أيام- من شهر مايو- لها تاريخ/

نویسنده : أ. د. عبد الرزاق قسوم

أيام- من شهر مايو- لها تاريخ/

 

أ. د. عبد الرزاق قسوم

.... في فلسفة الزمان، أيام تمتاز وتتميز عن أيام أخرى، إيجابا وسلبا، وفي فلسفة المكان فضاء يتفوق عن الآخر، أو يقل عنه أهمية من حيث التسجيل للحوادث. وفي فلسفة الإنسان – أخيرا – بعض الناس لبسو كباقي البشر، فهم مخلدون بأعمالهم، مخلدون للتاريخ بأحوالهم وأفعالهم.

وذلك هو الشأن بالنسبة لشهر مايو، في الجزائر، من حيث احتواؤه لأحداث جلّل الحزن حواشيها، وخلد الدم مآسيها، فقد مثل شهر مايو معجما بحوادث وأحداث سيبت لها الولدان، وأبرزت – في ذلك – ملاحم لشتى النواحي من الوديان والشطآن، والكثبان، كما غيب القبر و الموت في شهر مايو، خير العلماء، من بني الإنسان.

فهي وطننا الجزائري يستهل شهر مايو، بيوم العمال، وهو البدعة العالمية التي أحدثها الإنسان، للتعبير عن معاناه، وحراك العامل المطحون، فتسير فيه المظاهرات، وترفع الشعارات، وتنظم الإعتصامات، ذلك هو الأصل في يوم … من مايو، ولكن جاء من حرفه عن إسمه، وشوه معالم وسمه ورسمه، وحول – عن مصبه – نهره، فكانت هذه المسميات الموهومة، والمصطلحات المظلومة كاتحاد العمال، وحزب العمال، وغير ذلك، وكم من سعيد في اسمه، شقى في عمله، وكم من حنون في حقه، حقود في حقيقته.

ثم ساقنا شهر مايو إلى اليوم الخامس منه فيعلن عن ميلاد خير جمعية اخرجت للناس، هي أم الجمعيات الموسومة بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي خرجت من رحم الآمال والآلام التي يعم شعب الجزائر، الذي ضاق ذرعا بقمع الإستعمار، وعمله الإستئصالي الإجرامي، لهتك العرض، ومصادرة الأرض، وتعطيل الفرض، لذلك استهلت جمعية العلماء صارخة بلعن الإستعمار وأذنابه، مبشّرة باجتثاث أعراضه وأسبابه، مستميتة في غلق كل نوافذ شروره وأبوابه.

ومن شرور الإستعمار وجرائم أربابه ماخلده شهر مايو، وهو كما وصفه أحد العارفين شهر الدماء والدموع، وهو ماتجلى في يوم الثامن من مايو، الذي أظلمت شمس الربيع فيه، بالجرم الفضيع الذي زرع الماء في الربوع، بالدموع، فقد خرج شهر مايو – كما يقول الإمام الإبراهيمي – عن طاعة الربيع فلا ثمر، ولا نَوْرٌ .

خُرجت جميع خراطه، قالمة، وقسنطينة وسطيف، وفي العديد من وطننا، خرجت احتفالا بنهاية الحرب الذي شاركت فيها فحررت فرنسا من عدوها، ولكن كان جزاؤها جزاء ” سنمار” فقضى على عشرات الآلاف من الجزائريين- قمعا، ولا ذنب لهم إلا أن تقول الله ربنا، والجزائر وطننا” إن اليوم الثامن من مايو، هو يوم الأخوة في تاريخ الإستعمار المشؤوم ببلادنا، يضاف إلى أيامه السود الكثيرة، لذلك قال عنه امامنا الإبراهيمي: “يا يوم! لك في نفوسنا السّمة التي لا تمحى، والذكرى التي لا تنسى، وكل ما لك من دين نحيي ذكراك وكل ما لك من واجب  أن ندون تاريخك في الطروس لئلا يمسحه النسيان من النفوس [ أثار الإمام الإبراهيمي ج 3، ص 335 ]

فإذا مددنا الخطى في قضاء زمن مايو، طالعنا بعد الخامس من مايو، وهو يوم النكبة الفلسطينية، ” تلك المأساة التي لا تزال آثارها تتجلى إلى اليوم، إنه اليوم الذي أعطى فيه من لا يملك، ( وهو بلفور) إلى من لايستحق ( وهو ابن صهيون).

إنها – بالله – للمأساة التي لا يزال شعبنا الفلسطيني، يعاني بسببها القتل، والقمع، والتهجير والتشريد.

فلك الله، أيها الشعب العنيد، في جهادك المجيد، وقد تخلى عنك القريب والبعيد فيا لك من شعب بطل صنديد.

وتتوالى ملاحمنا، ومعاركنا في شهر مايو، بالحراك الطلابي الجزائري المشهود حين أضربوا فأطربو، أعلنوا في ندائهم المشهور، لا نعلم لا دراسة، حتى تسقط هذه السياسة، والمكان الوحيد للطالب، الألمعي، هو جيش التحرير الألمعي.

فكانت المعركة الفاصلة بيننا وبين الإستعمار التي التحم فيها حامل الرشاش والسكان، بحامل القلم والجنان، وهذا ما يخلد احياء يوم الطالب كل سنة من يوم التاسع عشر من مايو.

على أن أحداث مايو المتنوعة لم تقتصر على هذا الحوادث الدامية، وخطورة عواقبها، فقد نكبت الجزائر، أيضا، بفقد ثلة من علمائها، كفقد عالم الجزائر وعلامة رفعها ومحددها محمد البشير الإبراهيمي، الذي لقى ربه يوم عشرين مايو، وهو، يقاوم البطش والإستبداد، الذي حكم عليه بالإقامة الجبرية جزاء له، على ماقدم للجزائر من جهاد وجهد.

وما بذله في التعريف بالقضية الجزائرية داخل الجزائر وخارجها، لقد مات الإبراهيمي واقفا، كما عاش واقفا، لم يلن ولم يستسلم.

لذلك قال في حقه العالم المجاهد المصلح سليل جمعية العلماء، الشيخ احمد سحنون:

لا تقل يا ناعي الأحرار مات

               لم يمت من علّم الناس الحياة

لم يمت من علّم النشئ الحياة وعلى غرار العلماء العاملين في ميدان الإصلاح والجهاد، مات من قبل الإمام الإبراهيمي، المجاهد الفذ الفضيل الورتلاني، الذي مرت على ذكرى وفاته ستون سنة ( أي في شهر مارس 1959 )، والفضيل الورتلاني عالم من علماء جمعية العلماء، الذي أخذ من كل شئ، في الجهاد بنصيب، لقد عاش مجاهدا ومات مجاهدا  فكان لذلك قدوة للعالم العامل بعلمه.. ومن المؤسف حقا، أن لانجد في الجزائر، مؤسسة تخلد فكره، ولا معلما يؤبد ذكره، وهو شأن معظم العلماء في الجزائر، الذين حلت شوارع مدننا وقرانا من أسمائهم ولا بد أن نختم هذه الشهادة دون أن نذكر عالما آخر مجاهدا، توفاه الله في اليوم الثالث من مايو عام 1989، والذي أقام له نادي الترقي، تأبينية وفاء يوم 18 مايو2019، عرفانا لما قدم من تضحيات وما بذل من جهد.

ذلك هو شيخ العباس ابن الشيخ الحسين، الذي نشأ في أحضان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وجاهد بين صفوفها، إلى أن أتاه اليقين، في مسجد باريس الكبير، حيث كان مديرا لهذا المسجد، وشهد له أنه قدم للكثير لدينه ولوطنه، وبمناسبة التي جمعت شهر مايو بهذا الشهر المبارك شهر رمضان لا ننسى شيخنا عبد الرحمان شيبان الذي ودعنا في هذا الشهر.

تلك إذن، هي الأيام التي لها تاريخ في شهر مايو، نقدمها للناشئة، إنعاشا لذاكرتهم، وشحذا لعزائمهم، في شهر الصوم، وفي عهد الحراك، ندرك ان شهر مايو، وشهر، الصوم، كل منهما؛ يمثل شهرا للثورة والحراك، وليس شهرا للثروة والعِراك.                    #مجلة البصائر