الإرهاب.. مفهومه وأنواعه (1-3)

By : أ. د. يوسف القرضاوي

 تعريف الإرهاب والتفريق بينه وبين الجهاد والقتال والعنف

• الإرهاب مصطلح جديد:

(الإرهاب) بمعناه الواسع الشائع اليوم على الألسنة والأقلام: مصطلح جديد دخيل على قاموسنا الإسلامي.

فليس هو من ضمن الجرائم المنصوص على عقوبتها شرعا: وهي: جريمة السرقة، وجريمة الحرابة أو قطع الطريق، وجريمة الزنى، وجريمة القذف، وجريمة شرب الخمر، وجريمة البغي، وجريمة الردَّة، بالإضافة إلى جريمة قتل النفس عمدا، أو الجناية على ما دون النفس من الأعضاء، وهي الجرائم التي شُرعت فيها: العقوبات الشرعية المعروفة باسم (الحدود والقصاص).

• المراد بالإرهاب المذكور في القرآن:

وإن كانت الكلمة (الإرهاب) عربية [1]، وقد وردت في القرآن بصيغة الفعل المضارع في سياق الأمر بإعداد القوة للأعداء في قوله تعالى: {وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ومَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال:60].

والإرهاب المذكور في الآية - والمقصود به تخويف الأعداء حتى لا يطمعوا في المسلمين، ويفكروا في الاعتداء عليهم - لا شكَّ في شرعيته، ولا ينازع فيه أحد، وليس هو المقصود بالكلمة حين تُطلَق اليوم.

وهذا الإرهاب المشروع يعني: إعداد المستطاع من القوة ومن رباط الخيل، ويدخل في ذلك القوة البشرية المدرَّبة، والقوة المادية بإعداد السلاح المتطوِّر، وإعداد المركبات والآليات اللازمة لاستخدام السلاح وتفعيله، وهو ما عبَّر عنه القرآن بـ(رباط الخيل).

وخيل عصرنا هي: الدبَّابات والمصفَّحات وسائر المركبات البرية والبحرية والجوية، فهذه هي التي (تُرْكَب) في عصرنا، ويُقاتَل عليها، والحكم يدور مع عِلَّته وجودا وعدما.

وقد بيَّن القرآن الكريم الهدف من إعداد القوة المستطاعة فقال تعالى: {وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ومَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال:60].

فهذا النصُّ واضح في بيان الغرض من الإعداد: وهو: إرهاب عدو الله وعدونا. فهذا إرهاب مشروع ولا شكَّ. والمقصود بإرهابه: تخويفه أن يفكِّر في حربنا إذا علم أن لدينا من القوة العسكرية ما يقهره ويدحره، فهو يفكِّر ألف مرَّة ومرَّة قبل أن يهاجمنا.

وهذا الإرهاب للعدو يمنعه من الاعتداء علينا، وأما نحن فديننا يمنعنا من الاعتداء عليه بلا سبب. وبهذا يقوم السلام بين الفريقين إذا كان كلٌّ منهما مسلَّحا بسلاح مكافئ للآخر، فإن عاقلا لا يخاطر بجيوشه وقوَّاته في حرب لا أمان لها. وهذا ما يسمُّونه في عصرنا: (السلم المسلَّح).

ولهذا حين امتلك المعسكران المتعاديان - أو المتنافسان على الأقل - الغربي والشرقي كلاهما: الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، لم يفكِّر أحدهما في إعلان الحرب على الآخر، لا أمريكا وحلفاؤها في المعسكر الغربي، ولا روسيا وحلفاؤها في المعسكر الشرقي، واقتصر الفريقان على ما سُمِّي: (الحرب الباردة)، وهي الحرب بغير سلاح.

وكذلك حين ملكت كلتا الجارتين المتخاصمتين: الهند وباكستان السلاح النووي، لم تَعُد الهند تفكِّر في غزو باكستان، كما كانت تحلم من قبل، وغدت كلتا الدولتين تتعامل مع الأخرى بحذر وتعقُّل.

ولكن هذا الإرهاب الذي ذكره القرآن ليس هو المقصود من كلمة (الإرهاب) حين يذكرونها اليوم.

وكلمة (الإرهاب) مشتقَّة من مادة (ر هـ ب) ومعناها: (الخوف)[2] ، وتقابلها كلمتان: إحداهما (رَغَب)، كما في قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} [الأنبياء:90]، ويقال هنا: الترغيب والترهيب.

والكلمة الأخرى: كلمة (أَمْن)، كما في قوله تعالى: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} [النور:55]، {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:4].

وقريب من كلمة الخوف في المعنى: كلمات أخرى مثل (الرَّوع) و(الفَزَع) و(الرُّعْب) ومنها جاءت كلمات: الترويع والتفزيع والإرعاب، فكلُّها من هذا الباب، وإن كانت درجات الخوف فيها تتفاوت، ولعل لفظة (الرعب) تحمل أشدَّ مراتب الخوف. وكلمة (الرعب) قد تكرَّرت في جملة مواضع من القرآن، موصوفة بأن الله تعالى يقذفه أو يلقيه في قلوب المشركين والكفار، كما قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} [آل عمران:151]، وقال تعالى في الحديث عن غزوة بدر: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال:12]، وقال في الحديث عن بني النضير:{فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الحشر:2].

وجاء في الصحيحين، من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في خصائصه: "ونُصِرت بالرعب مسيرة شهر". متفق عليه[3] والمعنى أن الله تعالى يلقي الرعب في قلوب أعدائه ، وهم بعيد عنه مسيرة شهر .

والمؤكَّد: أن الكلمة - بإطلاقها ودلالاتها المعاصرة - مترجمة عن اللغات الغربية، وعنهم انتقل مفهومها إلى لغتنا العربية. وسننقل من كلام الشيخ ابن بَيَّة ما يدل على ذلك ، وإن كانوا إلى اليوم - للأسف - لم يحدِّدوا مفهومها تحديدا قاطعا (جامعا مانعا) يزيل كلَّ لبس، ويمنع أيَّ اشتباه.

فرأينا أمريكا تترك هذا المفهوم الخطير - الذي شنَّت حربا كونية واسعة على أساسه - مائعا رجراجا هلاميا، يتَّسع لكلِّ ما تريد إدخاله ومَن تريد إدخاله فيه. حتى أدخلت فيه الذين يقاومون الغاصبين المحتلِّين، ويدافعون عن أوطانهم ومقدَّساتهم وحرماتهم. كما أدخلت فيه: الذين يتبرَّعون لعمل الخير وكفالة اليتامى، ومساعدة أسر الضحايا والشهداء. حتى أمسى العمل الخيري الإسلامي كلُّه - تقريبا - متَّهما بالإرهاب، أو معاونة الإرهاب والإرهابيين!! وأضحى المسلم يخاف من إخراج زكاته - وهي فريضة وركن من أركان الإسلام - وتوزيعها على مستحقيها، فتتَّخذ ذريعة لاتهامه بتمويل الإرهاب!!

• مفهوم الإرهاب الشائع على الألسنة اليوم:

ومن أعظم الأخطار: أن تُترَك هذه المصطلحات أو المفاهيم الخطيرة: هلامية رجراجة، يفسرها كلُّ فريق بما يحلو له، وبما يخدم أهدافه ومصالحه الخاصة، دون رجوع إلى معيار ثابت مستند إلى أسس مقبولة من جهة المنطق المسلَّم به.

ولنا، بل علينا: أن نتساءل: ما مفهوم (الإرهاب) وما المراد به؟

لقد رأينا أن الإرهاب - في لغة العرب - مصدر أَرْهَب يُرْهِب، بمعنى أَخَافَ غيره وأَفْزَعَه ورَوَّعَه، فهو يعني إذن: نشر الرعب والخوف والذعر بين الناس، وحرمانهم من (الأمن)، الذي هو من أعظم نعم الله على خلقه، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:3،4].

فأشارت الآية الكريمة إلى نعمتين من أعظم النعم، التي تُشبِع حاجتين أساسيتين من حاجات البشر، وهما: الكفاية من العيش، والأمن من الخوف.

وشرُّ ما يبتلى به مجتمع أن يُسلَب هاتين النعمتين، فيصاب بالجوع وبالخوف، كما قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112].

وقد منَّ الله على قريش وأهل مكة بأنه جعل لهم حرما آمنا، يلقى الرجل فيه قاتل أبيه، فلا يمسَّه بسوء، كما قال تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران:97]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص:57]، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67].

وحين ذهب يعقوب عليه السلام وأبناؤه إلى مصر، واستقبلهم عزيزها يوسف بن يعقوب عليهما السلام قال لهم: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف:99].

ولقد كان من خصائص الجنة التي أعدَّها الله لعباده الصالحين في الآخرة: أنها دار (أمان كامل)، ولهذا تقول الملائكة لأهلها: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر:46]، وأهلها: {لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}[يونس:62].

• الإرهاب هو الترويع:

لهذا اعتبر الإسلام سلب أمن الناس العاديين من أعظم الجرائم التي يعاقَب عليها، كما اعتبر كلَّ (ترويع) أو تخويف وتفزيع للناس بأي أمر - ولو كان صغيرا تافها - من الذنوب والآثام التي يحرِّمها الله تعالى، ويعاقِب عليها مَن فعلها.

كما جاء في الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحلُّ لرجل أن يروِّع مسلما"[4].

ولهذا الحديث قصة يجب أن تُذكَر - لما لها من دلالة - فقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير، فخفق رجل على راحلته (أي أخذته سنة من النوم)، فأخذ رجل سهما من كِنانته (أي رغبة في أن يداعبه)، فانتبه الرجل ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلُّ لرجل أن يروِّع مسلما" . ولعل كلمة (الترويع) هنا أدل على المقصود من كلمة (الإرهاب). وإن كان لا مشاحة في الاصطلاح.

برغم أن هذا الترويع والتفزيع كان باعثه المزاح والمداعبة، ورغم أنه لم يترتَّب عليه أذى غير هذه الفزعة أو الروعة، حين شعر الرجل الوسنان بأن أحدا يريد أخذ شيء من كِنانته، فقد حرَّم الرسول هذا الترويع.

وقوله: "لا يحلُّ لمسلم أن يروِّع مسلما": لا يعني أن تحريم الترويع مقصور على المسلم، إنما ورد الحديث بهذه الصيغة، لأنه وقع من مسلم لمسلم، ولكن ترويع الآمنين بصفة عامة لا يجوز، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: "المؤمن مَن أمنه الناس على دمائهم وأموالهم" . فلم يعطِه صفة الإيمان الحقِّ إلا حين يأمن الناس كلُّ الناس - مسلمهم وغير مسلمهم - على حرماتهم وأعراضهم وأموالهم.

• تعريف ابن بَيَّة للإرهاب :

ويسرنا أن نضع هنا زيادة في الإيضاح ما كتبه العلامة الشيخ عبد الله بن بية عن تعريف (الإرهاب) مستفيدا من المصادر الفرنسية ، في كتابه الذي نشره بهذا الاسم .

قال حفظه الله : ( إن الإرهاب Terrorisme الذي أصبح حدث الساعة وحديث القانونيين والساسة ينبغي تعريفه مستقى من نبعه الأصلي ومقتطفًا من منبته الغربي فمصطلح الإرهاب Terrorisme ظهر ١٧٩٨ م في ملحق الأكاديمية الفرنسية لوصف حكومة الثورة الفرنسية التي كانت ترهب الشعب وبخاصة الملكيين باسم الحرية والثورة ، فكان الارهاب وصفًا لنظام حكم إلا أنه منذ اية القرن الثامن عشر أصبح المصطلح يتعلق بعنف صادر عن أفراد أو جماعات خارج القانون.

أول عملية وصفت بالإرهابية في العصور الحديثة كانت محاولة اغتيال نابليون بونابرت ١٨٠٠ م.

ويعرف دوليًا أول مرة من طرف (عصبة الأمم ١٩73م) بأنه عمل إجرامي ، يهدف بطبيعته إلى إثارة الرعب والخوف موجه لأشخاص معينين أو مجموعة من الأشخاص أو للعموم.

يعرفه معجم روبير الصغير الفرنسي بأنه: تيار يتخذ الإجراءات الاستثنائية العنيفة بانتظام للوصول إلى أهداف سياسي.

وهو أيضا مجموعة الأعمال العنيفة: الاعتداء - التدمير.... إلى آخره، التي ينفذها
تنظيم سياسي لتخويف الناس وخلق جو من الرعب.

والإرهابي هو كل عضو في منظمة من هذا النوع.

ويعرفه معجم لاروس الفرنسي بأنه: عبارة عن جملة أعمال العنف التي ترتكبها منظمة من أجل خلق جو من الرعب أو من أجل قلب نظام الحكم.

إن تعريف لاروس على اختصاره يشتمل على عناصر تكوين الجريمة:

١- قيام بأعمال عنيفة فعلا.
٢- أن يكون القائم بها منظمة.
٣- وهذا يتعلق بالهدف وهو أحد أمرين : إما أن يكون لخلق جو من الرعب ونشر الذعر بين الناس ، أو أن يكون الهدف قلب نظام الحكم.

فبينما لا يشترط لاروس أن تكون المنظمة سياسية فإن روبير يشترط ذلك، ويتحدث عن أهداف سياسية وليس بالضرورة قلب نظام الحكم الذي تحدث عنه لاروس، وقلب نظام الحكم هو الذي سماه الفقهاء "خلع الإمام".

وعرفه مؤتمر وزراء الداخلية والعدل العرب حيث ركز على العمل نفسه ليجعله أساسًا لتكييف الجرم بأنه : هو كل أعمال العنف أو التهديد - مهما كان سببها أو هدفها - المنظمة التي تسبب الرعب والفزع للناس وتستهدف الممتلكات العامة أو الخاصة أو الاستيلاء عليها.

إن هذا التطور يجعل الإرهاب حرابة وبخاصة على مذهب مالك الذي لا يشترط أن تكون المحاربة مغالبة لأخذ مال ، فقطع الطريق وتعطيل قدرة الناس على الخروج إلى معايشهم هو من الحرابة لكن مع ذلك لا يمكن إغفال النية السياسية لبعض قضايا الإرهاب فيكون بذلك جريمة بغي وبخاصة عند مالك الذي لا يشترط لجريمة البغي أن يكون الباغي جماعة بل الواحد يكون باغيًا إذا اعتمد طريق العنف في مواجهة ولي الأمر (السلطة الشرعية) وإن الإشكال الذي كان ولا يزال يواجه المسئولين العرب ، والشعور المسلم بصفة عامة هو: كيف يميز بين جريمة الإرهاب وبين أعمال المقاومة الوطنية المشروعة ضد البغي والاحتلال إعما ً لا لمبدأ الدفاع المشروع.

وفي رأيي : أن التغلب على هذه المعضلة يكمن في الإحالة على الشرعية الدولية والأخلاقية ، فالحرب ضد المحتل تزكيها الشرعية الدولية التي تعترف بوجود حقوق مسلوبة يجب أن ترد إلى أصحابها .

فالفلسطيني مثلا يستند إلى مشروعية دولية ، تعترف له بحقوق يجب أن يحصل عليها ، دون أن تعين له وسيلة للحصول عليها ، ودون أن تتولى المنظمة الدولية إيصال الحق إليه .

وانطلاقًا مما تقدم فإني أقترح تغيير مصطلح هذه الجريمة فإن الإرهاب في اللغة - كما يقول الزبيدي - الإزعاج والإخافة ولكنه قد يكون من أمر بسيط كما يكون من أمر عظيم ثم أنه ليس وصفيًا بمعنى أنه لا يصف الأعمال الناشئ عنها الخوف والإزعاج.

كما أقترح صياغة تعريف الجريمة وتوصيفها على ضوء جريمتي الحرابة والبغي والتطور في الفكر القانوني الناشئ عن الممارسة ودمج بعض الجرائم المنظمة الأخرى كترويج المخدرات التي تعتبر حرابة عند الإمام مالك ليكون المصطلح (تخريب) Destruction أي ليكون الارهاب عبارة عن: الأعمال العنيفة التي ترمي إلي التدمير والإفساد وترويع الآمنيين بقتل البرآء وتدمير المنشآت وترويج
المخدرات وكذلك الأعمال العنيفة التي تقوم بها العصابات ضد السلطة الشرعية لخلق جو عام من العصيان يشل النشاط العام ويخوف المدنيين أو لقلب النظام الشرعي القائم.

إن هذا التعريف في رأيي يستجيب للهموم التي يشعر بها المتعاطي مع قضية الأمن ، وينطلق من أرضية الفقه والتر اث والبيئة العقدية للأمة كما أن مصطلح "التخريب" هو مصطلح واضح يفهمه المثقف والعامي على السواء.

وهذه الشريعة المباركة تتسع لوصف كل جرم وتطبيق العقوبة الملائمة وهي بعموماتها وتفاصيلها وتفريعاتها محكماتها ومؤولاتها بالإضافة إلى آراء مختلف المذاهب التي تشكل ثراء وتكاملا وكمالا تكون مصدرًا فقهيًا لا يفنى ومعينًا لا ينضب ولا يذوي ، من قَبِلَ عزائمها بذلت له رخصها ، ومن آمن بوعيدها قدمت له وعدها في ظلال الأمن والأمان ، ذلك ما يجب أن يعيه أبناؤها ليعودوا إلى أحضانها
الحانية ويقتطفوا من قطوفها الدانية )[6] اهـ

وهنا نقول للشيخ الكبير : لا مشاحَّة في الاصطلاح ، ولن نستطيع أن نغير المصطلح الذي اشتهر لدى العالم ، ولكنا نستطيع أن نفسره بما يزيح الغموض عن مفهومه ، الذي ترك هلاميا غير محدد ، وما ذكره الشيخ محاولة للإسهام في ذلك[7] .

------------
هوامش :
[1] وردت الكلمة في القرآن مصدرا وفعلا (رهباً ورهْب ويَرهضب ونحوها) في آيات عدة لا حاجة لسردها.
[2] قال صاحب (تاج العروس): الإرهاب بالكسر: الإزعاج والإخافة، تقول: ويقشعر الإهاب إذا وقع منه الإرهاب. انظر: تاج العروس للزبيدي (1/281)، طبعة دار ليبيا للنشر والتوزيع ببنغازي.
[3] متفق عليه عن جابر ، وقد سبق تخريجه ص475
[4] رواه أحمد في المسند (21986) وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح، وأبو داود في الأدب (4351)، والبيهقي في الكبرى (10/249)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أصحاب النبي وقد تقدم ص 61
[5] رواه أحمد في المسند (8931)، وقال مخرِّجوه: إسناده قوي، والترمذي في الإيمان (2627)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الإيمان وشرائعه (4995)، عن أبي هريرة. وقد تقدم ص 61
[6] انظر : الإرهاب التشخيص والحلول للشيخ عبد الله بن الشيخ بن محفوظ بن بَيَّة ص17-20
[7] انظر : موسوعة "فقه الجهاد" للإمام يوسف القرضاوي، (2/ 1173 - 1181) ط4 سنة 2014م نشر مكتبة وهبة بالقاهرة .
 بين الإرهاب والعنف والجهاد والقتال

• بين الجهاد والقتال :

الجهاد مصدر: جاهد يجاهد جهادا ومجاهدة. ويعني لغة: بذل الجُهد، أي الوسع والطاقة، أو تحمُّل الجَهد، أي المشقَّة. وقد ذُكرت الكلمة في القرآن باشتقاقاتها المختلفة (34) أربعا وثلاثين مرة.

وقد اشتهر بالاستعمال في القتال لنصرة الدين والدفاع عن حرمات الأمة.

ولكن الجهاد - كما جاء في القرآن والسنة – أوسع دائرة وأبعد مدى من القتال، وقد قسَّمه الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) إلى ثلاث عشرة مرتبة.

فهناك جهاد النفس والشيطان، وجهاد الفساد والظلم والمنكر في المجتمع، وجهاد المنافقين، وجهاد الدعوة والبيان، وجهاد الصبر والاحتمال، وما سمَّيناه (الجهاد المدني)، وهناك جهاد الأعداء بالسيف...

أما القتال : فهو الشعبة الأخيرة من شُعَب الجهاد، وهو القتال بالسيف، أي استخدام السلاح في مواجهة الأعداء، وهو مفهوم كلمة (الجهاد) عند الكثيرين. هذا مع أنه مختلف في اشتقاقه وفي معناه اللغوي عن الجهاد.

فهو - من ناحية الاشتقاق - مصدر: قاتل يقاتل، قتالا ومقاتلة.

وهو - من ناحية المعنى - يغاير معنى الجهاد، فإن معنى (قاتل) غير معنى (جاهد)، فالقتال من القتل، والجهاد من الجهد (بفتح الجيم وضمها) .

وقد ذُكرت كلمة (القتال) ومشتقَّاتها في القرآن حوالي (67) سبع وستين مرَّة.

ولا عبرة بالقتال شرعا إلا إذا كان في سبيل الله، وهو قتال المؤمنين، كما أشار إلى ذلك القرآن: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء:76].

وكما جاء في الحديث المتَّفق عليه: "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله" .[1]

وإذا فُرِّغ القتال من هذه الأهداف وتلك الدوافع لم يعد من الجهاد في شيء، مثل ما جاء في صحاح الأحاديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"! قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه" .[2]

"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" .[3]

"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" .[4]

ونستطيع أن نقول بلغة علماء المنطق: بين الجهاد والقتال عموم وخصوص مطلق، فكلُّ قتال جهاد إذا توفرت فيه النية المشروعة، وليس كلُّ جهاد قتالا .

• بين العنف والجهاد :

العنف معناه: الشدَّة والغلظة، ويقابله: الرفق واللين.

ولم ترد الكلمة في القرآن، لا مصدرا، ولا فعلا، ولا صفة.

ولكنها جاءت في الأحاديث النبوية مذمومة محذَّرا منها، كما في حديث: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" .[5]

"إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وإذا أحبَّ الله عبدا أعطاه الرفق، وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير" .[6]

وقد اشتهرت الكلمة في هذه المرحلة من عصرنا، وغدت (مصطلحا) شائعا، وأُلصقت – أكثر ما أُلصقت – بالمسلمين: لأن فئة منهم اتَّخذت العنف طريقا لها للتغيير في الداخل، ولمقاومة ما تسميه الاستكبار أو العدوان من الخارج. ولكن هذه الفئة لا تمثِّل جمهور المسلمين، بل هم ينكرون عليها أعمالها، التي تجسد العنف، في الداخل والخارج.

وأعجب من ذلك: اتهام الإسلام بأن تعاليمه نفسها تفرز العنف، لأنه يأمر بالجهاد في سبيل الله، بل إن العقيدة الإسلامية نفسها تعلِّم الناس العنف، لأن (الله) عند المسلمين إله (جبَّار) (متكبِّر) (منتقم)، وليس إله محبَّة ورحمة مثل إله اليهود والنصارى!!

وقد رددنا هذه الدعوى الكاذبة ردًّا علميا موثَّقا في كتابنا الموجز (الإسلام والعنف)[7] ، وأثبتنا أن اسم الجبَّار المتكبِّر، لم يرد في القرآن إلا مرَّة واحدة في سورة الحشر، ولا ريب أنه جبَّار ومتكبِّر على الجبابرة الطغاة، والمستكبرين في الأرض بغير الحق ، وأنه يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

أما الأسماء التي تكرَّرت لله تعالى في القرآن، فهي الرحمن الرحيم، التي افتتحت بها كل سور القرآن ما عدا سورة التوبة (113 سورة). وهو أيضا: {أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف:151]، {خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:109]، ومَنْ رحمتُه وسعت كلَّ شيء. بل عنوان رسالة محمد هو الرحمة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107].

ومحمد صلى الله عليه وسلم وصف نفسه فقال: "إنما أنا رحمة مهداة" [8]، وقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [9].

وذمَّ القرآن القسوة وأهلها، وقال عن بني إسرائيل: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74]، وجعل القسوة عقوبة لهم على خطاياهم: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة:13].

أما الجهاد فإنما أوجبه الله لمقاومة عدوان المعتدين على دين المسلمين أو أنفسهم أو أرضهم أو أموالهم، وتأمين حرية الدعوة ومنع الاضطهاد في الدين: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة:193] [10].

فالعنف يعني : استخدام القوة المادية ضد الخصوم ، وإن كان يمكن استخدام الحجة العقلية أو العمل السلمي بدلها ، سواء وقع ذلك من الدولة ضد الافراد ، أم من الأفراد ضد الدولة .

أما إذا كان استخدام القوة ضرورة لا مفر منها فلا يدخل ذلك في باب العنف ، كما إذا اضطر المعتدى عليه أن يرد على العدوان بمثله ، فلا حرج عليه ، كما قال تعالى : " وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ " [الشورى :41، 42]

• بين العنف والإرهاب :

و(الإرهاب) يشترك مع (العنف) في استخدام القوة في غير محلها ، لكنه يفترق عنه - فيما أرى - أن الإرهاب قد يستخدم القوة مع من ليس بينه وبينهم مشكلة أو خصومة من قبل ، بل يستخدم العنف معهم - ولا ذنب لهم - ليرهب غيرهم ، ويطلب منهم مطالب ، إن لم يستجيبوا لها صبَّ جام غضبه ونقمته على هؤلاء ، الذين لا ناقة لهم في الخصومة ولا جمل .

ويدخل في ذلك: خطف الطائرات، فركاب الطائرة المخطوفة ليس بينهم وبين الخاطفين أية مشكلة ، فهم لا يعرفونهم ، ولا علاقة لهم بهم ، ولكن أوقعهم القدر - أو كما يقولون : سوء الحظ - في أيدي هؤلاء .

ومن ذلك الذين يخطفون الرهائن في الفلبين أو غيرها من جماعة أبو سياف أو أمثالها ، ممن يحجزون عندهم ولا يفرج عنهم حتى تحقق لهم مطالب معينة .

ومثل هؤلاء السياح الذين يقتلون ولا ذنب لهم ، ولا يعرفهم قاتلوهم ، ولكن ليحققوا هدفا لمن قتلهم ، مثل إظهار الحكومة بمظهر العاجز عن حماية الأجانب ، أو لضرب السياحة نفسها ، للتأثير في اقتصاد الدولة ، أو غير ذلك .

فهذا مما أراه من الفروق الجوهرية بين العنف والإرهاب .[11]

------------
هوامش :
[1] متفق عليه من حديث أبي موسى ،
[2] متفق عليه من حديث أبي بكرة ،
[3] متفق عليه من حديث ابن مسعود ،
[4] متفق عليه من حديث ابن عمر وجرير بن عبد الله ،
[5] رواه مسلم في البر والصلة (2593)، وابن ماجه في الأدب (3689)، عن عائشة.
[6] رواه الطبراني في الكبير (2/306)، عن جرير بن عبد الله، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله ثقات(8/41)، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب (2666)، ونصه: "ما لا يعطي على الخرق".
[7] نشرته دار الشروق بالقاهرة، وفيه نظرات تأصيلية لموقف الإسلام من العنف.
[8] رواه الحاكم عن أبي هرير.
[9] رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو.
[10] انظر : موسوعة "فقه الجهاد" للإمام يوسف القرضاوي، (1/ 55- 56 ، 59 - 60) ط4 سنة 2014م نشر مكتبة وهبة بالقاهرة .
[11] انظر : موسوعة "فقه الجهاد" للإمام يوسف القرضاوي، (2/ 1181) ط4 سنة 2014م نشر مكتبة وهبة بالقاهرة .

 أنواع الإرهاب (1 من 4)

• الإرهاب أنواع ومراتب:

والإرهاب - بمعنى الإخافة والترويع - أنواع متعدِّدة، ومراتب متفاوتة. منها ما هو متَّفق عليه ومنها ما هو مختَلف فيه، نحاول أن نلقي هنا شعاعا عليها.

• ( 1 ) الإرهاب المدني:

من الإرهاب المتَّفق عليه، والذي لا يكاد يخالف فيه أحد، وتحاربه كلُّ الشرائع والقوانين: الإرهاب المدني.

وهو الإرهاب الذي يهدِّد حياة الناس المدنية والاجتماعية بواسطة العصابات الإجرامية، وهو الذي يقوم به قطَّاع الطرق ومَن على شاكلتهم، ينهبون الأموال، ويسفكون الدماء، ويتحكَّمون في رقاب الناس وممتلكاتهم بقوة السلاح.

وهذه الجريمة التي تقوم بها (جماعات مسلحة) ذات سطوة، هي التي سمَّاها نفسها الإسلام: جريمة (الحِرابة) أو (قطع الطريق) أو (السرقة الكبرى)، تمييزا لها عن (السرقة الصغرى) وهي السرقة العادية.

وقد ندَّد القرآن الكريم بهذه الجريمة الكبرى، وشرع في عقوبتها حدًّا من أشدِّ الحدود، وأقساها - في نظر بعض الناس - ليردع مرتكبيها عن جريمتهم ويزجر غيرهم أن يفعل فعلتهم. قال تعالى في سورة المائدة وهي من أواخر ما نزل من القرآن: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:33،34].

فانظر إلى هذه العقوبات الهائلة: التقتيل، أو التصليب، أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، لهؤلاء المجرمين، لأنهم أخافوا السبيل، وأضاعوا أمن الناس، واعتبرهم القرآن بهذا (محاربين لله ورسوله). كما اعتبرهم ساعين في الأرض فسادا، لأن الأرض لا تصلح ولا تعمر إلا بالأمن.

وقد اختلف فقهاء المسلمين في العقوبات الأربع المذكورة، والتي استعملت بينها كلمة (أو) هل هي للتخيير أو للتنويع؟

ولا مجال لتفصيل هذا هنا، فمجاله علم الفقه، وتفسير آيات الأحكام.
المهم أن الإسلام شدَّد في العقوبة هنا، لشدَّة خطر الجريمة على أمن الناس، الذين لا تطيب حياتهم، ولا تستقرُّ بدونه.

بل إن الإسلام شرع حدَّ (قطع اليد) في السرقة الصغرى، أعني السرقة العادية، ولم يشرع ذلك في غصب أموال الناس ونهبها علنا، مع أن هذا من أعظم الذنوب وأكبرها عند الله تعالى، ومع هذا اكتفى الشرع بالتعزير فيه، ولم يشرع فيه حدًّا كالسرقة، لأن السرقة تتمُّ خفية، وربما كان الناس نائمين في دورهم وبين أهليهم وأولادهم، فهي تهدِّد الناس في أمنهم، إضافة إلى تهديدهم في أموالهم وممتلكاتهم، بخلاف الغصب فإنه يتمُّ جهارا نهارا، فهو يهدِّد الناس في أموالهم أكثر مما يهدِّدهم في أمنهم.

• ( 2 ) إرهاب الاستعمار:

ومن أبرز أنواع الإرهاب التي شهدها العالم، ولا يزال يشهدها إلى اليوم: (إرهاب الاستعمار).

ونعني بإرهاب الاستعمار: أن تحاول دولة حكم دولة أخرى عن طريق القوة الغاشمة، التي تحتلُّ أرضها، وتقهر شعبها، وتتحكَّم في مصيرها. وبطبيعة الحال نجد الدولة التي تُغزَى من الاستعمار تقاوم بما تقدر عليه من وسائل محدودة، فتبطش بها القوة المستعمرة، المستعلية بقوتها المادية، وتضربها بيد من حديد، ولا تبالي بما تزهق من أرواح، أو بما تدمِّر من ممتلكات، أو بما تهتك من حرمات، لتجبر أهل البلاد الأصليين على الإذعان والتسليم.

وكثيرا ما يكون هذا الاستعمار (استيطانيا)، كما كان الاستعمار الفرنسي في الجزائر لقرن وثلث من الزمان. وربما كان (إحلاليا) أي يريد أن يحلَّ محلَّ السكان الأصليين، فيجعل من خطته أن يبيدهم، ولو بالتدريج، ويستأصل شأفتهم بكلِّ ما يستطيع.

وهذا ما فعله الاستعمار الغربي حينما ذهب إلى أمريكا الشمالية، وكان أول ما عمله محاولة (إبادة الهنود الحمر) السكان الأصليين! واستخدم في ذلك وسائل غير أخلاقية.

وكذلك فعل حينما دخل استراليا، وعمل على إبادة أهلها الأصليين، بلا رحمة ولا هوادة.

وكذلك فعل اليهود الصهاينة، حين أرادوا أن يقيموا دولتهم في فلسطين قائلين: أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض! وهي مقولة كاذبة بلا ريب، فإن فلسطين ليست بلدا بلا شعب، حتى تستقبل شعبا بلا بلد، بل فيها شعبها الفلسطيني منذ ألوف السنين [1].

------------
هوامش :
[1] انظر : موسوعة "فقه الجهاد" للإمام يوسف القرضاوي، (2/ 1182- 1184) ط4 سنة 2014م نشر مكتبة وهبة بالقاهرة .


اترك تعليق