عمارة لموقعنا: الانقلاب استباح كل القيم الإنسانية والدينية في مصر

By :

 

قال المفكر الإسلامي عضوم مجلس الأمناء في الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور محمد عمارة: ما حدث في مصر عقب الانقلاب الدموي على الشرعية والدستور وعزل الرئيس محمد مرسي؛ يؤكد أننا أمام واقع بائس، لا تستطيع الكلمات أن تعبر عن الجريمة التي تُرتكب على أرض الواقع في مصر الآن، فما يحدث بعد الانقلاب من استباحة للإنسانية والقيم الخلقية والضوابط والأحكام الدينية لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر.

وأضاف الدكتور عمارة في حديث لموقعنا: إن العلاقة بين تركيا ومصر تلعب دورًا حيويًّا في نهضة الشرق مرة أخرى. واعتبر أن الأحداث الأخيرة من انقلاب عسكري في مصر مستهدف بها تركيا مع كل دول الربيع العربي.وإليكم نص الحوار:

كيف ترى إطاحة الجيش المصري بالرئيس محمد مرسي؟

ثورة 25 يناير 2011م -التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك- كان إنجازها الأول هو التحول الديمقراطي، ومنذ قيام ثورة 25 يناير وهي تسلك طريق الاحتكام إلى صندوق الاقتراع وإلى الديمقراطية؛ فعلت ذلك خمس مرات والإسلاميون فازوا فيها جميعًا، لذلك أنا أعتبر أن "الانقلاب" الذي حدث أخيرًا مخطط له منذ مارس 2011م (موعد أول استفتاء على تعديلات دستورية عقب الثورة)، عقب قيام ثورة 25 يناير؛ لأن الغرب وأمريكا والصهيونية على وجه التحديد، أولاً يريدون إظهار أن إسرائيل الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق، فإذا كانت الديمقراطية ستأتي بالإسلاميين فهم يريدون قطع الطريق على هذه الديمقراطية، صنعوا ذلك في الجزائر سنة 1992م، ومع حركة حماس في غزة عندما جاءوا بالديمقراطية.

وعندما استُفتِيَ الشعب على التعديلات الدستورية في مارس 2011م وجاء تفوق الإسلاميين 77٪، ثم في انتخابات مجلس الشعب، ثم في انتخابات مجلس الشورى، ثم في انتخابات رئاسة الجمهورية، ثم في الاستفتاء على الدستور الذي حاز 64٪ أعلى نسبة من أي دستور في العالم، وكان قبل ذلك الدستور الإيطالي 71٪، والدستور المصري الذي صنعناه سنة 2012م حاز أعلى نسبة في العالم، إذن أرادوا إيجاد البديل، والتخطيط للانقلاب بدأ مع حقيقة أن الديمقراطية والتحول الديمقراطي ستأتي بسلمية، والبديل الذي راهنوا عليه هو العسكر هو الجيش.

وما تعليقكم على فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة بالقوة، وما جرى في مسجد الفتح برمسيس؟

نحن أمام واقع بائس في مصر، لا تستطيع الكلمات أن تعبر عن الجريمة التي ترتكب على أرض الواقع في مصر الآن، فما يحدث بعد الانقلاب من استباحة للإنسانية والقيم الخلقية والضوابط والأحكام الدينية لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر، بل أَنظر في تاريخ البشرية فلا أجد نظيرًا للمستوى البائس الذي تعيشه مصر هذه الأيام. حرق المساجد، وقتل السجد والركع، والإهانة والمهانة التي تحدث للمقدسات، والدماء التي تسيل رخيصة ودون أدنى شعور إنساني، كل هذه الأمور تحدث بمصر واقعًا مصورًا ومنظورًا ومكتوبًا دون أدنى إحساس عند ضمائر الذين قاموا بالانقلاب. العالم ينظر ويتفرج عليه ولا يتخذ موقفًا واقعيًّا وحقيقيًّا إزاء ما يحدث بالبلاد. ولابد أن نرابط ونصبر ونصابر لنكسر هذه الموجة اللاإنسانية واللاأخلاقية التي تتعرض لها بلادنا بعد هذا الانقلاب.

هل ترى أن الإخوان المسلمين بمصر يستطيعون مواجهة الأزمة السياسية الحالية؟

نعم، هذا الصمود في الميادين والمظاهرات فاق كل الموازين، فهم كانوا يريدون القضاء بشكل سريع واستئصال الحركة الإسلامية، لكن هذا الحشد في كل المحافظات وكل الميادين أثبت أن هناك حضورًا إسلاميًّا.

وأنا أقول: إن الإعلام المموَّل من الخارج ومن رجال الأعمال في الحزب الوطني الديمقراطي المنحل؛ قد نجحوا في تشويه صورة الحركة الإسلامية، التي كان يُنظر لها في البداية على أنها مظلومة، فحولها الإعلام إلى ظالمة.

والآن تعتدل الكفة، ويحدث نوع من رد الاعتبار للحركة الإسلامية، فكثيرون ممن ينزلون في ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر وفى كثير من الميادين ليسوا إسلاميين بالمعنى التنظيمي، إذن بدأ تغير المواقف.

أيضًا هناك عامل -وهو هام- هو أننا نراهن على فشل هذه الإدارة الجديدة؛ لأن هؤلاء من بقايا النظام السابق، وحكموا عشرات السنين فلم يفلحوا، ولن يفلحوا الآن أيضًا، وهناك رموز المعارضة التي كانت تسمى "جبهة الإنقاذ" لا وجود لهم في الشارع، ليس لهم تأييد.

ما توقعاتك لنهاية الأزمة الحالية بمصر؟

أتوقع أنه بمزيد من الضغط والصمود ستكون هناك حلول وسط، ومن تلك الحلول: المبادرة التي تقدمنا بها أنا، والدكتور محمد سليم العوا الفقيه القانوني، وطارق البشري الفقيه الدستوري، والتي تنص على الاحتكام إلى الشرعية الدستورية؛ لأن الدستور هو الضامن للحريات.

وهذا الدستور (الذي أُقِر في عام 2012م) يوفر أعلى ضمانات للحريات بين الدساتير العالمية، ومن خلال الشرعية الدستورية يمكن لرئيس الجمهورية الشرعي أن يُفوِّض سلطاته إلى حكومة تُجري انتخابات برلمانية ورئاسية، هذه المبادرة أتصور أنها هي التي تقدم حلولاً متوازنة.

هل تتوقع أن تُقبل هذه المبادرة؟

أتوقع أن الضغط الشعبي والاعتصامات هي التي ستُعدل المواقف، والآن يوجد اهتزاز وتراجع في الإدارة الجديدة.

كيف تُقيِّم العلاقات المصرية التركية حاليًّا؟

نحن منذ سنوات نعتبر أن اتجاه تركيا نحو الشرق ونحو تاريخها الإسلامي ومحيطها العربي والإسلامي هو تحول إستراتيجي في المنطقة، وهذا التحول تدعمه العلاقة بين مصر وتركيا. وتركيا بلد له وضع تاريخي وحالي مهم، ومصر لها وضع في المنطقة العربية والمنطقة الإسلامية، فالعلاقة بين مصر وتركيا تدعم هذا التحول الإستراتيجي، حتى فيما يتعلق بالمشروع الإيراني أو المشروع الشيعي. والعلاقة بين تركيا ومصر تلعب دورًا حيويًّا في التغير في نهضة الشرق مرة أخرى، وبالتالي الأحداث الأخيرة مستهدف بها تركيا مع كل دول الربيع العربي.

كيف ترى موقف أمريكا مما حدث في مصر؟

بالنسبة للأمريكان هم الآن يُعيدون النظر؛ لأنهم تصوروا أن كل شيء سينتهي بسرعة، لكن النزول إلى الشارع والميادين جعلهم يعيدون النظر، وأيضًا الشهداء والضحايا الذين سقطوا جعلوا القتل والدماء خطًّا أحمر، وجعل العالم كله يحذر من هذا، فالاتحاد الأوروبي والأمريكان كل هؤلاء في اتجاه وقف العنف ولابد من حلول وسط.

أتوقع أنه بمزيد من الضغط والصمود ستكون هناك حلول وسط، ومنها المبادرة التي تقدمنا بها أنا والعوا والبشري.

هل يوجد فرق بين الحلول الأمريكية والأوروبية للأزمة بمصر؟

الأمريكان أَسرَى للقرار الصهيوني؛ لأنه القرار المؤثِّر في واشنطن، لكن الصمود في الشارع يجبرهم جميعًا على تغيير المواقف. أما الأوروبيون فيهتمون بموضوع حقوق الإنسان أكثر لكن ليس لهم تأثيرات كبيرة؛ لأن من يملك تأثيرًا على الجيش بمصر هم الأمريكان.

إذا تم إطلاق سراح الرئيس المعزول محمد مرسي؛ كيف سيكون تأثير ذلك على الأزمة؟

ليس فقط إطلاق سراح مرسي، بل يجب إطلاق سراح الجميع؛ لكي تعود الشرعية، ثم يفوِّض مرسي سلطاتِه بناءً على الدستور الذي تنص المادتان 141 و142 منه على أنه يجوز في بعض الظروف أن يفوِّض رئيسُ الجمهورية سلطاتِه لرئيس الوزراء، لذلك فالمبادرة التي قدمناها تستند إلى الدستور، أي أنه يعود العمل بالدستور، ويعود الرئيس المنتخب، وبناءً على مواد من الدستور تسمح له أن يفوض سلطاته إلى حكومة توافقية تُجرى انتخابات نيابية في حدود 60 يومًا، ثم انتخابات رئاسية، ومن يأتي به الاقتراع والصندوق يكون هو الحل.

وبالطبع هذه المبادرات قابلة للتعديلات، لكن من المهم أن تستند إلى الشرعية الدستورية، وتفتح الطريق إلى الفريق الآخر عبر الانتخابات المبكرة التي كانوا يريدونها.

ألا يوجد مكاسب حدثت نتيجة الأزمة الراهنة بمصر؟

بالطبع لها مكاسب، فرب ضرة نافعة؛ حيث انكشف الوجه القبيح لمن يُسمَّون بالليبراليين؛ لأنه أصبح لدينا ليبراليون يتعلقون بالعسكر، وهؤلاء أعجب ليبراليين في العالم، ولدينا علمانيون يتحالفون مع الكنيسة، وهؤلاء أعجب علمانيين في العالم.


اترك تعليق