متى يقبل الصوم؟

By :

متى يقبل الصوم؟ 
فضيلة الشيخ محمد الغزالي
الأساس فى أعمال المسلم كلها أن يقصد بها وجه الله، وأن يرجو منها ثواب الآخرة، فما معنى قول الله فى حديثه القدسى: " الصوم لى وأنا أجزى به "؟ . 
قال العلماء: إن الصوم امتناع عن رغبات معينة، والامتناع عمل سلبى لا صورة له يظهر فيها، إنه ترك شهوات معروفة، والترك قد يكون تلبية لأمر الله، وقد يكون تقليدا لما يفعل الناس، وقد يقترن به من الشراسة ما يحبط الأجر، وعند بعض الرهبان والزهاد قد يكون تساميا شخصيا بالإرادة ومرانا على قوة العزيمة وقهر الجسد!!
لكن الصوم المقبول حقا هو أن يكبت المؤمن رغباته طالبا مرضاة الله، وسعيدا بطاعته إذ نزل على إرادته...! ولذلك جاء فى رواية البخارى ".. يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلى"!
إن الصوم هنا ذكر عملى لله وجهاد نفسى للقرب منه، وتغليب لأشواق الروح على مطالب الجسم، ونزوع إلى السماء حين يخلد البعض إلى الأرض، وهزيمة لمنطق المادة الذى يصبغ الحضارة المعاصرة ويدفع الجماهير إلى عبادة الذات والملذات..
ومعنى هذا أن الصوم ليس ترك الأكل والشرب وحسب! كلا فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليمس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه ". وقوله "الصيام جنة ـ يعنى وقاية من الإسفاف ـ فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سائه أحد أو قاتله فليقل إنى صائم إنى صائم " .
إن الرغبة فى الانتقام واقتصاص المرء ممن أساء إليه قد تكون شديدة لاسيما عند ذوى الكرامة والمهابة، فليكظم المؤمن غيظه وليؤثر ربه وآخرته، لقد انتصر على شهوة الطعام فلينتصر على شهوة الانتقام! 
وعندى أن الكذب والغيبة يبطلان الصوم، فهل الكاذب يقضى اليوم الذى كذب فيه، وكذلك المغتاب؟ يقول بذلك فقهاء الظاهر!
ولكن الأئمة يقولون إن أجره ضاع، وليس عليه قضاء! ووددت لو شددنا النكير على المفترين ومستبيحى الأعراض حتى تنقطع جراءتهم على الشهر العظيم ويحسنوا مهابته.
إن لرمضان فى حياة أمتنا وتاريخها مكانة ينبغى أن تعرف. فهو العلاقة الروحية الباقية بين الله وخلقه، فيه نزل القرآن الكريم وفيه تتكرر مدارسته، وتستحب تلاوته ويضار الليل بقيامه، وفيه تتأكد وحدة الأمة الإسلامية حين تفطر كلها بعد غروب الشمس، وتستعد بالسحور لصيام النهار، ورمضان فى تاريخنا شهر ذكريات عسكرية تمتد من السلف الأول إلى هذا العصر، وأحسب أن إطلاق المدافع فيه عند الفطور وعند السحور إيماء إلى هذا التاريخ المكافح المحامى عن الحق.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت أمتى فى شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبى قبلى. 
1- أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان ينظر الله عز وجل إليهم. ومن نظر الله إليه- أى نظرة حبا لاستعداده ونشاطه- لم يعذبه أبدا..!. 
2- وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك- فتغير رائحة الفم من الجوع مستحبة عند الله، وعرق العامل أشرف من طيب العاطل!
3- وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم كل يوم وليلة، أى أن ملائكة الرحمة تحفهم داعية لهم بالمغفرة، والله سبحانه يستجيب دعاء ملائكته.
4- وأما الرابعة فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها: استعدى وتزينى لعبادى!، أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى دارى وكرامتى. 
5- وأما الخامسة، فإنه إذا كان آخر ليلة كفر الله لهم جميعا! فقال رجل من القوم أهى ليلة القدر؟ قال: لا! ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم ". 
ومغفرة الذنوب تعنى أمرين، الأول التجاوز عنها فى الآخرة. والثانى محو نكتها السوداء فى القلب الإنسانى، فيعود أبيض نقيا، والمؤمن يشعر بذلك المحو فى نهاية الشهر بقوة اتجاهه إلى الله وحسن إقباله عليه.
نسأل الله صياما وقياما مقبولين مباركين.


اترك تعليق