الحلقة الرابعة والعشرون: التزكية العقلية والتربية الجسدية للصحابة في المنهج النبوي

By :

من كتاب السِّيرة النَّبويّة للدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

الحلقة الرابعة والعشرون: التزكية العقلية والتربية الجسدية للصحابة في المنهج النبوي

كانت تربية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه شاملةً؛ لأنَّها مستمدةٌ من القرآن الكريم، الَّذي خاطب الإنسان ككلٍّ يتكون من الرُّوح، والجسد، والعقل، فقد اهتمَّت التَّربية النَّبويَّة بتربية الصَّحابي على تنمية قدرته في النَّظر، والتأمُّل، والتفكُّر، والتدبُّر؛ لأنَّ ذلك هو الذي يؤهله لحمل أعباء الدَّعوة إلى الله، وهذا مطلبٌ قرآنيٌّ، أرشد إليه ربنا - سبحانه وتعالى - في محكم تنزيله.قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيات وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101] .

وقال سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِىءُ النَّشْأَةَ الآخرةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [العنكبوت: 20].

وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ ﴾ [ص: 29] .

وقال جلَّ شأنُه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ *أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا *ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا *فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا *وَعِنَبًا وَقَضْبًا *وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً *وَحَدَائِقَ غُلْبًا *وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *مَتَاعًا لَكُمْ وَلأِنْعَامِكُمْ ﴾ [عبس: 24  32].

  • التزكية العقلية:

يعتبر العقل أحد طاقات الإنسان المهمَّة، وقد جعله المولى - عزَّ وجلَّ - مناط التَّكليف، فمن حُرم العقل لجنونٍ أو غيره، فهو غير مكلَّفٍ، ويسقط عنه التَّكليف قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: 36] .

إنَّ العقل نعمةٌ من الله على الإنسان يتمكَّن بها من قبول العلم، واستيعابه؛ ولذلك وضع القرآن الكريم منهجاً لتربية العقل، سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  لتربية أصحابه؛ ومن أهمِّ نقاط هذا المنهج:

1 - تجريد العقل من المسلَّمات المبنيَّة على الظنِّ والتَّخمين، أو التبعيَّة والتقليد، فقد حذَّر القرآن الكريم من ذلك في الآية الكريمة التَّالية؛ قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [النجم: 28] .

2 - إلزام العقل بالتَّحرِّي والتَّثبُّت، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَآدمينَ ﴾ [الحجرات: 6].

3 - دعوة العقل إلى التدبُّر والتأمُّل في نواميس الكون . قال الله تعالـى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآَتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ [الحجر: 85].

4 - دعوة العقل إلى التأمُّل في حكمة ما شرع الله لعباده من عباداتٍ، ومعاملاتٍ، وأخلاقٍ، وآداب، وأسلوب حياةٍ كاملٍ، في السِّلم والحرب، في الإقامة والسَّفر؛ لأنَّ ذلك يُنْضِجُ العقل، وينمِّيه، وبتعرُّفه على تلك الحكم يعطيه أحسن الفرص، ليطبق الشَّرع الرَّبانيَّ في حياته، ولا يبغي عنه حولاً؛ لما فيه من السَّكينة، والطمأنينة، والسَّعادة للبشريَّة، ولأنَّ الله - سبحانه وتعالى - إنَّما شرع ما شرع لذلك، قال سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأنعام: 119] .

5 - دعوة العقل إلى النَّظر إلى سنَّة الله في النَّاس عبر التَّاريخ البشريِّ؛ ليتَّعظ النَّاظر في تاريخ الاباء، والأجداد، والأسلاف، ويتأمَّل في سنن الله في الأمم، والشُّعوب، والدُّول. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخرينَ﴾ [الأنعام: 6] .

وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لـمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ *ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس 13 ـ 14] .

وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاروا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [الروم: 9] .

كانت هذه الآيات الكريمة ترشد الصَّحابة إلى استخدام عقولهم وفق المنظور الرَّبانيِّ؛ لكي لا تضلَّ عقولهم في التيه؛ الَّذي ضلَّ فيه كثيرٌ من الفلاسفة، الَّذين قدَّسوا العقل، وأعطوه أكثر ممَّا يستحقُّ، وقد كان لهذه التَّريبة القرآنيَّة آثار عمليَّة عظيمةٌ.

  • التَّربية الجسديَّة:

حَرَصَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  على تربية أصحابه جسديّاً، واستمدَّ أصول تلك التَّربية من القرآن الكريم، بحيث يؤدِّي الجسم وظيفته، الَّتي خلق لها، دون إسرافٍ أو تقتيرٍ، ودون محاباةٍ لطاقة من طاقاته على حساب طاقةٍ أخرى.

إنَّ الله أرشد عباده في القرآن الكريم، إلى ما أحلَّه من الطَّيبات، وما حرَّمه من الخبائث، وأنكر على أولئك الَّذين يُحرِّمون على أنفسهم الطَّيبات، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 32].

ولاشكَّ أنَّ الإنسان عندما يلبِّي حاجاته البدنيَّة، بإمكانه بعد ذلك أن يؤدِّيَ وظائفه الَّتي كلَّفه الله بها في الدُّنيا؛ من عبادة الله، واستخلافٍ في الأرض، وإعمارها، وتعارفٍ، وتعاونٍ على البرِّ والتَّقوى مع إخوانه في الدِّين؛ ولذلك ضبط القرآن الكريم حاجات الجسم البشريِّ على النَّحو التَّالي:

1 - ضَبَطَ حاجته إلى الطَّعام، والشَّراب بقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدم خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31] .

2 - ضَبَطَ حاجته إلى الملبس، بأن أوجب من اللِّباس ما يستر العورة، ويحفظ الجسم من عاديات الحرِّ والبرد، وندب ما يكون زينةً عند الذَّهاب إلى المسجد. قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدم خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

3 - ضَبَطَ الحاجة إلى المأوى بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾[النحل: 80] .

4 - ضَبَطَ حاجته إلى الزَّواج والأسرة بإباحة النِّكاح، بل إيجابه في بعض الأحيان، وتحريم الزِّنى، والمخادنة، واللِّواط، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾[المؤمنون: 5 - 7].

5 - ضَبَطَ حاجته إلى التَّملُّك والسِّيادة، وأباح التَّملُّك للمال، والعقار، وَفْقَ ضوابط شرعيَّةٍ، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الحديد: 7].

6 - ضَبَطَ الإسلام السِّيادة بتحريم الظُّلم، والعدوان، والبغي. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الأنعام: 21] ، وقال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لـمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾

[الفرقان: 37]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل  90].

7 - ضَبَطَ حاجته إلى العمل، والنَّجاح؛ بأن جعل من الَّلازم أن يكون العمل مشروعاً، وغير مضرٍّ بأحدٍ من النَّاس، ونادى المسلمين أن يعملوا في هذه الدُّنيا ما يكفل لهم القيام بعبء الدَّعوة والدِّين، وما يدَّخرون عند الله سبحانه، قال تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129].

وربط العلم بالإيمان في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، وشرط في العمل أن يكون صالحاً، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: 30]، وطالب بالإحسان في العمل، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].

8 - وحذَّر سبحانه من الدَّعة والبطر، والاغترار بالنِّعمة، فقال سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 58] .

هذه بعض الأسس الَّتي قامت عليها التربية النَّبويَّة للأجسام، حتى تستطيع أن تتحمَّل أثقال الجهاد، وهموم الدَّعوة، وصعوبة الحياة.

لقد ربَّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  صحابته على المنهج الكريم، منهج تزكية الأرواح، وتنوير العقول، والمحافظة على الأجساد، وتقويتها؛ لإعداد الشَّخصيَّة الإسلاميَّة الرَّبَّانيَّة المتوازنة، ولقد نجحت تربيته صلى الله عليه وسلم  في تحقيق أهدافها المرسومة.


اترك تعليق