الشيخ راشد لصحيفة الشرق القطرية نعم قدمنا تنازلات ولسنا نادمين لأننا قدمناها لأبناء وطننا وليس لأعدائنا

By :

في تونس كانت بداية ثورات الربيع العربي عام 2011 وفي عاصمتها الخضراء كانت الشرارة الأولى التي سرعان ما امتدت لتشتعل في عدد من العواصم العربية، لكن المشهد بعد اربع سنوات من الثورات بدا ضبابيا، فيما انقشعت الرؤية في مهد الثورة وباتت الطريق واضحة المعالم.

 

وبذلك نجت تونس من التحارب واستحقت الفوز بجائزة نوبل التي تعتبر بمثابة تقدير من المجتمع الدولي لاعتماد التونسيين نهج الحوار والسلم والديمقراطية.


الحوار مع الغنوشي يكشف الرؤية الثاقبة لزعيم تاريخي في ظرف استثنائي، فهو يتحدث بإسهاب وعمق عن اسباب نجاح التجربة التونسية واخفاق التجارب العربية ويقول: تجربتنا في الحكم بعد الثورة كانت صعبة نظرا للانتقال من الديكتاتورية الى الديمقراطية وفي عام 2013 كاد المركب ينقلب بالتونسيين لولا تراجعنا خطوة الى الوراء. وقد برهنت تونس قدرة القوى الاسلامية والعلمانية على التعايش والتوافق الديمقراطي.


ويميط زعيم حركة النهضة اللثام عن سر تجاوز تونس للمرحلة الانتقالية وذلك عبر نقطتين، اولاهما ان حركة النهضة — كما يقول — رفضت اي قانون للاقصاء برغم اننا كنا الاغلبية في البرلمان وكنا قادرين على سن القوانين ورفضنا وصف كل من اشتغل في عهد بائد بانه مجرم؛ لان الاقصاء يدفع اي مجموعة للعنف والاستغلال الاجنبي. ولو اقر قانون حظر العمل السياسي لمن عملوا مع بن علي لدخلت تونس في منعرج خطير.


أما النقطة الثانية لنجاح تونس، فهي ان المراحل الانتقالية لا يصلح فيها الانفراد بالحكم حتى لو جاء عبر صناديق الاقتراع، مشيرا الى ان الائتلاف الرباعي الحاكم يضمن مصلحة البلد والجميع يدرك عدم قدرته على الانفراد بالحكم.


وعلى هذا الاساس نجحت تونس وسقطت ثورات الربيع العربي خلال مرورها بالجسر الانتقالي من الديكتاتورية الى الديمقراطية، حيث الاقصاء والسعي للانفراد بالحكم مما جعلها تنتهي بما لا تحمد عقباه. لكن زعيم حركة النهضة يجزم بأن كل المجتمعات العربية سائرة نحو الحرية والديمقراطية لكن بأوقات مختلفة وبأثمان مختلفة وبدون تراجع. فالعالم العربي بدأ تاريخا جديدا عام 2011 ولن يتوقف.


وفي قراءاته للساحات العربية يقول الغنوشي، إنه لامستقبل للديكتاتورية ولنظام الاسد في الوطن العربي، فالديمقراطية جالت العالم كله وبقي العالم العربي ثقبا اسود، لكنه يعترف بأن بعض الدول الكبرى تخشى من نجاح الديمقراطية في العالم العربي.اما في الملف المصري، فانه يكشف عن دعوة وجهها لمصالحة شاملة في مصر لا تستثني احدا. لانه مهما طال الزمن سيبقى هناك جيش مصري واخوان واقباط، فلماذا نضيع الوقت، وبذلك يكون مستقبل مصر مرتبطا بمدى قدرة النخب المصرية على الحكمة والتوافق.


وبخصوص الإرهاب، فان الغنوشي يرى ان هذه الظاهرة لم تكن من بنات الثورة انما ميراث من الديكتاتورية، مؤكدا ان مواجهة ظاهرة الارهاب تحتاج الى تعزيز الوحدة الوطنية، مشيرا الى ان القضاء على الارهاب لا يمكن تحقيقه بدون معالجة قضية فلسطين وانهاء الاحتلال الاسرائيلي.


زعيم حركة النهضة وعضو مجلس الأمناء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قال الكثير في حواره الشامل مع الشرق وهذا نصه:


* فوز الرباعية بجائزة نوبل للسلام.. هل يعني ذلك أنه مؤشر على ظاهرة صحية أن لغة الحوار والديمقراطية هي السائدة في تونس وستظل كذلك بعد مرور خمس سنوات على ثورتها؟

 

بداية أحيي أهلنا في الشقيقة قطر أميرا وحكومة وشعبا على وقوفهم الثابت مع قضايا الأمة الكبرى وندعو لهم بالتوفيق والسداد.


كما نشكركم على التهنئة بفوز الشعب التونسي لأول مرة في تاريخه بهذه الجائزة الكبرى، وهذا التقدير الكبير المتمثل في جائزة "نوبل للسلام"، والسلام كما تعلمون مقصد من مقاصد الإسلام قال تعالى (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) و(الصلح خير)؛ فالإسلام كما يتشوف للحرية يتشوف أن تدار معارك الحرية في سلم، وبالوسائل السلمية وليس بالوسائل الحربية.


تعلمون أنه في سنة 2011 انطلقت جملة من الثورات في العالم العربي، هذه الثورات انتهت في "غير التجربة التونسية" بما لا يحمد عقباه، وحتى الآن وصلت لتحارب أهلي وإلى انقلابات.


تونس نجت بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بانتهاجها والتزامها بالنهج السلمي في إدارة الصراعات وإدارة الخلافات السياسية رغم أنها حادة في تونس وليست بسيطة، لكنها ظلت تدار بالوسائل السلمية، وحتى الآن يعتبر الانتقال الديمقراطي التونسي استثناءً في الربيع العربي، وهذه الجائزة هي نوع من التقدير لهذا النهج في اعتماد الحوار بدلا من التقاتل، واعتماد التوافق بديلا عن الصراع، هذا التوافق ربما يصل إلى حد تقديم التنازلات، وحركة النهضة في تونس هي التي قدمت تنازلات أكبر في الحقيقة لتحقيق هذا الاستثناء، لأنها تنازلت عن أحب شيء في نفوس البشر.. وهو السلطة، وقد تنازلت عن سلطة محقة بالانتخابات وليست مهربة أو مسروقة.


تنازلت حركة النهضة عن السلطة من أجل السلم، ومن أجل أن يسود، لأن البلد كان مهدداً لاسيما بعد الذي حصل في مصر، فتونس كانت مهددة بحالة مماثلة، وصراعات مشابهة، قد تؤدي إلى انقلابات، فانسحاب النهضة من السلطة يومئذ وتقديمها للتنازلات الكبيرة ودخول البلد في حوار وطني تحت إشراف مؤسسات المجتمع المدني، أفضى إلى دستور توافقي، وليس دستورًا يقوم على المغالبة وإنما على التوافق، تم توقيعه بنسبة فاقت 94% من كل الأطراف، وأفضى إلى تنظيم انتخابات شارك فيها الجميع واعترف الكل بنتائجها، وكان في مقدمة المعترفين حركة النهضة، هذا الاعتراف كان "قيمة" باعتبار الحركة المنافس الرئيسي، لأن اعترافها بالنتائج رغم أنها لم تكن في صالحها مثّل خطوة جيدة لتحقيق وترسيخ السلم في البلد.


فإذن هذه الجائزة هي نوع من تقدير المجتمع الدولي، لاعتماد التونسيين لنهج الحوار، ونهج السلم والديمقراطية، فهي رسالة تشجيع في الحقيقة لهذا النهج وتعزيز لنهج التوافق بين القوى المتنابذة، وخاصة بين القوى الإسلامية والعلمانية، هذان التياران اللذان تصارعا خلال النصف قرن الأخير في العالم العربي، وقد برهنت تونس أن التيارين قادران على أن يتعايشا وأن يشتركا ويتوافقا على إقامة حكم ديمقراطي مشترك.


الإسلاميون والعلمانيون.. التوافق والشراكة


نادراً ما نجد توافقا وشراكة بين التيار العلماني والإسلامي.. فكيف استطعتم تحقيق هذا التوافق وهذه الشراكة الفعلية وليست الوهمية؟


 من يتتبع فكر الحركة الإسلامية في تونس منذ عام 81، يوم أن أعلنت عن نفسها حزباً سياسيا يدرك أن هذا المسلك ليس مفاجئاً ولا صادماً، وإنما هو النهج الذي أسست له الحركة تأسيساً فكرياً بتأكيدها على التوافق بين الإسلام والديمقراطية، وعلى مبدأ التعددية في الإسلام لأن الدولة الإسلامية التي ننشدها هي دولة مدنية يعترف فيها بكل الحقوق للجميع بالتساوي بغض النظر عن عقائدهم، ويُعترف فيها للنساء بحقوقهن وللأقليات أيضا، وهذا النهج أسسنا له منذ أكثر من ربع قرن وعقدنا عدة مواثيق مع مختلف الأطراف في منتصف 2005، وكان هنالك توافق بين جميع أحزاب المعارضة بما فيها الشيوعية والإسلامية على إقامة نظام ديمقراطي في تونس، يُعترف فيه للجميع بنفس الحقوق بما في ذلك التداول السلمي للسلطة، وبالتالي نحن لم نجد صعوبة أو أي عائق فكري في تحقيق حكم ثلاثي يسمونه هنا "الترويكا" بعد الثورة، وبعد ذلك توافق بين أربعة أحزاب بما فيها الحزب الذي ينظر إليه أنه امتداد للعهد السابق، وهذا ناتج على أننا رفضنا أي قانون للإقصاء، رغم أننا كنا الأغلبية في البرلمان وكنا قادرين على سنّ القوانين التي تقصي غيرنا، مثل أنصار العهد القديم، وقلنا إن الجريمة فردية، لذا فلا يصح أن نضع جميع من اشترك في العهد السابق في "كيس" واحد ونسميه جرائم وفسادا، وإنما اعتبرناه حالات فردية، من تعلقت به جريمة فيحاسب، أما الباقي فهم مواطنون أفسحنا لهم المجال أن يشتركوا معنا في صناعة الحياة الحديثة وصناعة الدستور الجديد واعتبرنا أن كل من دخل تحت خيمة الدستور فهو مواطن صالح وآمن.


تنازلات الحركة


 لكن هناك من أنصار الحركة من اتهمكم بأنكم قدمتم تنازلات كثيرة، خصوصا في الفترة الأخيرة من دون أن يكون هناك مبرر أو مقابل.. هل بالفعل قدمتم تنازلات من أجل إرضاء التيار الآخر؟


 نعم نحن قدمنا تنازلات ولسنا نادمين على ذلك بل فخورون بها، لأننا لم نقدم تنازلات لأعداء بلادنا، بل قدمناها لأبناء وطننا، وللسلم الوطني، حتى يسود السلم في وطننا وننأى بوطننا عن التحارب وهو أشد الأخطار التي يُمنى بها أي وطن، وأن يصبح أهل بدر يداً واحدة على من سواهم، ولكي لا نصبح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كـ"الحالقة" التي تحلق الدين، أو بما يسمى بالمصطلح الإسلامي "الفتنة "، ونحن نأينا بوطننا عن الفتنة وكل تنازل يُقدم من أجل ذلك فهو خير وبركة.
والآن الشعب التونسي تقديره للحركة تقدير كبير وينظر للنهضة باعتبارها أنقذت البلد أو كان لها الإسهام الأكبر في إنقاذ البلد وصناعة الاستثناء التونسي حيث جاءت هذه الجائزة تكريما وتقديراً لهذا الدور وتشجيعا عليه.


تحالف النداء


مر أكثر من 6 أشهر على التحالف مع حزب "نداء تونس" كيف تقيّمون هذه الفترة.. وهل هناك اتفاق على مجمل قضايا الوطن أو هناك نوع من التباين؟


 لا شك أن هناك تباينا واختلافات وهنالك أيضا توافقات، فنحن لسنا حزباً واحداً بل أربعة أحزاب، ولكنها مؤتلفة حول مشتركات، ولدينا هيئة تنسيقية تجتمع أسبوعيا للتنسيق، كي نذهب للبرلمان ومجلس الوزراء برأي واحد، وهذه الهيئة التنسيقية يمثل فيها زعماء هذه الأحزاب المؤتلفة من أجل تحقيق التوافقات باستمرار وتجاوز مواطن الخلاف والبحث عن مواطن الاتفاق والالتقاء.


وهل نستطيع الآن القول إنه لا خوف على الائتلاف من التفكك؟


نتمنى ألا يحدث ذلك لأن هذا الائتلاف هو مصلحة البلد، وهناك إدراك من الجميع بعدم قدرة أحد على أن يحكم وحده، والشعب التونسي لم يعطِ أحدًا الحق بالحكم منفرداً، وإنما وزع الأصوات على أكثر من جهة حتى لا يعود إلى نظام حكم الفرد الواحد ولو عن طريق الانتخاب، وحتى لا يقال إننا أخرجنا الديكتاتورية من الباب ورجعت مرة أخرى من النافذة.


 لكن كنتم في الفترة الماضية تحكمون بأغلبيتكم؟


لا.. لم نكن الأغلبية بل كان هناك حزبان كبيران يحكمان معنا فالرئيس كان من حزب، ورئيس الوزراء من حزب، ورئيس البرلمان من حزب آخر، وهذه المناصب السيادية لم تنفرد بها النهضة.
 

وكيف كانت تجربتكم بعد الثورة مباشرة وقد تصدرت حركة النهضة المشهد.. وخاصة أن هذه التجربة ظهرت بعد سنوات من القمع والاستبداد؟


 كانت تجربة صعبة جداً وعصيبة لأن العملية الانتقالية ليست يسيرة، فأن تنتقل من حكم فردي مركزي ديكتاتوري، إلى حكم متعدد فجأة ومباشرة بعد أن حلت أجهزة القمع مثل أمن الدولة وتحرر الإعلام وحق التظاهر، والعودة للانتظام الطوعي بعد أن كان قسرياً، أعتقد أنها لم تكن عملية سهلة، فالانتظام كان قائما في تونس تحت تأثير الرعب والبوليس السياسي.


أما الآن فإنه مطلوب من التونسيين أن ينتظموا دون إكراه ودون قمع أو رعب، هذه العملية ليست يسيرة وثورات الربيع العربي سقطت من خلال مرورها بالجسر الانتقالي، جسر الانتقال من الديكتاتورية للديمقراطية.


التونسيون ساروا بقدر من التعثر إلا أنهم واصلوا السير وتحاملوا على أنفسهم كي يحلوا مشكلاتهم بالحوار لا بالسلاح، رغم أن المرحلة لم تكن سهلة وكادت المركبة أن تنقلب بنا خاصة عام 2013 لولا أن حركة النهضة آثرت الانسحاب، وأن تخطو خطوة للوراء كي تحافظ على السير، لأن تونس كانت معرضة لسيناريو شبيه لما حدث في تجارب أخرى.


الثورة.. والحكم التوافقي


 وهل أنتم مع حكم ائتلافي في مصر وليس انفراديا؟


بالتأكيد نحن مع حكم التوافق، لأن الديمقراطية المستقرة تكفي لشرعية الحكم فيها أن تحصل على 50% زائد 1 بينما الديمقراطية الناشئة التي لا تزال في حالة انتقالية لا يكفي فيها حكم الأغلبية، وإنما التوافق، أي بالمصطلح الإسلامي "الإجماع" أو نقترب من الإجماع كي تكون الحكومة مستندة لقاعدة برلمانية لا تقل عن 70 أو 80% وهذا الذي جربناه نحن في 2012 و2013، عندما انقسم المجتمع لحكم ومعارضة كادت المركبة أن تنقلب لذا فقد أدركنا بعد ذلك أن هذا النوع من الحكم لا يصلح للديمقراطية الانتقالية أو الناشئة، عندئذ طورنا الفكر السياسي كي لا يقوم على حكم الأغلبية بل على التوافق.


 تحدثتم عن الديمقراطية وكيف طورتم فكركم للتعامل مع الأوضاع الناشئة بفكر جديد، لكن التجارب الأخرى ربما مصر التي دائما يتم الاستشهاد بها أنها لم تستطع أن تتعامل مع مجريات الأحداث كما حدث في تونس.. هل هذه الدلالات تفرض أهمية وجود فكر متطور للحركات الإسلامية يواكب المرحلة في المجتمعات الناشئة؟


 كما قلت المراحل الانتقالية لا يصلح فيها الانفراد بالحكم حتى لو جاء هذا الحكم عن طريق صناديق الاقتراع، ولا يصلح أن ينفرد تيار ولو عنده أغلبية واسعة، بل نحتاج إلى توافق بين مختلف الأسر التي تحكم وبين مختلف الإسلاميين والعلمانيين، فلا يمكن أن يكون الحكم بيد الإسلاميين فقط أو العلمانيين فقط، نحن لا نحتاج لحزب يملك الأغلبية وإنما أحزاب مؤتلفة.


وقد تكون المراحل الانتقالية متشابهة، لكن هناك اختلافا بين مجتمع وآخر، فهناك مجتمعات طبعها أكثر تعقيدا من مجتمعات أخرى، فالمجتمع المصري وضعه أكثر تعقيداً من التونسي، سواء من جهة دور الجيش في مصر، الذي له سوابق في المشاركة السياسية منذ زمن طويل، وهذا عكس الجيش التونسي الذي لم يكن عنده تجارب في السياسة وكان بعيداً عنها، ولذلك اقتصر دوره في الثورة على الدفاع عن الحدود والمؤسسات والمشاركة في حفظ الأمن ولم يتدخل في السياسة، أيضا المجتمع التونسي أكثر انسجاماً من المجتمعات الأخرى مثل سوريا والعراق وليبيا التي بها أكثر من دين ومذهب، فالمجتمع التونسي أكثر اتساقا عرقاً ولغةً ومذهباً وديناً، فبقدر ما تكون تركيبة المجتمع أعقد بقدر ما تكون تكاليف التغيير أكبر.
 

وأنا شديد القناعة بأن كل المجتمعات العربية سائرة في طريق الحرية والديمقراطية ولكن بسرعات مختلفة وبأثمان وتكاليف مختلفة وبتقديري فإن السير نحو الديمقراطية لن يتم التراجع فيه.


النظام القديم


 أحد أسباب الثورات هو غياب العدالة الاجتماعية وكثرة الظلم والقمع التي تسبب فيها النظام القديم رغم أنكم في مصالحتكم صوّتم على عودة هذه الرموز مجدداً.. هل يعد ذلك تناقضا في مواقفكم؟


 نحن صوتنا ضد المنع، ورفضنا أي قانون لإقصاء مجموعة بالجملة، واعتبرنا هذا غير عادل وغير منصف، لأن الجريمة فردية، وبالتالي لا يصلح أن نقول إن كل من اشتغل في عهد من العهود، كلهم مجرمون، أي نشطب نصف قرن من تاريخنا مثل ما حدث في ليبيا مثلا.


وللأسف فإنك إذا أزحت مجموعة ما من السياسة فإنك بذلك تكون دفعتها للعنف ولاستغلال الأجنبي لها، ففي العراق سن قانون اجتثاث البعث، ما دفع كثيرا من قادة البعث للانضمام لداعش، فلا يمكن إقصاء مجموعة بالجملة إلا إذا أردت أن تدفعها للتطرف، وللحلول القصوى، ونحن كان سيمر عندنا قانون يمنع من اشتغل مع "بن علي" من ممارسة السياسة طيلة عشر سنوات لكنه ولله الحمد رفض.. وإنه لو مر لدخلت تونس في منعرج خطير.


 هل هناك حديث عن عودة بن علي في شكل من أشكال المصالحة؟


 بن علي محكوم عليه بحكم قضائي، وهو متورط في عدة جرائم، وبالتالي ليس وارداً مصالحة مع من أجرم وسفك دماء الشعب التونسي ولكن نحن قلنا إنه من حق كل مواطن تونسي أن يحمل الجواز وهوية البلد، فالقانون التونسي لا يجرد أحدا من هويته، يحاكمه ومن الممكن أن يعدمه لكن لا ينفيه.


شعبية "النهضة"


 أشرتم إلى أن وضع النهضة أفضل من ذي قبل بعد تقديمها تنازلات. برأيك هل إذا أجريت الانتخابات مجددا ستكون النهضة متقدمة عن الانتخابات السابقة؟


 نتمنى ذلك، فنحن يهمنا أن تنجح النهضة وتقديرنا أنه لا غنى اليوم عنها، لأنها باعتراف الجميع الأكثر تنظيما، والحزب الأقدم في البلد والأكثر تماسكاً، وبالتالي ليس من مصلحة أحد أن يخسره.
واللعبة السياسية تجعل طريق الصعود مفتوحا وطريق التراجع مفتوحا أيضا، لكن مع أهمية ألا تتراجع الديمقراطية في البلد، وأن نحافظ على الحريات والدستور.


الحرية.. والسلطة.. والشريعة

* إذاً الحرية مقدمة على وجودكم في السلطة وعلى تطبيق الشريعة؟

نعم بالتأكيد لأن أمن تونس أهم من أمن أي حزب من الأحزاب، ونحن قلنا لمن عابوا علينا أننا خسرنا السلطة، فقلنا لهم خسرنا السلطة وربحنا تونس، وهي أهم من النهضة ومن السلطة، قلنا لمن عابوا علينا خسارة السلطة: خسرنا السلطة لكننا لم نخسر تونس.
تونس والإرهاب


 تطل بين فترة وأخرى ظاهرة الإرهاب والتي يرجعها البعض للتيارات الإسلامية، برأيك ما مرجعيات هذه المجموعات لكي تضرب الأمن وتضرب الاستقرار، وكيف يمكن تلافي هذه الظواهر التي تسيء لتونس في الخارج؟


 للأسف هذه الظاهرة مبعث حيرة وتساؤل من كثير من الباحثين، الذين يرونها ظاهرة غير منطقية في مجتمع الكثير منه منفتح، وتتعايش فيه كل الآراء ومتسامح، وليس فيه صراعات قبيلة أو مذهبية، وأنتج ثورة سلمية، كيف لشبابه أن يلتحق بصراعات وحروب في العالم العربي والإسلامي؟ وهذا سؤال مهم.


هؤلاء الذين يتحيرون أمام هذه الظاهرة يغفلون عن جملة حقائق، منها أن هذه الظاهرة ليست وليدة الثورة وإنما جزء من ميراث الديكتاتورية، فتونس تعرضت مؤسسات الإسلام فيها للقمع والاضطهاد، وبعد الاستقلال تم تعطيل أهم مؤسسة دينية تخرج العلماء وتحفظ المرجعية الوسطية الإسلامية في تونس وهو جامع الزيتونة، فتونس لم تكن بلداً إسلاميا فقط، بل مدرسة من مدارس الإسلام، مثل الأزهر والقرويين بل هي أقدم من الأزهر والقرويين، والتونسيون يعتقدون أنهم هم من أسس الأزهر والقرويين، ومع ذلك هذه الأرضية الخصبة للحركة الإسلامية تم سحقها وقمعها، الأمر الذي جعل نشأة الحركة الإسلامية فيها قدر من التشدد في بداية السبعينيات متأثرة بتيارات خارجية، ولكن مع مرور الوقت تفاعلت مع البيئة التونسية واعتدلت، وأعلنت منذ بداية الثمانينات استعدادها للعمل في إطار القانون، لكن السلطة كان جوابها عليها قاسيا.


ففي غياب النهضة وغياب التيار الإسلامي المعتدل خلال التسعينيات وبدايات القرن الجديد نشأت تيارات متشددة بعد أن أغلقت بواباب ومساحات الحرية، والتي كانت في الأساس ضيقة مع هامش بسيط من الحريات في عهد بورقيبة، أغلقت هذه المساحات وشنت سياسة سميت سياسة الاستئصال وتجفيف الينابيع، ولما قامت الثورة، كان هناك ثلاثة آلاف شاب من هؤلاء الذين تأثروا بفكر التشدد وتيار القاعدة، بل إنهم باشروا بعض الأعمال في عهد بن علي، ففجّروا معبداً تونسياً ودخلوا في صراع مع القوات المسلحة، ولما جاءت الثورة أُطلق سراح هؤلاء باعتبار أن الاحكام التي صدرت عليهم مشكوك فيها، وبالتالي فتحت لهم السجون وخرجوا منها، وانطلقوا إلى المساجد وسيطروا على المئات منها، ونشروا نوعا من الفوضى بعد الثورة. إذاً هذه الظاهرة لم تكن من بنات الثورة وإنما ميراث من مواريث الديكتاتورية. ولمواجهة هذه الظاهرة نحتاج إلى تعزيز الوحدة الوطنية وإلى الاتفاق على مقاربة وطنية للتصدي لظاهرة الإرهاب والتطرف. هذه المقاربة يجب أن تكون شاملة تجمع بين أبعاد يختلط فيها الديني والسياسي والثقافي الاقتصادي، علاوة على المعالجة الأمنية والقضائية.


فلسطين الحل

وكيف يمكن معالجة وإيقاف مثل هذه التحولات والإرث؟


لابد أن نعالج الأصل، فهناك قضية تسمى قضية فلسطين، سيظل هناك شباب عربي يتوق إلى المشاركة في أعمال تحرير فلسطين، فلكي تمنعه من ذلك جفف ينابيع الظلم وامنع الاحتلال، حتى لا تبقى أقطار إسلامية محتلة، لأنه طالما هناك أقطار محتلة ستكون حركات ترفع لواء تحرير هذه الأقطار.


ففي سوريا كانت هناك ثورة سلمية مثل باقي الثورات، قابلها النظام بكل قسوة وعنف، وعندما أراد بعض الفئات أن يرد عليه بنفس أسلوبه وأن يرفع الظلم والجبروت، الأمر الذي أدى لأن يعتبر الشباب العربي معنيا بالانضمام لهذه الفصائل، واختلط الحابل بالنابل، والنضال المشروع بالإجرام، والاندراج في أمميات واستراتيجيات دولية مثل القاعدة وداعش، بدلا من الاستراتيجية المحلية لتحرير شعب من الديكتاتورية، وهذا أيضا سبب من أسباب التطرف ألا وهو الديكتاتورية.


سوريا.. تصفية حسابات


لكن هناك اليوم دول تقاتل في سوريا ليس فقط مجموعات أو أفراد، فروسيا وإيران تدخلتا علنا في سوريا؟


 هذا من ضمن الاختلاط كما قلت وجعل سوريا والعراق وأفغانستان ساحات للصراعات الدولية، وأصبحت هذه الدول محارق للشباب الإسلامي يستقطبون فيها، ونحن ننهى شباب تونس عن الذهاب إلى تلك المحارق.
 

 إذاً أنتم ضد توجه الشباب أياً كان للذهاب إلى تلك الدول؟


 نحن ضد هذا التوجه لأن هذه الساحات أصبحت لحسم صراعات دولية يوظف فيها الكبار الصغار.


الربيع العربي والمستقبل؟


 إذا انتقلنا إلى ثورات الشعوب العربية، هل مازال الربيع العربي ربيعاً رغم وجود شعوب قمعت ووقع على خيارها انقلاب؟ وهل برأيك يمكن أن ترضى هذه الشعوب بالواقع أوهي جولة تأتي بعدها جولات أخرى؟


 ليس الربيع هو الجولة وإنما الديكتاتورية، فلا مستقبل لها في بلادنا، فنظام الأسد وأمثاله لا مستقبل لهم؟ قد يبقى لمدة ولكن أعتقد بألا مستقبل لهذا النوع، فالعالم يتجه للتحرر، برغم أن العالم العربي أصبح ثقباً أسود، فالديمقراطية جالت العالم كله وبقي العالم العربي ثقباً أسود، لأنه قلب العالم والتغيير فيه يتطلب تكاليف كبيرة، نظراً لثرواته، ووجود الكيان الصهيوني به مما يجعله عرضة للتدخلات، لكن هل هذه التدخلات ستحول بين العالم العربي وبين أن يأخذ حظه من الحرية كبقية الشعوب؟ أعتقد لا.. فالذي ينظر لتاريخ الثورات يدرك بجلاء أنها لا تسير في خط صاعد أبداً، وإنما تصعد ثم تعود وهكذا إلى أن تستقر، فالثورة الفرنسية مثلا ظلت قرنًا من الزمان تتخبط من نظام ملكي إلى إمبراطوري، وقُطعت رؤوس الثوار، ولكن في النهاية وجدت طريقها، فالعالم العربي في طريقه إلى الحرية، ولذلك ليس عجباً أن تكون التكاليف باهظة كما يحدث في مصر وسوريا والعراق. فالعالم العربي بدأ في 2011 تاريخا جديدا ولن يتوقف بعد أن تنفست الشعوب الحرية واكتشفوا لذتها، واكتشفوا أنهم قادرون على التحرر من الديكتاتورية، فقد سقط الخوف.


إذاً لن يتراجع؟


لن يتراجع وإن بدا أنه توقف فهذا التوقف لحظي، لكنه سيعود ليستكمل المشوار، والديكتاتوريون مساكين لأنهم يظنون أنهم سيوقفون التاريخ.


 لكن هناك غير الدول التي تدعم هؤلاء الحكام هناك ثورات مضادة داخل دول الثورات؟


نعم فكل ثورة لها ثورة مضادة تدعم من طرف الأنظمة التي تخشى وهج التغيير، وعندنا في تونس تم دعم جهات كثيرة من قبل أنظمة عربية للانقلاب لمنع حركة التغيير، ولكن هذه محاولات عابثة.


الانقلاب في مصر والمصالحة


 فيما يخص الوضع المصري كونها الدولة الكبرى في العالم العربي، كيف ترون المخرج للحالة المصرية وهل هناك من أفق لإيجاد توافق وطني يُخرج مصر من هذا النفق؟


 أنا شخصيا أتمنى ذلك، وأن تسود الحكمة والتعقل داخل النخب المصرية، فهي وحدها القادرة على الخروج من المحرقة، ومن حالة التآكل والتدمير الذاتي، فمصر دولة كبرى ولا قيمة للعرب بدونها، ويبقى مستقبلها مرتبطًا بمدى قدرة النخبة المصرية على التوافق، لأنها مثل كل الأقطار متعددة، ففيها جيش هو فاعل سياسي لا يمكن استبعاده، وفيها أيضا إخوان مسلمون ضاربون في التاريخ ولا يمكن استبعادهم، وهناك أقباط وليبراليون، فبقدر ما يستطيعون التوافق بقدر ما تختصر مصر التكاليف وتوفر أرواح أبنائها.

لكن هل يستطيع طرف خارجي محايد أن يلعب دوراً في تقريب وجهات النظر؟ ثم ألم تكن لكم محاولات شخصية لإيجاد مخرج بين النظام والإخوان؟


أنا دعوت لمصالحة لا تستثني أحداً، لكن حتى الآن لم تلق هذه الدعوة تجاوباً، والطرف المنتظر منه أن يكون المبادر هو صاحب السلطة، لأنه القادر أن يدفع مسار التصالح بمد يده إلى خصومه وأن يقدم مصلحة مصر وأن يغلق الباب على عملية الإقصاء، وأنا أعتبر أن كل هذا مضيعة للوقت ومضيعة للجهود وهدرًا للدماء؛ لأنه في النهاية ستعود الأطراف للجلوس، وسيبقى هناك جيش مصر وإخوان وأقباط وليبراليون فلماذا نضيع الوقت؟.


 إذاً لا يمكن لأطراف خارجية أن تلعب دوراً؟


لا يمكن لأطراف خارجية أن تلعب دورًا، إذا كانت الأطراف الداخلية لم تيأس من حسم المعركة لصالحها والانفراد بالسلطة.


ليبيا بعد الثورة


 بالنسبة لدول الجوار مثل ليبيا الآن الوضع متشابك وسيئ، هل لكم تواصل مع أطراف هناك لإيجاد أرضية مشتركة؟
 

لدينا تواصل مع كل الأطراف الليبية ونحن نقدر أنها قريبة من الحل ومساعي الأمم المتحدة تقترب من حل توافقي.


الحكم الإسلامي

دائما يتم الاستشهاد بحكم إسلامي ناجح لكنه غير موجود في الدول العربية، فمثلا تركيا وماليزيا وإيران هذه الدول نجحت بينما دول العالم العربي الإسلامية المنشأ لم تنجح فيها التجارب الإسلامية، إلام تعزو ذلك؟


 أنا أقدر أن الضغط الخارجي على العالم العربي خاصة هو الأشد في العالم كله بسب موقعه الاستراتيجي، وهناك خشية من نجاح الديمقراطية في العالم العربي، لأن بعض الدول الكبرى ربما تتخوف من أن هذا سوف يؤثر على مصالحها في المنطقة.


الانتفاضة الثالثة


 بخصوص موضوع القدس شيخنا، هناك مؤشرات تتحدث عن انتفاضة ثالثة قادمة، كيف تنظرون لهذا الأمر؟

هذا يبشر بخير ويدل على أن مكر الليل والنهار وغسيل العقول والضغوط لم ينتزع من الشعب الفلسطيني حقوقه، ولذلك هذه الانتفاضة التي تندلع مجدداً هي رسالة للعالم أن هناك شعبًا مظلوما لا يزال يعيش تحت الاحتلال ولايزال يدافع عن حقه في أرضه، وأن فلسطين لاتزال تعيش في سويداء قلوب الفلسطينيين والعرب والمسلمين وغيرهم من أحرار العالم.


وهي رسالة على أن الحقوق لا تموت وهي أيضا رسالة تخجيل للعرب وللضمير الإنساني أن أفيقوا على أنفسكم واستحيوا من شعب مضى عليه أكثر من نصف قرن وهو تحت الخيام وأراضيه تكتسحها المستوطنات يوما بعد يوم وأنتم صامتون.


 لكن الشعب العربي مشغول الآن في أكثر من بقعة بقضاياه المعيشية ومشاكله؟


 أنا أعتبر أن هذه الانتفاضة لفتة قوية لأنظار الضمير العربي أن ينتبه وألا يجعل همومه الكثيرة تنسيه قضية فلسطين.


 أنتم تلومون إسرائيل مثلا على إجراءاتها الاستيطانية وهناك غزة مثلا محاصرة من جانب عربي أكثر من إسرائيل؟


هذه أوضاع شاذة لا مستقبل لها، فما يُعنى من محاصرة غزة جريمة بامتياز، فنحن لم نستطع أن نساعد الفسطينيين بل ساهمنا في حصارهم، مثلما فعلت الجيوش العربية عام 48 عندما جردت المقاومة الفلسطينية من سلاحها، ويبدو أننا نريد أن نجدد الأمر ونجرد الفلسطينيين من سلاحهم


اترك تعليق