الشريعة والفقه والاجتهاد

بواسطة : الميثاق الإسلامي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الشريعة والفقه والاجتهاد

1- يؤمن الاتحاد العالمي لعلمائ المسلمين بأن الشريعة الإسلامية هي وحي الله تعالى الذي يتمثل في القرآن الكريم، وفي صحيح السنة النبوية، وأن الفقه الإسلامي، هو عمل (العقل المسلم) الذي اجتهد في فهم القرآن والسنة، واستنباط الأحكام العملية منهما. فالشريعة وحي رباني، والفقه عمل إنساني.

    ولكن هذا الفقه منضبط في اجتهاده وتفكيره واستنباطه بمعايير شرعية وعقلية ولغوية يلتزم بها الفقيه المسلم. وقد انفرد المسلمون بعلم ابتكروه ، يعد من مفاخر تراثنا  العلمي الإسلامي، وهو علم (أصول الفقه) الذي به ينضبط الاستدلال فيما فيه نص، وفيما لا نص فيه. وحتى قبل أن يدون علم (أصول الفقه) بطريقة منهجية كان فقهاء المسلمين منضبطين بهذه الضوابط، من غير اصطلاحات ولا تسميات. يستوي في ذلك من عُرِفوا بمدرسة الأثر، ومن عُرِفوا بمدرسة الرأي.

    ومن المهم أن نعلم هنا أن الشريعة لا توجد معلقة في الهواء، بل توجد داخل الفقه الإسلامي في مجموعه، ما كان مجمعا عليه، وما كان مختلفا فيه. ما كان منه ثابتا بالوحي، وما كان ثابتا بالاجتهاد، ما دام اجتهادا من أهله في محله، فقد دخل في الشريعة، أو دخلت فيه الشريعة.

    والذين يريدون منا أن نتخلى عن الفقه الإسلامي أو نلغيه من ثقافتنا يريدون في الحقيقة أن نلغي الشريعة كلها من حياتنا، إذ لا وجود لها إلا في بطن هذا الفقه.

    ولكن المطلوب منا أن ننخل هذا الفقه، ونميز بين ما له طابع الثبات، وماله طابع التغير، أي الأحكام التي كانت صالحة لزمانها ومكانها، ولم تعد صالحة اليوم لتغيّر الظروف، والتي قيل في مثلها: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان. وهو ما نصت عليه (مجلة الأحكام) في إحدى موادها.

2- ونحن في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نتبنى فقه (المدرسة الوسطية) التي تفهم النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية، ولا تقيم عداوة ولا حربا بينهما. وهي تبحث عن مقصد النص قبل إصدار الحكم، كما تفهم النص في ضوء سياقه وملابساته وأسبابه، وتميز بين المقصد الثابت والوسيلة المتغيرة، كما تلائم بحكمة بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر، وتميز دائما بين شؤون العبادات وشؤون المعاملات، فالأصل في الأولى الحظر إلا ما أذن به الشارع، حتى لا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله. والأصل في الثانية الإذن والإباحة إلا ما نص الشرع على تحريمه.

    كما أن الأصل في العبادات التعبد بالنص، وعدم النظر إلى العلل والمعاني، في حين أن الأصل في العادات والمعاملات هو النظر إلى العلل والمعاني والمقاصد.

    نحن نؤمن بالقول المأثور، الذي تلقته الأمة بالقبول: (ان مبنى الشريعة وأساسها على مصلحة العباد في المعاش والمعاد، وأنها عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، ومصالح كلها، وأي مسألة خرجت من العدل إلى الجَوْر، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن الحكمة إلى العبث ، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة في شيء، وإن أدخلت فيها بالتأويل).

3- نحن نؤمن بأن باب الاجتهاد في الدين مفتوح، وسيظل مفتوحا، لأن أحداً لا يملك إغلاق باب فتحه الله تعالى ورسوله، بل هو من الفروض الكفائية على الأمة. وقد ذهب بعض أئمتنا إلى أنه لا يجوز أن يخلو العصر من مجتهد، يبين الحكم الشرعي فيما يَجدُّ للناس من أحداث.

      ونحن في زمننا أحوج ما نكون إلى الاجتهاد الحقيقي، لتغيّر زمننا كثيرا عن أزمان من سبقونا في عصر الاجتهاد الفقهي، وإذا كان كثير من خلاف أبي حنيفة وصاحبيه، يقولون عنه: هذا اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان، هذا وزمنهما قريب من زمن إمامهما ، والحياة فيه ساكنة، فكيف وقد مضت قرون على عصور الاجتهاد، كما أن كل شيء في حياتنا تغير عما كان عليه من قبل؟

    لهذا كان علينا أن نفتح باب الاجتهاد بكل أنواعه الكلي والجزئي، المطلق والمقيّد، الإنشائي في المسائل الجديدة، والانتقائي في الاختيار من الفقه الموروث.

    ولكن باب الاجتهاد لا يُفتَح إلا لأهله في محله. أما أهله، فهو كل من استجمع الشرائط والمؤهلات الأساسية التي اتفق عليها الأصوليون والفقهاء، من مثل: معرفة القرآن والسنة معرفة راسخة تمكنه من الاستنباط منهما، ومعرفة اللغة العربية وعلومها مثل ذلك، ومعرفة أصول الفقه ومقاصد الشريعة، والإطلاع على الفقه واختلاف العلماء ومشاربهم، حتى تتكوّن له ملكة فقهية، يقدر بها على استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية.

      ولا بد أن يكون الاجتهاد في محله، وهو الظنّي من الأحكام، ونعني به ما كان دليله ظنيا في ثبوته أو في دلالته أو فيهما معا. ومعظم تفاصيل الشريعة من هذا الباب.

    أما (القطعيات) فلا مجال للاجتهاد فيها وهي قليلة جدا، ولكنها مهمة جدا، فهي التي تمثل (الثوابت) التي تحفظ على الأمة وحدتها العقدية والفكرية والوجدانية والسلوكية، حتى لا تتفكك وتتحول إلى أمم.

    وإلى هذه القطعيات ترد الظنيات وتفهم في ضوئها.

نحن ندعو إلى فتح أبواب الفقه المقارن بين المذاهب جميعها، للوصول إلى فقه إسلامي جامع، كما ندعو إلى إنشاء مجامع علمية تضمّ ممثّلين عن المذاهب الإسلامية كلّها للبحث والاجتهاد في القضايا الكبيرة التي تهمّ الأمّة كلّها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • الميثاق الإسلامي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
 

اترك تعليق