الإرادة في القرآن الكريم الحلقة (3و4/5)

By : د. زغلول النجار

ج– وتبقى إرادة الله غالبة:

فالإنسان يتحرك في هذه الحياة الدنيا في دائرتين من دوائر الإرادة اولهما إرادته هو التي سيحاسب عليها، وثانيتهما هي إرادة الله الغالبة والتي لا يحاسب عليها، وعلى ذلك فالإنسان مسير بإرادة الله ومخير بإرادته هو.

وكلما قويت علاقة العبد بربه كلما قويت إرادته. وعلى ذلك فإن الإرادة الحرة للإنسان هي نعمة من نعم الله تعالى عليه وإن كانت في نفس الوقت مسئولية كبيرة أمام الله. فسعادة الفرد من بني آدم في الدنيا والآخرة منوطة بإرادته.

ومن إرادة الله "الابتلاءات" التي قد يصيب بها بعض عباده المكلفين، ومن أهدافها تقوية الإرادة في العبد المبتلى، وتذكيره بحاجته إلى ربه. والأصل في المسلم ألا يطلب البلاء، ولكن إذا نزل به فإنه لا يملك حياله إلا الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره. ومن فوائد الابتلاء تحقيق العبودية لله رب العالمين، فإن كثيراً من الناس هم عبيدٌ لأهوائهم، وأن أعلنوا عبوديتهم لله. وفي ذلكآ يقول الله تعالى:

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (الحج:11).

وفي الابتلاء إعداد للمؤمنين من أجل التمكين في الأرض، وفيه أيضا كفارة للذنوب، لقول النبي صل الله عليه وسلم: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه، وولده ، وماله ، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" (الترمذي).

وقَولَه: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (الترمذي).

ويقولَ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً".

العوامل المؤثرة في تقوية الإرادة الإنسانية:

1-الإيمان الصادق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.

وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ} (الذاريات:56-58).

ويقول: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (آل عمران:101).

- {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} آ (المائدة:16).

- {...قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} (الرعد:27).

ويقول الرسول صل الله عليه وسلم: ”من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين“ (متفق عليه).

لذا كان السبيل الأول لتكوين الإرادة هو تقوية عناصر الإيمان بالله، ومعايشة هذا الإيمان حتى يكون حقيقة تنطلق من المعرفة إلى السلوك الذي يجسد وصية رسول الله صل الله عليه وسلم التي يقول فيها: ”الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

لذا كان السبيل الأول لتكوين الإرادة هو تقوية عناصر الإيمان بالله، ومعايشة هذا الإيمان حتى يكون حقيقة تنطلق من المعرفة إلى السلوك الذي يجسد وصية رسول الله صل الله عليه وسلم التي يقول فيها: ”ألإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

ولا شك أن التدريب العملي في مقاومة أهواء النفس ومخالفتها، وإلزامها طاعة الله لزوم الحق، كل ذلك يساعد على تقوية الإرادة، فالأجر على قدر المشقة، ومن يطالع دواوين السنة يرى الكم الكبير من الآثار التي تقوي إرادة المسلم، فالعبادات اليومية، وتقوية ذلك بنظام وانتظام يقوي الإرادة، ولا تخفى علينا كذلك آثار ذكر الله تعالى، فهو مدد روحي ينير القلب والعقل ويمد صاحب الإرادة الخيرة بما يثبته إذا أحاطت به الشدائد، فالله تعالى يوصي جنوده بقوله:

- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الأنفال: 45).

2 - الحرص على كسب العلم النافع:

فكلما زاد علم الإنسان القائم على أساس من الإيمان بالله قويت إرادته وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى:

- {يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (البقرة:269).

- {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (آل عمران:18).

-{...وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} (النساء:113).

- {...وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} (طه:114).

- {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (الزمر:9).

- {...يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ...} (امجادلة:11).

ويقول الرسول صل الله عليه وسلم:

-"مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ..." (مسلم).

3- العمل الصالح: وفي مقدمته الالتزام بالعبادات المفروضة وأولها الصلاة والصوم لأن الصلاة تذكر العبد بمعية الله وهي من أهم وسائل تقوية الإرادة في الإنسان، وكذلك الصوم الذي يعتبر وسيلة رائدة في تقوية إرادته. فقد أثبتت دراسات علم النفس عند غير المسلمين ضرورة أن يتدرب الإنسان – ولو لفترات محددة – على حرمان نفسه طواعية واختيارا من العديد من رغائبها وشهواتها كأسلوب من أساليب تهذيب هذه النفس وتربيتها على تقوية إرادتها وضبط سلوكها أمام العديد من الشهوات والغرائز والانفعالات التي يتعرض لها الإنسان في هذه الحياة. وكلما زادت قدرة الإنسان في ذلك كلما ارتقى في سلم الإنسانية إلى مقامات متسامية في السلوك، والفهم، والحكم على الأشياء. وعلى النقيض من ذلك فإن الإفراط في إشباع الشهوات، وفي تكديس الاختيارات يؤدي بالإنسان إلى حالة من عدم القناعة تنتهي به إلى الاكتئاب، والشعور بالتعاسة، والإحباط المفضيان إلى العديد من الأمراض النفسية لأن غالبية الناس لا يعرفون وسيلة لضبط شهواتهم، وللتقليل من نهم رغائبهم، وشره أطماعهم في هذه الحياة الدنيا (باري شفارتز2004). وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى:

{مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً* وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} (الإسراء:19).

ويقول الرسول صل الله عليه وسلم: “من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قليه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له“ (الترمذي).

ومن العمل الصالح الالتزام بتقوى الله والاستقامة على منهجه والتقرب إليه بالطاعات:

وفي ذلك يقول الله تعالى:

- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} (الأنفال:29).

ويقول رسول الله صل الله عليه وسلم: ”استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن“ (أحمد).

وقال: “لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه“ (أحمد).

وقال: ”اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا إذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم“ (الترمذي).

وقال: ”اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن“ (أحمد).

وفي ذلك يروى عن سفيان الثقفي قوله: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: ” قل آمنت بالله ثم استقم“ (صحيح مسلم).

ومن العمل الصالح حسن استشعار أمانة المسئولية أمام الله وأمام الناس، وإتقان العمل، والإحسان إلى الخلق قدر الاستطاعة، وهذه كلها من محصلات الإيمان الصادق والعلم النافع، ولا يتم تحقيقها إلا بالإرادة القوية.


اترك تعليق