الشيخ السيد أحمد صقر

By :

الشيخ السيد أحمد صقر
 (1335 - 1410ه = 1915 - 1989م)

في يوم السبت 3 من شهر جمادى الآخر، 1410ه، الموافق 2 ديسمبر من عام 1989م، توفي المحدث اللغوي المحقق الناقد، الباحث الدؤوب، الشيخ سيد أحمد صقر.

وبعضهم يظن أن اسمه (أحمد) وأن (السيد) من صفته. وقد بعُد عن الصواب من ظن هذا. فهو سيد، اسمًا وصفة. وأما (أحمد) فاسم أبيه، العالم الجليل الشيخ أحمد محمد صقر، الأستاذ بكلية أصول الدين، وقد عاصرته بها، وإن لم أسعد بتدريسه لي.

وُلِدَ السيد أحمد صقر في عام 1334هـ / 1915م، في قريةِ (صَفْط تراب)، قريتي العزيزة عليَّ، فهو بلديي وابن قريتي، وبين عائلتينا مصاهرة، فكان كانت عمته متزوجة من ابن عمتي الأكبر.

وقد حفظ السيد القرآن ودخل معاهد الأزهر، ثم كلية اللغة العربية، ولم يكتف بما يكتفي به بعض الناس، وهو التدريس، والحصول على الراتب آخر الشهر، بل اشتغل بالقراءة في كتب العربية، وما أكثرها! وأصبح لديه ولع بها، وبالعمل على إخراجها، وتحقيقها ونشرها، ورأيت له بعض مقالات رصينة في مجلة (الأزهر)، وهو من أقدر الناس على تقديم الكتب، وتقويم النص، وتوثيق النقل، وتخريج شاهد، واستقصاء خبر، وكيف لا، وهو من كبار علماء العربية؟ 

بدء اشتغاله بالتراث:

بدأ الأستاذ سيد باشتغاله بالتراث في مطلع شبابه، حين حقق وشرح ديوان (علقمة بن عَبَدة)، عام 1353هـ = 1935م، وكان طالبًا في الثانوي بالأزهر الشريف، وهذا يدل على نبوغ مبكر.

كان إنتاج السيد أحمد صقر في ميدانين اثنين من ميادين العلم، الأول: تحقيق النصوص التراثية ونشرها، والثاني: كتابة بعض المقالات النقدية لطائفة من كتب التراث، وفي كلا المجالين ظهر علمه الغزير، وثقافته الواسعة، وبصره بعلوم الشريعة والتاريخ واللغة، كتابًا وسُنَّة، وتفسيرًا وفقهًا، وأصولًا وتاريخًا، وأدبًا ونحوًا، حتى إنه كان كثيرًا ما يردد في محاضراته عبارته الطريفة: (لستُ محدِّثًا ولا مفسِّرًا ولا فقيهًا، ولكنني أخرِّج المحدِّث والمفسِّر والفقيهَ).

ثناء العلماء عليه:

وقد صاحب الشيخ رحمه الله جمهرة من العلماء والأدباء والنُقاد منهم: 

1- العلامة محمد الخضر حسين، شيخ الأزهر، وكتب له تقريظًا على شرحه لديوان علقمة، بعد أن أطلعه عليه في مجلة (الهداية الإسلامية)، كان مما قاله فيه: (عُنِي حضرة الشاب الأديب الفاضل الشيخ السيد أحمد صقر بالبحث عن شعر علقمة الفحل، فجمعه في ديوان، وتناوله بشرح موجز نفيس، وصدره بمقدمة في تاريخ حياة ذلك الشاعر، وآراء الأدباء في شعره، وقد اطلَعنا عليه، فرأيناه شاهد صدق على ألمعية المؤلف، وحُسْن بيانه، فنشكر حضرته على الجمع والتحرير والطبع، ونحث أهل العلم على اقتناء هذا الكتاب العامر بالفوائد اللغوية والأدبية)( ).

2- يقول الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر عنه: (والأستاذ الأديب السيد أحمد صقر مني بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معي، وعرفته وعرفني، وتأدبنا بأدب واحد في العلم والبحث، وفي فقه المسائل، والحرص على التقصي ما استطعنا، وإن له مدى مديدًا في الاطلاع والتقصي، وَنَفَذات صادقة في الدقائق والمُعضلات، يندر أن توجدَ في أنداده؛ بل في كثير من شيوخه وأساتذته، وهو أنفذ بصرًا مني في الشعر وما إليه)( ).

3- ويقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في تصديره لكتاب (معرفة السنن والآثار)؛ للبيهقي بتحقيق السيد أحمد صقر: (وقد قام الأستاذ السيد أحمد صقر، بتحقيق هذا الكتاب تحقيقًا علميا بارعًا، وعلق عليه، وخَرج أحاديثه تخريجًا دَل على مهارة ونبوغ في هذه البَابَة، والأستاذ معروف لكل أعضاء لجنة (إحياء أمهات كتب السنة) معرفة زمالة وخبرة، وكلهم- والحمد لله- مِن أبنائي البَرَرة في طلب العلم، فوق أنه مشهور في أنحاء العالم العربي بالتفوق في تحقيقه، فما من حاجة بنا إلى الحديث عنه، والله تعالى نسأل أن يجزيه خيرًا، وأن ينفعَ بهذا العمل، إنه  سبحانه سميع الدعاء".

وصية الشيخ لمن يعمل بالتراث:

كان رحمه الله إذا استنصحه أحد في أن الاشتغال بتحقيق كتب التراث، طلب منه الأستاذ سيد: وجوب التضلع من مجمل العلوم العربية والشرعية، التي ينبغي أن يتحلى بها المتصدي لقراءة وتصحيح كتب التراث، واستفراغ الوسع في جلب نُسَخِ الكتاب، أينما وُجِدت في مكتبات العالم، وعدم الاستعجال. وكان دائمًا ما يتمثل بما ذكره في خاتمة مقدمته لكتاب (الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري) للآمدي، حيث قال: (وإني- على نَهجي الذي انتهجتُ منذ أول كتابٍ نشرتُ- أدعو النُقَّاد إلى إظهاري على أوْهامي فيها، وتَبْيينِ ما دَقَّ عن فهمي من معانيها، أو نَدَّ عن نظري من مَبَانِيها، وفاءً بحق العِلْمِ عليهم، وأداءً لحق النصيحة فيه، لأبلُغ بالكتاب فيما يُستَأنَف من الزمان أمثل ما أستطيع من الصحة والإتقان. والنشرُ فَنٌّ خَفِيُّ المسالك، عظيمُ المزالق، جمُّ المصاعب، كثيرُ المضايق، وشواغلُ الفكر فيه متواترة، ومَتَاعِبُ البال وافرة، ومُبهِظاتُ العقل( ) غامرة، وجهود الفرد في مضماره قاصرة، يؤودُها حفظ الصواب، في سائر نصوص الكتاب، وُيعجزها ضبط شوارد الأخطاء، ورَجْعُها جميعًا إلى أصلها، فيأتي الناقد وهو موفور الْجَمَامِ، فيقصد قصدها، ويسهل عليه قَنْصها، ومن أجل ذلك قلتُ- وما أزالُ أقول-: إنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون ناشريها بذكر ما يراه فيها من أخطاء، لتخلص من شوائب التحريف والتصحيف الذي مُنِيَت به، وتخرُج للناس- صحيحة كاملة، والله ولي التوفيق( ).

 وظائفه وأعماله:

عمل بعد تخرجه مدرسًا للأدب العربي بالمعاهد الأزهرية، وانتدب في وقت من الأوقات لإحدى المدارس الأجنبية بالقاهرة؛ كمدرسة اللِّيسِيه الفرنسية

وبعد أن ذاعت شهرته في تحقيق التراث، عُيِّن مدرسًا بكلية أصول الدين بالأزهر، وقد عُيِّن خبيرًا بوزارة الثقافة والإعلام، ثم بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، برئاسة فضيلة العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد، وانتقل إلى العمل في الكويت، واستمر هناك ثلاث سنوات، ثم عاد بعدها إلى مصر، ولما عاد إلى مصر، جعلوه مدرسًا للمرحلة الابتدائية! وظل كذلك حتى تولى الشيخ عبد الرحمن بيصار مشيخة الأزهر، فساهم مساهمة متأخرة في ترقية السيد أحمد صقر، فجعله أمينًا عامًّا مساعدًا لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر. وبعد ذلك ذهب إلى المملكة العربية السعودية، واستمر بها عشر سنوات تقريبًا، وقد عومل هناك وظيفيًّا تحت بند (كفاءات نادرة)، وهو بند يَعتمد في التقويم على الشهرة والمكانة في العلم، وليس على الشهادة، وكان له جهودٌ كبيرةٌ هناك في الدراسات العليا، وأشرف على عدة رسائل ماجستير ودكتوراه.

مساعدته لتلاميذه:

وكان أحد تلاميذه إذا وقف الساعات الطوَال أمام لفظة أو جملة، يقتدح لها زناد الرأي، ويقلبُ وجوه النظَر، ثم يقف حائرًا وقد استعجمتْ عليه دَلالات الألفاظ، وتنَكرت له معاني الحروف، فكان هذا يُحْزِنُه، وَيشُق عليه، فيلتجئ إلى أستاذه البار العَطُوف سَيد أحمد صقر يستعين به- بعد الله سبحانه وتعالي- فيما التبس عليه من وجه الصواب، فيرشِدُه- رحمةُ الله عليه- إلى معالِمِ الطريق، ويدله على مَقْطَع الحق، وفَصْل الخطاب، فجزاه الله خير الجزاء، عما قدم له ولجيله، كله من توجيه ورعاية وإرشاد، وجعل كل ذلك في موازينه، يوم تجد كل نفس ما عملت من خيرِ مُحضَرًا. 

تحقيقاته:

في علوم القرآن الكريم:

1 - إعجاز القرآن، للباقلاني: مجلد واحد، دار المعارف بمصر، 1374هـ / 1954م، وطُبِع مرارًا.

2 - تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (شرح وتحقيق): مجلد واحد، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1373هـ / 1954م، وصُور بعد ذلك مرارًا.

3 - تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة (شرح وتحقيق): مجلد واحد، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1378هـ / 1958م، وصُور بعد ذلك مرارًا.

4 - أسباب النزول، للواحدي: مجلد واحد، دار الكتاب الجديد، 1389هـ / 1969م، وطُبِع مرارًا.

وفي علوم السنة النبوية:

1 - فتح الباري، لابن حجر (تعليق): ثلاثة مجلدات (لم يتم)، دار الكتاب الجديد، 1389هـ.

2 - الإلماع، للقاضي عياض: مجلد واحد، مكتبة دار التراث، 1389هـ / 1970م، وطبع أكثر من مرة.

3 - دلائل النبوة، للبيهقي: مجلد واحد (لم يتم)، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، 1389هـ / 1970م.

4 - معرفة السنن والآثار، للبيهقي: مجلد واحد (لم يتم)، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1390هـ / 1970م.

5 - مناقب الشافعي، للبيهقي: مجلدان، مكتبة دار التراث، 1391هـ / 1971م.

6 - شرح السنة، للبغوي: مجلد واحد (لم يتم)، مطبعة دار الكتب، 1396هـ / 1976م.

في اللغة والأدب والشعر:

1 - جمع وشرح ديوان علقمة الفحل: مجلد واحد، مطبعة المحمودية بالقاهرة، 1353هـ / 1935م.

2 - مَقَاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصبهاني (شرح وتحقيق): مجلد واحد، 1368هـ / 1949م.

3 - الهوامل والشوامل، لأبي حيان التوحيدي ومسكويه: مجلد واحد، لجنة التأليف والترجمة والنشر بوزارة الثقافة، 1370هـ / 1951م.

4 - البصائر والذخائر، لأبي حيان: مجلد واحد (لم يتم)، لجنة التأليف والترجمة والنشر بوزارة الثقافة، 1373هـ / 1953م.

5 - الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، للآمدي: مجلدان (لم يتم)، دار المعارف بمصر، 1379هـ / 1960م.

6 - الصاحبي، لابن فارس: مجلد واحد، طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر، 1397هـ / 1977م.

صلتي بالشيخ السيد:

عرفت الشيخ السيد أول مرة حين زار قريتنا صفط تراب, وخطب فيها خطبة جمعة، هي الخطبة الوحيدة, ولكني لم ألقه في تلك الزيارة, فقد كنت صغيرًا نسبيًّا, ولم يبق هو بعدها مدة في البلد, كما كان يفعل والده الشيخ أحمد صقر, الذي كان يحبه الناس, وينصتون لقراءته الخاشعة الجميلة للقرآن الكريم, ويستمعون لخطبه ومواعظه.

ولكن عرفته وزرته واتصلت به بعد أن تخرجت واعتُقلت, وبدأت أؤلف وأكتب, واجتهدت أن أتعرف عليه, وأستفيد منه, واسمح لنصائحه في العلم والقرآن, وأهدي إليه من بضاعتي المزجاة, ولكن الرجل رحب بي كثيرا, وعاتبني على أنه لم يرني من قبل, مع ما بيننا من وشائج القربى والمصاهرة، فضلا عن وشائح العلم, وهو رحم بين أهله.

وقلت له: تعلم أن حياتي كان فيها أحداث مريرة, حالت بيني وبينك. فالحمد لله قد انفكَّ الطوقُ, وأصبح الدرب معروفًا لنا.

وأذكر أني أهديت إليه بعض كتبي في ذلك الوقت, وقد سُرَّ بها, وشجَّعني على الاستمرار, والحصول على ما أقصى ما أستطيع من الدرجات العلمية.

وقد أهداني بعض ما كان عنده مما أخرجه من كتب ابن قتيبة الدينوري, وكذلك كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الرج الأصبهاني، وأوصاني ألا أنقطع عنه, وأن يرى كل ما يصدر لي من كتب.

كان الشيخ يسكن في شارع محمد علي, الذي يبتدئ من ميدان العتبة, إلى ميدان القلعة, وظل فيه سنين طويلة, حتى انتقل منه أخيرًا إلى بيت لم يتهيَّأ لي أن أزوره فيه.

 سافرت بعدها إلى قطر, وبقيت عدة سنوات, ثم حدثت أحداث للإخوان في مصر, وأصابت بعض من كان في الخارج, ولكن الله عافاني من النزول في ذلك الوقت، ونجوت من هذه المحنة.

ولكني لقيت في هذه الفترة أخانا وأستاذنا الشيخ السيد في مقره في مكة المكرمة, حين ذهب للتعاقد مع السعودية, التي عرفت له مكانته العلمية، وتمكنه من التراث وتحقيقه, وأعطوه حقه, كما أعطوا ذلك لكثير من العلماء المعروفين, مثل الشيخ الغزالي, والشيخ سيد سابق, والأستاذ محمد قطب, وغيرهم ممن لا يحملون دكتوراه, ولكن شهد العلماء والأدباء والناس سبق علمهم وفضلهم, وقدرتهم على إفادة الطلاب النابهين, وعلى توسيع دائرة العلم في المملكة.

كان الشيخ يقيم في هذه السنوات التي اكتملت عشرًا, في فندق (الفتح) القريب من الحرم المكي, يأخذ فيه جناحًا كبيرًا, يقيم فيه مكتبته ومكتبه وحجرة نومه, وقد زرته فيه أكثر من مرة, ووجدته يدرس لطلابه, ويشرف على رسائلهم, ويتدارس ويتناقش معهم, ويعمل لخدمة كتبه التي لا يشغله عنها شاغل, ووجدته سعيدًا بعمله, وسعيدًا بملاقاته بالطلاب, وبالزملاء, وبالرؤساء, وكانت علاقته بهم طيبة, كما عرفت ذلك من بعض الطلاب، ومن بعض المشايخ.

ومع هذا, فهو رجل ناصح أمين, يقول الحق, ولكن بأناة وحكمة, ويبلغهم ما يجب بلا تطاول ولا انتفاخ.

ومن اللطائف التي سمعتها منه، وكذلك من الشيخ الغزالي: أن أحد المشايخ هناك استدلَّ بحديث ضعيف, يروج عند بعض الناس, فقال الشيخ الغزالي للشيخ سيد: أليس هذا الحديث ضعيفًا يا شيخ سيد؟ قال: نعم, يا شيخ غزالي, ولكن قواه الريال السعودي!

عندما عدت إلى القاهرة بعد موت عبد الناصر, وحصلت على الدكتوراه من كلية أصول الدين سنة 1973م, زرته في بيته, وفي سنة 1974م دعاني الأستاذ أحمد فراج- مقدم البرنامج الديني الشهير (نور على نور)، والذي قدم فيه الشيخ الشعراوي- إلى أن أشارك ببعض الحلقات في البرنامج, واختار أن أقدم هذه الحلقات عن (الزكاة)، ورحبت بذلك, وقدَّمتها في صيف 1974م, ونالت هذه الحلقات استحسًانا من الناس, وقالوا لأحمد فراج: لماذا تحرموننا من هؤلاء العلماء؟

المهم أني زرت بعدها الشيخ السيد، وأثنى على حلقاتي في البرنامج, وتمنى أن يتكرر هذا, ولكنه أنكر عليَّ النظارة التي كنت ألبسها, فهي سميكة سوداء, لا تكاد تُرى عين الإنسان منها. قال: من يراك يظنك مكفوفًا، مع أنك سليم البصر بحمد الله, أرجوك ألا تلبس هذه النظارة. وكانت هذه نصيحة خالصة, وقد نظرت لنفسي وتعجبت! كيف قبلت أن أظهر في هذه الصورة العجيبة؟ فالحمد لله قد ألقيت هذه النظارة, وشكرت للشيخ السيد.


اترك تعليق