أبعاد حملة المالكي على الرمادي والفلوجة

By : السيد أبو داود / الإسلام اليوم

جاءت الحملة العسكرية، التي يشنها جيش المالكي الطائفي ضد أهل السنة العراقيين في الرمادي والفلوجة، والمدعومة بشكل كامل أوروبيًا وأمريكيًا، لتكشف إلى أي مدى يعيش سنة العراق في مأزق، بين مطرقة المالكي وسندان "القاعدة"، في مظلومية تاريخية تعكس حجم الظلم والتآمر والاستهانة بهذا القطاع الكبير من أهل العراق.

جيش المالكي الطائفي، المزود بالأسلحة الأمريكية الحديثة والفتاكة، بدأ هجومًا واسعًا من مختلف الاتجاهات على مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار السنية، وكما هو معتاد فقد جاءت العملية العسكرية الواسعة بمساندة مقاتلي ما يسمى بـ"الصحوات"، وهم مجموعة العملاء من العشائر السنية الذين استطاع الاحتلال الأمريكي تجنيدهم لخدمة وتسهيل مشروعه الاحتلالي .. وقد وعدهم بالدمج في الجيش والشرطة العراقية لكن المالكي رفض ذلك.

جيش المالكي الطائفي يدعي أنه قد حسم معركة الرمادي لصالحه بعد أن قتل الكثير من قياديي وعناصر "داعش" .. أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، التابع لتنظيم "القاعدة", وأنه قد تمكن من تفكيك جيوبهم، وأنه تمكن من إعادة الأمن الى مركز مدينة الرمادي كما أعاد الشرطة المحلية لممارسة عملها داخل المدينة.

وكثيرًا ما خاض جيش الاحتلال الأمريكي من قبل معارك من هذا القبيل، ولكن ها هو التنظيم تشتد قوته وتتسع سيطرته، ولا يتصور أحد أن ما فشل فيه جيش الاحتلال الأمريكي على مدار عشر سنوات سينجح فيه جيش المالكي الطائفي. ونحن هنا لا نؤيد "داعش" بل نرى أن هذا التنظيم هو جزء من المشكلة، لكننا متأكدون من أن وجوده هو نتيجة منطقية لإستراتيجية تهميش وتطويق سنة العراق والإلقاء بهم خارج السياسة والتاريخ.

قد ينجح جيش المالكي جزئيًا في قتل بعض قادة وأعضاء "داعش"، لكن المؤكد أنه لن يستطيع أبدًا القضاء على ما فشل فيه جيش الاحتلال بعدته وعتاده وأسلحته الفتاكة وطائراته المتطورة. والغريب أن جيش المالكي الطائفي يعد العدة لتكرار ما ارتكبه جيش الاحتلال الأمريكي من جرائم، حين اقتحم مدينة الفلوجة وأعمل فيها القتل والتخريب، ويدعي المالكي وأعوانه أنه لا مفر من اقتحام الفلوجة التي يتمركز بين أبنائها متطرفو وإرهابيو "داعش" مما يجعلها أكثر تحصنًا منن الرمادي، لكن المؤكد أن الفلوجة المقاومة ستصمد في وجه قوات المالكي كما صمدت في وجه قوات الاحتلال الأمريكي. الذين صمدوا في وجه اجتياح القوات الأمريكية لمدينة الفلوجة مرتين متتاليتين، لم يكونوا مقاتلو "القاعدة"، ولكنهم كانوا مئات الآلاف من أهالي الفلوجة الأعزاء الأوفياء، وهم الذين يريد المالكي الآن كسر شوكتهم، وإن غلف ذلك بغلاف محاربة الإرهاب و"داعش".

والذي يعلمه المالكي ونظامه جيدًا، أن سنة العراق، وعلى رأسهم أهالي الرمادي والفلوجة، لا يحبون "داعش" ولا يريدونه .. مثلما لا يحبون المالكي ونظامه الطائفي ولا يريدونه. وأهالي الفلوجة غير راضين عن إحكام "داعش" قبضته على مدينة الفلوجة، التي خرجت عن سيطرة الحكومة العراقية منذ أسابيع، والذي استغل اضطراب الأمور وسحب البساط من تحت العشائر التي كانت تنظم الأمور في غياب السلطة، بعد أن كان مسلحون ينتمون إلى العشائر قد سيطروا على المدينة وقاموا بطرد الشرطة المحلية هناك.

كبار شيوخ عشائر الفلوجة اجتمعوا الأسبوع الماضي، وقرروا تشكيل إدارة مدنية جديدة وتعيين قائم مقام وقائد للشرطة من أهالي المدينة، لتفادي اجتياح الجيش لمدينتهم، لكن هذا القرار لم ير النور إثر رفضه من قبل مسلحي "داعش"، وهذا هو الاجتماع الثاني لعشائر الفلوجة الذي يفشله عناصر "داعش" بعد أن أفشلوا اجتماعا سابقا كان قد أسفر عن اختيار الوجهاء لإدارة مدنية وقائد لشرطة المدينة. فبعد الاجتماع الأول بساعات، والذي اختير خلاله قائد للشرطة، قام عناصر "داعش" بتفجير منزله، ما دفعه إلى مغادرة المدينة، كما قاموا باختطاف القائم مقام واحتجازه لفترة ثم إطلاق سراحه بعد تقديمه لتعهد بترك المنصب.

التقارير القادمة من الفلوجة تؤكد أن أهلها غير سعداء بسيطرة "داعش" عليها، خاصة وأن مقاتلي التنظيم يفرضون أسس حكمهم الخاصة، بإقامة الحد على كل من يخالفهم الرأي، والجميع بنظرهم متهمون، والكل على خطأ وهم الجهة الوحيدة التي على صواب، لذلك نفر الناس منهم، ولا يريدونهم. لا يمكننا مناقشة حملة المالكي على الرمادي والفلوجة دون استحضار الدعم الأمريكي والأوروبي الهائل للمالكي ونظامه السياسي، بدعوى محاربة "القاعدة" والإرهاب، فالولايات المتحدة بهذا الدعم تسير في طريق واحد غير متوازن، لقد نست أن عليها في الوقت نفسه الضغط على المالكي من أجل إجراء إصلاحات تصب في صالح السنة والأكراد وتضمن العودة إلى اتفاقية أربيل على أساس نتائج الانتخابات المقبلة. لكن، وكما يقول أنتوني كوردسمان، الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي، فإنه بمستوى سوء القاعدة في العراق، هناك أدلة كثيرة تشير إلى أن المالكي يمثل تهديدا مماثلا على العراق والمصالح الأمريكية، فمنذ انتخابات عام 2010م، صار أكثر قمعا، ويتلاعب بقوات الأمن لخدمة مصالحه الخاصة، وأوجد رفضا سنيا متزايدا لممارسته باستعمال الدعم السياسي الشيعي لتحقيق مكاسب شخصية.

فالمالكي رفض الوفاء بتنفيذ اتفاقية أربيل لتقاسم السلطة، التي كان من المفترض أن توجد حكومة وطنية يمكن أن تربط العرب السنة بالعرب الشيعة معا، وزاد من التوترات مع أكراد العراق. وتقارير حقوق الإنسان الصادرة عن الخارجية الأمريكية نفسها، ومنظمة العفو الدولية، وبعثة مساعدة الأمم المتحدة للعراق (يونامي)، تؤكد أن سعي المالكي إلى السلطة قد كبت وقمع وأبعد، بنحو مستمر سنة العراق في المستوى الوطني.

إن المتعارف عليه سياسيًا أن الإرهاب ينجح دائما عندما تهمل الحكومات شعوبها، ومثلما لا يمكن لأي تدابير جادة لمكافحة التمرد أن تنجح لو اقتصرت على معالجة البعد العسكري، فإنه لا يمكن لتدابير مكافحة الإرهاب أن تنجح إذا لم يرافقها جهد لمعالجة نوعية القيادة السياسية للبلد ونهجها في الحكم، ومشاغل شعبها الشرعية.

والحلول العسكرية لا يمكن أن تحقق الأهداف المرجوة منها ما لم تسبقها أو على الأقل تتزامن معها حلول مجتمعية تتعلق بالمصالحة الوطنية والتسامح بمن فيها تلبية الحقوق التي خرج من أجلها المتظاهرون السنة، واستمرار كيل الاتهامات للمعتصمين والكثير من الجهات المشاركة في العملية السياسية مع استمرار التأزم في الجانب الأمني، يعني استمرار التخبط والعشوائية.

وأخيرًا فإن الملف الأمني لا يمكن حله من خلال جهد المؤسسات الأمنية والعسكرية وحدها دون أن تكون هنالك إصلاحات سياسية وتحقيق الشراكة القائمة على المصالحة الوطنية وتنفيذ مطالب المتظاهرين السنة المشروعة، وسياسة التسويف والمماطلة بتنفيذ المطالب تعني استمرار نزيف الدم العراقي كونه يوجد بيئة لنمو تنظيم "القاعدة" ومليشيات الغدر والخيانة الشيعية.


اترك تعليق