حرب الطغاة للمؤسسات الدينية (الأزهر نموذجًا)

بواسطة : د. أيمن محمد هاروش

بسم الله الرحمن الرحيم

حرب الطغاة للمؤسسات الدينية (الأزهر نموذجًا)

بقلم: د. أيمن محمد هاروش

منذ أن سلّ أعداء الإسلام سيوفهم لتقطيع جسد الأمة الإسلامية، وإنهاء وحدتها التي كانت آخر معاقلها في الخلافة العثمانية، كانت جهودهم لتدمير البنية الفكرية والإيمانية والأخلاقية في المجتمع، وليس فقط لإضعاف الأمة سياسياً وعسكرياً واقتصاديًا، فكان الغزو الفكري أخطر وأعمق في الأمة من الغزو العسكري والسياسي.

ولقد كان أهل العلم في مقدمة مرمى نيران الأعداء وأذنابهم في الأمة الإسلامية، لأنهم السمط الناظم للمجتمع الإسلامي، ورأسه المدبر والمحرك له، ولهذا انتهجوا سياسات كثيرة في حرب العلماء وإقصائهم عن دورهم، وهذا باب بحث كبير وطويل، ولكن سنجعل من الأزهر الشريف نموذجاً نبين الحرب التي مورست عليه حتى وصل إلى مال وصل إليه، ومنه تعلم باقي السياسات في التعامل مع الهيئات العلمائية والمؤسسات الدينية.

 

أولاً: مكانة العلماء في المجتمع المسلم

إن مكانة العالم الديني الطبيعية في المجتمع المسلم، هي في منزلة القيادة للمجتمع، كربان السفينة التي يقودها لبر الأمان، وهذه المكانة تبوأها رجال العلم لأسباب عديدة، منها:

  • منزلة العلماء التي رفعهم لها القرآن والسنة، وجعلهم الأمراء وألزم طاعته، في نصوص كثيرة، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، فأولوا الأمر هم العلماء على رأي بعض أهل التفسير واختاره افمام مالك.([1])
  • طبيعة الدين الإسلامي الذي نظمت أحكامه كل ميادين الحياة، ورسمت قواعد لحكم المجتمع وإدارته، وأهل العلم هم المبلغون والمبينون لهذه القواعد والأحكام، ولهذا تعلقت بهم قلوب المسلمين، وتطلعت لهم أنظارهم.
  • منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم وكونه القائد والإمام للناس، ثم أهل العلم ورثته في ذلك، فكانت منزلتهم امتداداً لمكانة النبوة في المجتمع.

ولهذا كان مما أجمع عليه العلماء أن من شروط الإمام أو الخليفة أي الحاكم للأمة الإسلامية أن يكون من أهل العلم بل ممن بلغوا رتبة الاجتهاد، يقول الجويني رحمه الله تعالى: " فالشرط أن يكون الإمام مجتهدا بالغا مبلغ المجتهدين، مستجمعا صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف. والدليل عليه أن أمور معظم الدين تتعلق بالأئمة. فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر، فلا شك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع، فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلا بعلم الشريعة، لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع وذلك يشتت رأيه، ويخرجه عن رتبة الاستقلال" ([2])

وكان أهل الحل والعقد والمشورة في كل التاريخ الإسلامي هم أهل العلم، وهذا بالإجماع كما نقله الجويني رحمه الله تعالى([3]).

ولهذا جعل الظلمة والطغاة سياستهم في حكم البلاد كسياسة من ولاَّهم على المسلمين من أنظمة الاحتلال العالمي، قائمة على إقصاء ومحاربة أهل العلم وتشويه سمعتهم، تارة بالأعمال الفنية وتارة بجعلهم محل السخرية والطرف، وتارة بالكذب عليهم، وأخطرها تصنيع رجال لهم يلبسون لباس العلم ليقعوا في النفاق لهم ويرتكبوا المشينات فتسوء سمعتهم بين الناس وتقل منزلتهم، والوسائل كثيرة، ولكن سأقصر الحديث على محاربة المجامع العلمية التي نشأت في العصر الحديث لتشكل قوة علمية جماعية، تقدم التعليم والدعوة والفتوى للناس، فكانت هذه المجامع العلمية بشخصيتها الاعتبارية ورمزيتها تشبه الأئمة في التاريخ بمكانتهم العلمية ورمزيتهم الدينية والاجتماعية، وسأعرض الأزهر مثالاً على ذلك، وما مرَّ عليه مرَّ على أمثاله في سائر بلاد المسلمين.

 

 

ثانيًا: لمحة تاريخية عن الأزهر

دخلت مصرُ الإسلامَ في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه سنة 18 ه، وولي عليها عمرو بن العاص، فخط فيها مدينة الجيزة ومدينة الفسطاط وهما ضمن القاهرة الكبرى اليوم، وبنى في الفسطاط مسجده الكبير الذي ما يزال إلى يومنا هذا عامرًا ومن أكبر مساجد مصر، ومن وقتها صار مسجد عمرو بن العاص المركز العلمي الرئيسي في مصر، ففيه كانت حلق عبد الله بن عمرو بن العاص ثم عبد الله بن لهيعة والليث بن سعد والشافعي وخلق كثير غيرهم.

وعندما تولى الحكم فيها أحمد بن طولون سنة 253 ه، بنى مسجده المشهور في القطائع وهي ضمن القاهرة الكبرى اليوم، وأصبح مسجده مركزًا علميًا درّس وتخرج فيه كثير من العلماء والأدباء ولكن بقي مسجد عمرو بن العاص محتفظًا بمكانته العلمية([4]).

وبقي هذا المسجدان المركزين الرئيسين للعلم والدعوة، وكانا بمنزلة جامعتين عريقتين في عصرهما، إلى أن استولى الفاطميون على مصر سنة 358 ه بحملة جوهر الصقلي القائد العسكري للمعز الفاطمي الذي كانت دولته عامرة بالمغرب، وبنى مدينة القاهرة والمسجد الأزهر فيها، وصار الأزهر المركز العلمي الثالث في مصر مع مسجد عمرو بن العاص ومسجد ابن طولون، ولكن للأسف صارت تنشر فيها عقائد وفكر الشيعة الفاطميين، وعندما استقر المعز بمصر اهتم بالأزهر واستقطب له حوالي ثلاثين عالماً من الأصقاع وبنى لهم قصورًا فخمة بجانب المسجد صارت رواقًا له فيما بعد، وبدأت مرحلة نشر التشيع في مصر من الأزهر، ومحاربة وهدم مدارس أهل السنة .([5])

واستمر الوضع في مصر عامة وفي الأزهر خاصة إلى أن جاء عهد الدولة الأيوبية في مصر سنة 567ه، وبدأ الملك الناصر صلاح الدين يمحو آثار الفاطميين ويعيد معالم أهل السنة لمصر، وكانت سياستهم صارمة في ذلك، وبنى الأيوبيون عدة مدارس في مصر للمذاهب الفقهية السنية ولأهل الحديث وغيرهم، فصارت هذه المدارس معاهد علمية منيرة في مصر بالإضافة للأزهر.([6])

واستمر الأزهر في دوره العلمي الرائد في عهد المماليك من 657ه – إلى 923ه، ثم في عهد العثمانيين من 923ه وإلى سنة1220ه، وفي هذه الفترة شهدت مصر الحملة الفرنسية عليها سنة 1798م، وكان للأزهر وعلماؤه دورًا كبيرًا في محاربتها.

وبعد خروج الفرنسيين من مصر تولى حكمها محمد علي باشا سنة 1220ه، وهو ألباني جاء مصر مع جيش الأتراك لقتال الفرنسيين، ثم صار واليًا لهم على مصر.

وفي هذه الفترة – عهد محمد علي- شهدت مصر ظروفًا اجتماعية وإنسانية وسياسية سيئة انعكست على نشاط الأزهر وتألقه، وأدت لتراجعه من الناحية العلمية، لا سيما أنه ترافق مع إهمال العلوم الكونية حتى وصل حال البعض بالإفتاء بتحريم تدريسها.([7])

ثالثًا: الدور القيادي للأزهر

ومما يذكر في هذه الفترة أن مشايخ الأزهر كان لهم دور كبير جدًا في قيادة الشعب والتكلم باسمه، وعلى رأسهم الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ محمد المهدي والشيخ محمد الأمير والشيخ عمر مكرم والشيخ محمد الأمير والشيخ محمد السادات شيخ مشايخ الطرق الصوفية وغيرهم، حتى أن محمد علي باشا أرسل لهم ليطلب منهم مخاطبة السلطان العثماني بتركه والياً حين سمع بإرادة عزله، مما يدل على أن الأزهر كان له من خلال مشايخه دور محوري ومركزي في صنع قرار البلد، وقيادة الجماهير الشعبية.

ويؤكد هذا أثرهم في الثورة العرابية التي قادها أحمد عرابي الأزهري على الإنكليز، وفتواهم الجريئة ضد الخديوي عندما أمر الخديوي بعزل أحمد عرابي، حيث أفتوا بمروق الخديوي توفيق عن الدين وانحيازه للجيش المحارب لبلاده، وقبلها وقفوا موقفاً مشرفًا حين دعاهم الخديوي توفيق وعرض عليهم تشكيل وزارة برئاسته وقبول طلبات فرنسا وبريطانيا، فقام الشيخ طلبة باشا ورفض كلامه وخرج من مجلسه بلا استئذان ووافقه العلماء الذين كانوا حاضرين وخرجوا معه، وبعد انتهاء الثورة العرابية أصدرت المحكمة أحكامًا بنفي عدد كبير من العلماء الأزهريين خارج مصر مع قادة الثورة العرابية. ([8])

 

رابعًا: صراع الأزهر مع السلطة الحاكمة

يمكن القول إنه من هذه الفترة - عهد محمد علي- بدأ صراع السلطة الحاكمة مع الأزهر وشيوخه، وظهرت محاولة استيلاء السلطة على الأزهر وسحب سلطة العلماء عليه.

ويؤكد هذا الباحث عبد المنعم منيب حيث يقول: "ظل الأزهر الشريف قلعة الإسلام عبر العصور، ولقد كان الجامع الأزهر في مصر هو الذي يمثل الدعوة الإسلامية والعمل السياسي الإسلامي المستقل عن الحكام في عصر المماليك والعثمانيين وحتى بداية عصر محمد علي، والذي في عهده بدأ تقييد حركة الأزهر وتجريده من نفوذه السياسي على مراحل عدة انتهت إلى ما هو عليه الآن. ([9])

ثم كانت قاصمة الظهر للأزهر في زمن عبد الناصر ومن تبعه، حتى غدا الأزهر بسبب سياسات الحكام مؤسسة حكوميةً منفصلة عن واقع الأمة وآلام الشعب، فضعف سلطانه الأدبي وانحسرت مرجعيته على الأمة عامة ومصر خاصة.

بدأت سياسة التضييق على الأزهر منذ زمن محمد علي وأبنائه، وذلك بمنع الأزهر من التدخل في الشأن العام، واقتصاره على التعليم الديني في أروقته فقط، كما يظهر ذلك في كلمة الخديوي عباس حلمي حيث قال: "أول شي أطلبه أنا وحكومتي أن يكون الهدوء سائدًا في الأزهر، والشغب بعيدًا عنه، فلا يشتغل علماؤه وطلبته إلا بتلقي العلوم الدينية النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأفكار، لأنه مدرسة دينية قبل كل شيء، إنَّ كل ما يهم الحكومة من الأزهر استتاب الأمن فيه، وأطلب منكم أيها العلماء أن تكونوا دائمًا بعيدين عن الشغب، وأن تحثوا إخوانكم العلماء وكذلك الطلبة على ذلك، ومن يحاول بث الشغب بالأقوال أو بواسطة الصحف والأخذ والرد فيها، فيكون بعيدًا عن الأزهر"([10])

إنها كلمات واضحة في إقصاء الأزهر عن قيادة الأمة وتصدر شؤونها، وتحوله إلى مدرسة فقط، لا يعنيه ما يحدث خارج أروقته.

لكنها سياسة تبدوا ناعمة نوعًا ما، حتى جاء عبد الناصر فسن لها أسنانها، وحد لها سيوفها، فاتخذ إجراءات أخرجت الأزهر عن قيادة الأمة، وتتلخص في النقاط الآتية([11]):

  • بعد خمسة أشهر من ثورة عبد الناصر (ثورة يوليو) أصدر مرسوماً بقانون (180 لعام 1952) يقضي بإلغاء الوقف الأهلي، ثم تبعتها سياسات نزعت من الأزهر كل موارده المالية وجعلتها بيد الدولة، وبذلك أصبح الأزهر عالة على الدولة في نفقاته، مما جعل قراراه مسلوبًا، بدلاً من أن كان ينفق من موارده الخاصة، ولا يحتاج للدولة في شيء، علمًا أن المرسوم والسياسات اللاحقة لم تتعرض لأوقاف غير المسلمين في شيء تقريبًا.
  • ألغى عبد الناصر المحاكم الشرعية التي كان يقوم عليها الأزهر، والتي كانت تمثل سلطة له على الحياة العامة بالمرسوم الصادر بقانون (462 لعام 1955)، وبذلك كسر الجناح الثاني للأزهر، ففقد قوته الاقتصادية وفقد قوته السلطانية القضائية.

إن عبد الناصر فعل ما عجر عنه نابليون والإنكليز في الهيمنة على أكبر مؤسسة للعلماء في العالم.

  • أصدر عبد الناصر قانون تنظيم الأزهر (103 لعام 1961) بقوة السلاح ضمن قبة البرلمان، كعادة ديمقراطية الطغاة، حيث حضر جلسة البرلمان ضباط من مخابرات الثورة ومنهم أنور السادات الذي قال: "كانت ثورة 23 يوليو 1952، والذين حاولوا الوقوف أمامها ديسوا بالأقدام، واليوم ثورة جديدة وسيصاب الذين يقفون أمامها بنفس المصير"([12])، وغاب عن الجلسة 179 عضوًا، أي ما يعادل 49% من أعضاء المجلس، وكان القانون يقضي بإيجاد هيكلية تنظيمية للأزهر مرتبطة بجهاز الدولة وخاصة رئيس الجمهورية، فشيخ الأزهر ووكيل الأزهر ورئيس جامعة الأزهر وعمداء كليات الأزهر وأعضاء مجمع البحوث يعينهم رئيس الجمهورية، أي إن الأزهر صار تحت قبضة الرئيس لا يعصي له أمرًا، وبذلك يمكن إعلان وفاة الأزهر كمرجعية علمية وقيادية لمصر وللأمة، وصار أزهرًا يُرقِّع للرؤساء من أيام عبد الناصر وإلى يومنا هذا، والاستطراد في هذه النقطة ليس مقصودًا للبحث هنا.

إن ما شرحناه سابقًا حول الأزهر من تاريخه وسياسات الحكام معه، أردنا من خلاله أن نبين:

  • قوة الأزهر العلمية والمرجعية والقيادية لمصر وللأمة عبر القرون، والمنزلة التي كان يحتلها في حياة الناس.
  • الحرب الهمجية على الأزهر والتي أثمرت:
  • إضعافه بل تحويله لمؤسسة من مؤسسات النظام الحاكم.
  • النقمة الشعبية على هذه السياسات تجاه الحكام والشعور بالحرب المعلنة ضد الإسلام
  • حالات تمرد فكرية ونخبوية تمثلت في ولادة الجماعات الإسلامية التي سنأتي على ذكرها، بل يرى البعض "أن محاربة الأزهر وانحسار دوره كانت عاملًا أساسيًا لظهور الجماعات الإسلامية".([13])

خامساً: الخاتمة

لقد أدرك أعداء الأمة دور العلماء في المجتمع المسلم، وخطورتهم على مشاريعهم التخريبية الاحتلالية، فكانت أول حرابهم موجهة إلى أهل العلم، وإلى المؤسسات العلمية لإضعافها وتفريغها من دورها في المجتمع.

وترافق ذلك بحرب فكرية من تشويه لصورة أهل العلم في المسلسلات والأفلام، وبث لأفكار تجعل من عالم الدين رجل محراب فقط، ولا علاقة له خارج المسجد، بل صورت أن تدخله بخارج محرابه تشويه للدين وإساءة له، وهذا جهل مركب، لأنهم لم يفهموا أن الدين نظام للدنيا والاخرة، وشريعة تسيِّر كل نواحي الحياة.

ولا بد من استعادة العلماء والمؤسسات الدينية دورهم في المجتمع، والتحرر من رواسب الاحتلال الذي تمارسه الأنظمة الحاكمة اليوم.

 


([1]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([2]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([3]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([4]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([5]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([6]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([7]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([8]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([9]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([10]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([11]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([12]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

([13]) - انظر تفسير القرطبي (5/259)

 

اترك تعليق