الدكتور سلمان العودة أسَدٌ خلف القضبان

By : عامر الخميسي

في عُمق نومي البارحة رأيت الدكتور سلمان العودة وهو يلقي علي ّبيتين من الشعر وكانت في رثاء ولده عبدالرحمن الذي توفي وهو في السجن .......

سمعته يقول:

*وداعاحبيبي لا لقاء إلى الحشرِ وإن كان في قلبي عليك لظى الجمرِ..... تراءاك عيني في السرير موسدا على وجهك المكدوم أوسمة الطهرِ*ِ

 

قمت من نومي وأنا أردد البيتين ولم تكن قراءتي للقصيدة إلا قراءة عابرة حينما كنت طالبا في الجامعة قبل سبع سنوات تقريبا...

سلمان العودة العالم النجدي الوحيد الذي أندفع في الحديث عنه اندفاعا بدون شعور ..

حينما أتحدث عنه لا أحتاج أن أستأذن مشاعري أو ألملم أفكاري أو أرتب أوراقي..

تعرفت عليه أول مرة حينما وضع والدي كتابا له ضمن مكتبتنا العامرة وكان بعنوان" جلسة على الرصيف" -إن لم تخني الذاكرة- قبل ثمانية عشر سنة تقريبا حينما درجت في الابتدائية..

وكان ذلك اللقاء ممتعا كما قال نزار:

*في مدخل الزهراء كان لقاؤنا.....ما أجمل اللقيا بلا ميعادِ*ِ

 

ثم بعد ذلك كنت في دار القرآن بعاهم فدلفت إلى المكتبة أول افتتاحها فوقعت يدي على كتاب" الغربة" وهو من بواكير مؤلفاته فانهمكت به فرآني الشيخ أحمد القاضي- برد الله مضجعه- فنظر باستغراب إلى فتى في الصف الثامن وقال: هذا الكتاب لا يقرأه إلا الكبار..هل تفهم مافيه؟..

قلتُ نعم..وإن لم أفهم سأحاول ..

ابتسم الشيخ واندفع بدون شعور يتحدث عن الدكتور سلمان العودة..وكأنه كان صديقا له في يوم من الدهر..

كنت قبل عشرة أيام في ضيافة أحد تجار العُود قريبا من ضفاف نهر النيل برفقة أحد النبلاء وقد زرناه زيارة عابرة لمدة لا تتجاوز عشر دقائق ..

أول ما دخلت..رأيت كتاب" زنزانة" فاحتضنت الكتاب احتضان العاشق المغرم الولهان..وكأني عثرت على كنز كنت أبحث عنه من زمن بعيد..

كان صديقي يتحدث وأنا أقلب صفحات الكتاب ولم أتردد لحظة في استعارته...وفي خلال أربع وعشرين ساعة أتممت الكتاب.. ثم عرفت بعد ذلك أن الكتاب ضمن الكتب التي دخلت قائمة الحظر  وهو ممنوع تداوله وطباعته في أكثر دول الخليج..مع أنه كتاب ممتع شيّق ولم يحرّض فيه على دولة، ولم يهجُ فيه سلطان..

أجد نفسي متلهفا لكل ما يكتب، فكتاباته أشبه بروضة غناء تصدح فيها الأطيار، وتتمايل فيها الأزهار، وتحار فيها الأنظار.

نفحاته الأدبية القصيرة التي يتابعها على تويتر أكثر من 14 مليون متابع هي نتاج لتلك الجهود التي تكللت بالنجاح منذ الصبا فقد حفظ في صباه مئات القصائد لشعراء الجاهلية وصدر الإسلام..وصولا للشعر الحاضر الذي دوما يردد فيه قصائد عصام العطار.

الدكتور سلمان العودة أصبح نجما عالميا عندما اقتحم الحياة الفضائية في برنامجه الذي كان يبث على قناة المجد عام2001م، وببرنامجه حجر الزاوية في قناة" إم بي سي" عام2004م حيث استمر هذا البرنامج لخمس سنوات، ثم ببرنامجه" ميلاد" و" الحياة كلمة" الذي تم حظره.

وقيامه بعشرات البرامج في الرسالة واقرأ وفور شباب والجزيرة والليبية ودليل  وقناته الخاصة وغيرها من القنوات، وتابعها عشرات الملايين في العالم العربي والإسلامي وترجم بعضها إلى لغات أخرى.

-قدم الدكتور سلمان العودة مذكرة هي عبارة عن نصيحة للملك مع جمع من العلماء عام 1992م ، وبدل أن يكرم تم إيقاف خطبه ومحاضراته وذلك  في عام 1993م ثم صدر قرار بفصله من التدريس في الجامعة وذلك في عام 1994م، ثم سجن من عام 1994م إلى عام 1999م  بدون محاكمة وفي السجن فقد ولده في حادث مروري ولم تسمح له السلطات بتشييع ولده وهو في السجن.

السجن لدى العودة مدرسة  يقول عن نفسه: إن العزلة في السجن منحته الحرية ونقلته من الضيق إلى السعة ومن الانكفاء إلى الحياة، وجعلته يرى الوجوه الناصعة وقراءة الجانب الايجابي لدى الآخرين....' 

الدكتور سلمان العودة رجل فكر وعلم ودين يتحدث كثيرا عن الوسطية فهو فارسها المغوار..

وهو رجل عالمي ولذا فهو الأمين العام المساعد  للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وقد تجاوز حدود بلده بكثير فهو عالم أمة، وأستاذ حضارة إسلامية عريقة من شرقها لغربها، فلديه 14 مليون متابع في تويتر، ومليونين في الانستجرام، وسبعة مليون في الفيس بوك..

وعندما فقد رفيقة دربه وتحدث عنها في برنامجه وسم تصدر ذلك الفديو المشاهدات العالمية فقد شاهده في خلال 48 ساعة مليون ومائة ألف، وتصدر هاشتاق اعتقاله الثاني عالميا..

سامحوني أيها القراء في الحديث عن الأحياء والاطناب أحيانا فقاعدة " الحي لا تؤمن عليه الفتنة" خالفها الأستاذ الغزالي المفكر  المعاصر وهي عند زكريا امبيق نسبية لنا أن نتركها متى شاءت الأقدار ورأت أعيننا بواكير عظيم يلوح في دنيا الإصلاح ومعلم ازدانت به مسيرة التعليم...

 

الدكتور العودة مؤلفاته بعدد سني عمره ويأخذك العجب وأنت تقرأ في كتاباته فهو بحق الكاتب الروحي واقرأ إن شئت كتابه' مع الله" وغزير الدمعة إن قرأت" إليكِ في مرقدكِ" وهو يتذكر زوجته وزيارتها له في السجن، وأيضا" الصباح معك مرة أخرى"

 وأدبي يفيض عذوبة ورقة إن قرأت" طفولة قلب"  وغير هياب إن قرأت كتابه" شكرا أيها الأعداء" وثري المعلومات إن قرأت سفره " أنا وأخواتها" وعالم بحر إن قرأت رسالته الدكتوراة التي تقع في أربعة مجلدات كبار ، وهو كاتب ملهم واقرأ إن شئت " بين سيرتين موسى وعمر" وشخصية تجذبك أكثر إن قرأت" مقالب" ومفككا للألغاز إن قرأت" حتى الملائكة تسأل" و" بين موسى والخضر" ومشفقا على الدين إذا قرأت" رفقا بالإسلام"، ومناظرا  لطيفا إذا قرأت" فقيه يسوق التاكسي". ويعترف إن أخطأ ويتراجع إذا قرأت  "الكتاب الأزرق حوار مع الغزالي"، يقول عن نفسه:

"شعرت بالحرج حين رأيت غلاف الكتاب الأزرق مكتوباً في أعلاه (الشيخ سلمان)، كنتُ وقتها معيداً في كلية الشريعة أُحضِّر لرسالة الماجستير في الحديث النبوي وعلومه، وزاد الحرج أن عنوان الكتاب كان هو " حوار هادئ مع محمد الغزالي"، حماس الشباب الذين طبعوا الكتاب وأضفوا عليَّ لقب (الشيخ)، ينم عن غضبةٍ ممزوجةٍ متعددة الدوافع، حجبت عن الشيخ الكبير سناً وقدراً وعطاءً أيّ لقب وذكرته باسمه المجرَّد"، "كانت هذه الملحوظة الشكلية المُعبِّرة أول إشارة سلبية عكّرت فرحي برؤية اسمي مخطوطاً على واجهة كتابٍ!".

وكان العودة قد ألف كتابا دون سن الثلاثين سماه "حوار هادئ مع الغزالي" جمع فيه كل أخطاء الغزالي العقدية وجعلها في ذلك المؤلف ثم تراجع وأمر بعدم طباعة الكتاب مرة أخرى بعد أن طبع منه في فترة وجيزة قرابة خمسين ألف نسخة..

إن الكثير من العظماء إذا ظهر لهم الحق يتراجعون عنه في الخفاء لحفظ ماء وجوههم لكن عند العودة عودة جادة للصواب.

فالأمر يبرز مجاهرة وتصحيحا وتصويبا...وله أيضا" مراجعات".

وهو فعال نشيط تجده على موعد في دولة عربية بعد أسبوع، وهو الآن معتكف للتحضير لأمسية، وبعد فجر غد عنده محاضرة، وتنتظره ثلاث قنوات لتسجل معه حوارا خلال اليومين القادمين، ولديه جدول مواعيد لكبار الضيوف، وتنتظر المجامع الأوربية فتواه، وفي المطبعة عنده كتاب يطبع منه قرابة ربع مليون نسخة، تعرف أن حياته زاخرة بالإبداع والعطاء والتأثير،تدفعه همته للسمو لأعلى المقامات ليس عنده يأس أو قنوط ورغم أنه لديه الملايين عبر مواقع التواصل إلا أني شاهدت مقطعا له يقول: لا يزور مواقع التواصل إلا مرة أو مرتين خلال الثلاثة الأيام..فهو ليس فارغا ووقته لايهديه للبطالين ولا يلتفت للحروب الوهمية التي تقدح فيه على تلك الوسائل فضلا عن أن يرد عليها مما يجعل عنده ديمومة عطاء متوهج مشرق، وعندما سألته صحيفة الوطن القطرية ذات مرة أنه شخصيا هل استفاد من تجربة السجن؟

فقال:

-بكل تأكيد فالمستفيد الأكبر من السجن هو أنا وقمت بكتابة تجربتي في السجن في كتاب «طفولة قلب» تحدثت بها عن 5 سنوات في سجن الحاير، فالسجن بالنسبة إليّ كان خلوة شرعية مع المولى عز وجل وقراءة القرآن الكريم وقراءة كم هائل من الكتب التي كنت أراها في مكتبتي وكنت أشعر بأني اقتنيها لتكون زينة فقط، وأحب أن أؤكد أن قراءة الكتب في السجن مختلفة وتؤثر في الإنسان بشكل كبير، كما أن السجن والخلوة أفاداني للتعرف على أخطائي وعيوبي وهذا شيء مهم جدا ولذلك عندما يسألونني عن السجن أقول «هي أيام رائعة وجميلة ومثرية أتمنى ألا تعود".

 

لتعرف من خلال هذا أنه متفائل رغم الضيق، طليق رغم السجن، حر رغم القيود. وبفكره تشعر أنه عملاق في زمن الأقزام مستغلا كل لحظة تحت قرص الشمس.

 

وهو رقيق المشاعر ففي أحد أسفاره لإكمال تأليف أحد كتبه لبضعة أسابيع مرّت عليه أبيات أبي محلم عوف الشيباني- الشاعر الذي طال اغترابه عن أهله ثلاثين سنة ثم لما سمع حمامة تنوح  على فنن في السحر وهو في نزهة مع أمير قال:

*أفي كل عام غربة ونزوحُ...أما للهوى من هدأة فيريحُ..

لقد طلّح البين المشتّ ركائبي فهل أرين البين وهو طليحُ..ُ

وأرقني بالري نوح حمامة...فنحت وذو الشجو القريح ينوحُ ...

على أنها ناحت ولم تذر عبرة..ونحت وأسراب الدموع سفوحُ..

وناحت وفرخاها بحيث تراهما..ومن دون أفراخي مهامِهُهُ فيح*ُ

 

وقطع رحلته لما سمع نوح الحمامة..

وفي سَفرةِ العودة عندما مرت عليه هذه الأبيات ولأنه ذو شجو عميق..ويصعب عليه فراق أهله ومغاني ديرته، وبسمات أطفاله ترقرق دمعه وألغى رحلته..

 ابتلي العودة كثيرا بغوائل الزمان ما بين فراق ولد أثير حبيب لم يشاهد دفنه، وإدخاله سجونا انفرادية لا يرى فيها الشمس لشهور عديدة..وفراق عضدٍ وسند وزوجة، وتأليف كتب ضده لتشويه صورته، ومصادرة لمؤلفاته، وحظرٍ لبعض أعماله الأدبية، وفصله من جامعةٍ، وإيقاف لخطبه ودروسه، ومنعه من أسفار...إلى غير ذلك من التضييق بيدَ أن همته وشخصيته العصامية لا يوقفها الصغار..

فالشمس لا تحجبها الذبابة..والنخلة لا يهزها العصفور، والجبل لا تزيحه الرياح.

هو كالشمس في إشراقها..وكالبحر في علمه، وكالشذى في نفحه..

يصدق عليه قول الشاعر:

*مامسك الدهرُ إلا مسّ مختبرٍ فما رأى منك إلا أشرف الخبرِ

فأقبل المجدُ يسعى نحوكم عجلا...مسعى غلام إلى مولاه مبتدرِ*ِ

  مرت عليك أربعة أشهر في السجن الا نفرادي لكني على يقين أن سجنك روضة عطاء،  وميدان تضحية، وفترة تأمل، وحلبة فكر، وخلوة سياحة مع الملك...

السجن في حق العظماء شرف وعز..فلإن سجنت  فقد سجن مالك وأحمد وثابت بن النعمان وابن تيمية والعزبن عبدالسلام  وابن الأمير والكواكبي، وسيد، والبدري، وعشرات بل مئات من العظماء الذين عاشوا تحت قرص الشمس، وكان السجن إحدى الخيارات لدى" قريش" لإنهاء دعوة محمد عليه الصلاة والسلام..

أيها الأسد خلف القضبان شكرا لثباتك وصمودك..

شكر لتضحيتك وبسالتك وإن وصلتك مقالتي وطيف أحلامي فشكرا لأنك فرغت وقتا لقراءتها..

*وغدا سيذكرك الزمانُ ولم يزل للدهر إنصافٌ وحسن جزاءِ*

عامر الخميسي

19/ 1/ 2018


اترك تعليق