القريبة من مواقع الصراعات والأعضاء في التكتلات الإقليمية، مثل: الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية.

وأمام كل هذا، فقد مُنيت الدولة الباريسية بخسارة فادحة؛ إذ فشلت الجيوش وخفق الإعلام في تحقيق جميع المكاسب التي ظلت باريس تعمل على حصدها؛ إذ إن الجماعات المسلحة في الشمال وجدت أنها كانت تذود في جهادها عن حياض الإسلام في دولة مالي، بل وعن الساحل الإفريقي الذي تتدخل فيه القوى الكبرى بشكل لافت.

سيناريوهات العملية العسكرية الفرنسية في مالي -قبل أن يتعرض لها المحللون- حكم عليها التاريخ ذاته، من خلال قراءاته واستدعاء ما شهده؛ إذ إن جميع الحروب التي تقودها الجيوش النظامية ضد الجماعات المسلحة دائمًا ما يكون محكومًا عليها بالفشل، وعدم تحقيق الدوافع من ورائها، فهذه حقيقية تاريخية، وتجارب الدول التي خاضت حروبًا عسكرية تدرك ذلك، غير أنه يبدو أن الاستعلاء صار المهيمن على عالم اليوم بمختلف أشكاله، فلم يستفد من دروس التاريخ، حتى وإن كانت خسائره فيها أرواح جنوده، وهو ما كان محصلته نجاح الماليين في الدفاع عن أرضهم، والذود عن إسلامهم، مقابل فشل الجيش الفرنسي وإخفاقه ضمن إخفاقات الدول الكبرى في استعمارها العصري.


اترك تعليق