ما تزال المنظومة التربوية تعاني

By :

من يتتبع ما يجري في مدارسنا وجامعاتنا وخاصة ما يحدث في البليدة وتيزي وزو وبجاية يأسف من هذا الضياع للدراسة، والاضطراب، وما يقع من جدال لا ينتهي إلى ما يرضي أطرافه المختلفة.

 

ويبدو لبعض الأطراف أن المسألة تحل بالقوة والتهديد، وفرض ما يرونه، وهذا سبيل لا يرضاه العقلاء وخاصة في مجال التربية والتعليم، وميدان الثقافة التي يفترض في أهلها الاتزان ومراعاة المصلحة العامة.

 

إن اللجوء إلى الحوار الجاد الهادئ هو السبيل الصحيح الذي به تحل المشكلات، ويصل فيه المتحاورون إلى ما يرضي أما الذي نراه ونسمعه فإنه لا يؤدي إلا إلى أبواب مغلقة مسدودة، لا سبيل إلى فتحها.

 

إن وضع المعلم يحتاج إلى العناية به لا بمجرد القانون والمحاكم، وإصدار الأحكام، ولا بالجمود على بعض القوانين وإنما النظر السديد، ودرس المعطيات التي تحيط اليوم بالتعليم، وما يعانيه من انخفاض مستواه ومردوده، وما يدخل على المنظومة التربوية من تغييرات جزئية مفاجئة دون نظر كلي لحقل التربية، وما يحدث من تجديد قائم على علم وعلى نظريات جديدة، ووسائل محدثة فعالة أما أن يوكل ذلك إلى من لا يأخذ هذا كله بالاعتبار، ولا يراعي وضعية المعلم والتلميذ والأسرة والمجتمع ولا يرجع الأمر إلى المتخصصين والخبراء الذين لهم دراية، بأوضاعنا وواقعنا فإننا نقع فيما لا تحمد عقباه من هذا الذي نراه اليوم، وهذا الوضع ما يزال يسوء ويؤدي إلى التضحية بأولادنا ومعلمينا وأسرنا وبالتربية ذاتها، وأكثر من ذلك ضياع جيل في عصر يتقدم فيه العلم، ومناهج التربية الفعالة التي تصنع رجالا ونساء يفكرون ويبدعون ويرفعون من مستوى أمتهم الحضاري، للتخلص من التخلف الذي لا طريق له إلا المنظومة التربوية القائمة على الدرس والواقع وما يستجد من معارف ترقى بها، ولابد أن يراعى فيها المعلم وحقوقه وقيمته واحترامه فهو ركن ركين في عملية صياغة عقول أبنائنا، وهويتهم الثقافية واتجاههم العلمي، والعناية بتكوينه وتدريبه ليكتسب خبرة عالية تؤهله للقيام برسالته التربوية، ويشعر بوجوده وقيمته وقيمة عمله وقداسته، وأن يسمح لكلمته أن تسمع وتدرس.

 

وكذلك طرف النقابة التي من شأنها أن تدافع عن المعلمين وحقوقهم المشروعة وعن المنظومة التربوية، وأن لا يكون همها الأكبر الأجور، وإن كان هذا مشروعا ولكن لا يقتصر الاهتمام بها وحدها، وأن يراعى في ذلك الوضع العام في البلاد وما يعانيه الاقتصاد، وحق الناس جميعا أن يشتكوا من هذا الغلاء الذي يسود البلاد، والتضخم الذي نعانيه جميعا.

 

ومن الضروري أن يحصل توازن بين مختلف الوظائف في البلاد، وأن تدرس وضعية المعلمين دراسة جدية وما تطالب به النقابات ليوضع ذلك كله موضع حوار واقعي أما أن يتعرض المحتجون إلى الضرب والطرد وإلى العنف، فهذا أمر غير معقول، ولا يؤدي إلى حل المشكلات بقدر ما يؤدي إلى تأجيج الوضع وضياع الجهود، وضياع الأطفال في مدارسهم، ويضعف مستوى التعليم فإن أسبوعا دراسيا يؤخذ من العطلة لا نتيجة له معتبرة، ولا يكفي. كما نسمع بعض المسؤولين يطرحه كأنه حل لهذا الضياع الطويل للدراسة التي ربما تؤدي إلى عام أبيض أو أسود إن شئت.

 

ونحن ننادي بتكوين هيئة وطنية للتربية والتكوين لوضع ميثاق وطني في هذا المجال وأن يجدد قانون التوجيه وأن لا يوكل الأمر إلى وزارة التربية وحدها أو إلى فئة معينة تحتكر الأمر وتتصرف بدون معيار وطني واضح وتوجيه عام يشترك فيه المجتمع مع المختصين والخبراء وما يسمى بدمقراطية التعليم ينبغي أن يؤخذ بمنظار جديد، ونظر علمي كلي يراعي الواقع والمستقبل.

 

إننا وضعنا تقريرا في إطار جمعية العلماء يعالج ما ألف من كتب مدرسية، ووجهناه إلى وزارة التربية وإلى المسؤولين ولكن لم ترد إلى الجمعية كلمة واحدة مع أن الوزارة كانت قد رحبت بأي دراسة أو نقد في هذا المجال.

 

إن هذا الإصرار على الأخذ برأي واحد يفرض على المنظومة التربوية أمر لا يسمح به وليس في صالح هذه المنظومة التي هي منظومة اجتماعية مشتركة، تخدم قيم المجتمع وثقافته وتاريخه وتوجيه مستقبله، وبهذا فإن هذه المنظومة تحتاج اليوم إلى تجديد حقيقي في المناهج والوسائل وتجديد تكوين المتعلمين حتى لا يقدم على تعليم أطفالنا من لا خبرة له ولا تكوين فيصبح عامل إفساد للتعليم وتخريبه، وتُغَيَّب ترقيته وفعاليته.

 

حان الوقت لتكوين المعلم تكوينا يراعي ما عليه التعليم اليوم في العالم، وما عليه مجتمعنا لترقيته وتقدمه فإن قاطرة التقدم هو التكوين والبحث العلمي والاختراع.


اترك تعليق