فروض الكفاية وملامح مشروع حضاري

By :

فروض الكفاية وملامح مشروع حضاري
أ . د مجدي شلش 
قسم الأصوليون الواجب باعتبار الفاعل قسمين: عيني وكفائي، وواضح من التقسيم أن الواجب العيني مطلوب من كل عين أي ذات أو شخص، مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره في العقيدة، والصدق والأمانة والوفاء والحياء والأخوة في الأخلاق، والصلاة والزكاة والصيام والحج في العبادات، وأكل الحلال من الطيبات بالبيع أوالتجارة أو المضاربة أو المشاركة في المعاملات، كل ذلك من فروض الأعيان، الفعل والفاعل معينين، أما الواجب الكفائي فهو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا جازما من فاعل غير معين بذاته، فالمقصود الأول في فرض الكفاية هو تحقيق الفعل بغض النظر عن الفاعل، المهم أن يتحقق الفعل قام به فلان أو علان، أو هذا أو ذاك لا يهم، وكثير من المسلمين لا يعرف من فروض الكفاية إلا صلاة الجنازة فقط، لكن الحقيقة أن فروض الكفاية تمثل الجسم الأكبر من الإسلام، وغالبها يتعلق بالصالح العام للأمة، أو النظام العام الذي لايستغني عنه أي مجتمع، والساعي من الأمة في تحقيق فروض الكفاية له من الأجر والثواب الذي قد يفضل ثواب بعض الواجبات العينية، لأن ما يتعلق بالشأن العام وتحقيق مصالحه ومنافعه التي تعود على الجميع أفضل بلا شك من المصالح الشخصية التي تعود علي الفرد من تحقيق الواجبات العينية، صحيح الكل فرض ومطلوب تحقيقه، لكن الساعي في تحقيق المصالح العامة أفضل بكثير من الساعي في تحقيق المصالح الفردية.
والفروض الكفائية التي طلبها الشارع الحكيم تشكل ملامح لمشروع حضاري إنساني عام، لا تتوقف مصالحه ومنافعه على فئة بعينها بل يتعدى إلى الجميع، ولا أبالغ إذا قلت: إن المشروع الحضاري الإسلامي منافعه ومصالحه تتعدى المسلمين إلى غير المسلمين، فهو رحمة لجميع بني الإنسان على اختلاف شرائعهم ومللهم، بل يستفيد منه الحيوان والنبات والجماد، لأنه منسجم مع الكون المخلوق بيد الله العلى القدير، وكذا منظمومة القيم الحضارية الكفائية من عند الله العليم الخبير، فالخالق والمصدر واحد، فلا تناقض ولا تضاد بين ما فرضه الله سبحاته وتعالى من قيم حضارية وبين مفردات الكون من سماء وأرض وجبال وأنهار وشمس وقمر وإنس وجن وحيوان، بل ينسجم جميع الكون تحت مظلة التشريع المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وخلاصة ما يسعى إليه المشروع الحضاري الإسلامي تحقيق الكفايات المادية والمعنوية التى بها قيام حياة الإنسان، من ضروريات وحاجيات وتحسينيات، واحترام كرامة وحرية وإرادة واختيار الإنسان، هذا على سبيل الإجمال، وتفصيل ذلك نذكر منه بعض الملامح المهمة، وهى:
أولا: منظومة القيم الحضارية المتعلقة بالكسب والمال والعمل، وتحقيق الكفاية لأبناء الأمة فيما تتطلبه الحياة المادية من ملبس ومأكل ومشرب ومسكن ومركب تليق بآدمية الإنسان المكرم من الله سبحانه وتعالى، إذ لم يجد له منذ خلقه إلا الجنة مسكنا ومأكلا ومشربا وملبسا، "إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى" وهذا من غاية التكريم له، لكن آدم عصى ربه فأنزله إلى الأرض كادحا ومكافحا، فحتي يتحقق له بعض ماكان عليه من تكريم كامل، لم يتركه بلا هدى، فقال له: " اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يو القيامة أعمى" 
ولاينكر منصف كم الآيات والأحاديث التي تتعلق بمنظومة التنمية المادية المتعلقة بالنشاط الحضارى الإنسانى من تعمير للكون، سواء أكان بالنشاط الزراعي أو الصناعي أو التجاري أو التقني والإبداعي، والضابط في ذلك " أن كل مايحقق للإنسان الحياة والرفاهية فهو مطلوب شرعا ما لم يكن محرما" ودليل ذلك: أنه شرع الزكاة، وجعلها ركنا من أركان الإسلام، وهى عبادية مالية، تتعلق بذمة الإنسان الغني، بصفته الإنسانية، بغض النظر عن بلوغه وعقله، فهى تتعلق بالمال الذي بلغ نصابا وحال عليه الحول لاغير، وهذا مقصود الشارع منها، أنها تغطى احتياجات شريحة في المجتمع ليست بالعدد القليل" إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله..." فالزكاة تكفي هؤلاء، وباقى المجمتع شرع له وجوب العمل فأحل له البيع والشراء والمضاربة والمرابحة والمزارعة والمشاركة وغير ذلك، التي تغني الناس من فقر، وتطعمهم من جوع.
والإسلام لا يقف بمنظمومته الحضارية الإنسانية عند حد تحقيق الضروريات فقط بل يتعدى ذلك إلى تحقيق الحاجيات التي ترفع عن الإنسان الضيق المادي إلى السعة والغنى، بل ترتفع به الى حد الرفاهية وضابطه في ذلك " كل ماشئت واشرب ما شئت والبس ما شئت ودينك لا تكلمنه " 
وخلا صة القول: أن كل مايتعلق بحياة الإنسان المادية التي تحييه كريما متعففا يكون من فروض الكفاية "
ثانيا: منظومة القيم الحضارية المتعلقة بتحقيق العدل والمساواة بين الناس، العدل روح الحضارة، وميزان تقدمها، والظلم هادم للعمران ، محطم للحضارات، ويأتي علي رأس هذه المنظومة احترام حرية الشعوب في اختيار حكامها، إذ هم مناط تحقيق العدل والمساواة بين الناس، وإقاممة منظومة القضاء على أسس موضوعية حيادية بعيدة كل البعض عن آفات الرشوة والرغبة والمصلحة الشخصية، لا نستطيع أن نحصي عدد النصوص من كتاب وسنة قولية وعملية من كثرتها التي حضت على إقامة العدل والمساواة، فهما مقصد المقاصد، وغاية الغايات، ومنهى آمال الشعوب، وتحقيقهما من فروض الكفايات.
ثالثا: منظومة الأحكام المتعلقة بالعلم والثقافة والمعرفة، أكاد أجزم أنه لا نظير لأى تشريع حث على العلم وشرفه، كما في المنظومة الحضارية الإنسانية الإسلامية، آلاف الآيات والأحاديث والأقوال المأثورة عن سلفنا الصالح تجعل من المعرفة والتفقه والتعلم شرفا وتاجا للإنسان، والعلم والمعرفة الأصل فيهما أنهما من فروض الكفاية، تحيا بهما الأمم، وتموت بعدمهما.
رابعا: منظومة الأحكام المتعلقة بالقوة والحماية والدفاع عن الدين والنفس والمال والعقل والعرض والأرض، فالأصل في الجهاد أنه فرض كفاية، لا يجب إلا على البالغ العاقل الحر القادر علي الدفاع والجهاد،

خامسا: منظومة الأحكام المتعلقة بحماية المجتمع من الآفات والسلبيات، فشرع لذلك الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأصل فيها أنها فرض كفاية.
وفي نهاية المقال أقول: إن كل هذه الأحكام الأمة مكلفة بإقامتها، حتى يحيا الإنسان حياة كريمة، ولكل مسلم أن يختار ما يناسبه من هذه الأحكام، المهم إلا يترك فراغا للعدو يدخل منه.


اترك تعليق