سلطة مترنحة: حكم السيسي في مواجهة ألغام الاستقطاب

By : مركز الجزيرة للدراسات

 دخلت مصر منذ يوليو/تموز الماضي 2013 في حالة غير مسبوقة من الاستقطاب والاحتراب الأهلي؛ حيث وصل مستوى العنف والقتل والاعتقالات إلى حد لم تشهده البلاد من قبل في تاريخها الحديث. وتنحصر استراتيجية المشير عبدالفتاح السيسي حتى الآن في قمع معارضي الانقلاب وإضعاف الإخوان المسلمين واستئصالهم من الحياة السياسية والمضي في مشروعه لمصر المستقبل القائم على إعادة نظام الحكم العسكري من جديد.


وتقوم هذه الاستراتيجية على عدة محاور لعل أهمها تكريس أسطورة  المنقذ والمخلّص؛ حيث يتم تصوير السيسي على أنه وحده القادر على تحقيق المعجزات وحل كافة المشاكل التي واجهت مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وأنه يتمتع بشعبية جارفة تعفيه من أن يقدم برنامجًا أو رؤية أو وعودًا، لأنه مرشح الضرورة والبطل الذي أنقذ البلاد من حرب أهلية وأنقذ الجيش من المؤامرات التي استهدفته.

وتستند أيضًا إلى توجيه الغضب والإحباط الشعبي إلى عدو وطرف بعينه كي يتمكن من قمعه واستئصاله بقسوة، دون الاكتراث لحجم الضحايا وتكاليف هذا المسار على المجتمع والاقتصاد والمستقبل. وليس من المستبعد أن يتم تحويل هذا الغضب بعد أن يكتشف المصريون أن الأمور لا تتحسن، برغم القمع والتفويض بالقتل، إلى مغامرات خارجية. وظهرت بوادر هذا التوجه في خطاب المشير السيسي في 26 مارس/آذار حيث ألقى اللوم على أعداء لم يسمهم: داخلية وإقليمية وخارجية.

كما تعتمد تلك الاستراتيجية على خلق قيادة الجيش أوضاعًا تبرر تفردها بالسلطة، مثل: إقصاء القوى السياسية الكبيرة من خلال اتهامها بالخيانة والإرهاب؛ ومن ثم اعتبار المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة القادرة على قيادة البلاد في الظروف الحالية وتولي المسؤولية السياسية بعد أن عطّلت عمدًا كافة المؤسسات الدستورية والمدنية. وأن المشير السيسي هو الزعيم الوحيد الأنسب للمرحلة بعد أن سُجنت أو حُطمت أو هُمّشت النخب المدنية، وأن جنرالات الجيش الذين قاموا بالانقلاب العسكري وانقلبوا على الديمقراطية هم الذين سيحققون الديمقراطية، وأننا نمضي على خارطة الطريق تمامًا كما تم رسمها في 3 يوليو/تموز. وأن الاستفتاء على الدستور الجديد كان نزيهًا وحرًا فحاز 98.1 % من أصوات الناخبين في حين يتم إلقاء القبض على من دعا إلى التصويت بلا ضد هذا الدستور، وأنه ستُجرى انتخابات رئاسية تعددية في وجود مرشح ضامن الفوز، وأنه ستُجرى انتخابات برلمانية نزيهة وغير مسبوقة بالرغم من أن الحزب الذي فاز بالأغلبية في الانتخابات السابقة وُضع قادته ومعظم كوادره التي يمكن أن تُرشّح في السجون وممنوع من المشاركة في الحياة السياسية، أو أن مصر في طريق بناء ديمقراطية حقيقة على أشلاء آلاف الضحايا من الشباب وحرية آلاف المعتقلين، وفي ظل إعادة الدولة القمعية البوليسية وأساليبها السابقة من تعذيب واعتقال معارضي الانقلاب دون محاكمات لأشهر طويلة ولمدد مفتوحة. وأن مصر ستعيش أزهى فترات الديمقراطية في ظل الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان والقانون.

تواجه استراتيجية السيسي عدة تحديات؛ فهي استراتيجية كانت مطبقة بدرجات مختلفة قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وثبت فشلها في النهاية، ويبدو من ممارسته منذ أن صار الحاكم الفعلي لمصر أنه لا يمتلك رؤية واضحة مما قد يجعله رهينة لقوى تستعمله ثم تجعله كبش فداء، علاوة على أن السيسي يفتقد للقاعدة الشعبية التي تمتع به أسلافه في الجيش المصري، ويواجه تحديات بعضها موروث من الماضي لكنه تفاقم وبعضها يرتبط بنجاحاته نفسها.

 رؤية ضبابية
يتمتع المشير السيسي بقدرة على مخاطبة المصريين، فهو يعرف جيدًا كيف يصل إلى كثير من قطاعاتهم، فلا شك أن الصوت الخفيض واللغة البسيطة وتكرار الجمل بكثير من العواطف والأحاسيس واستخدام خطاب أبوي كأنه يتحدث لجنوده وضباطه يؤثر في كثير من المصريين.

ولكن تُظهر أحاديثه تناقضاته بصورة واضحة؛ فمقولته الشهيرة: "إنتو مش عارفين إنكو نور عينينا ولا إيه؟!” يناقضها الكم الهائل من الضحايا من المواطنين المصريين منذ جاء إلى الحكم وعدم توجهه بكلمة واحدة للتعبير عن أسفه لسقوط هؤلاء الضحايا، في حين أنه عبّر مرارًا عن أسفه على من قُتل من أفراد الشرطة والجيش فقط. ومقولته: "بكره تشوفوا مصر، ومصر حتبقى أد الدنيا”؛ فجأة يتحدث بعدها أنه لا يحمل عصا سحرية وأن الشعب المصري عليه أن يضحي بجيل أو جيلين من أجل أن يحكم هو.

يدير السيسي البلاد فعليًا منذ يوليو/تموز الماضي ولم يحقق أية نتائج ملموسة حتى الآن سواء على مستوى الامن أو الاقتصاد أو السلم المجتمعي؛ فقد طلب تفويضًا للقضاء على العنف والإرهاب، ودارت آلة القتل بعنف لمدة تسعة أشهر وحصدت أرواح آلاف المصريين واعتُقل عشرات الآلاف وما زالت مصر تعاني من تفاقم الوضع الأمني، ومن شبح النزاعات الأهلية الدامية، وتفجيرات تستهدف مؤسسات الدولة ورجال الجيش والشرطة والمواطنين الأبرياء وغياب لسلطة الدولة في بعض المناطق، ووصل الأمر إلى إسقاط طائرة هليوكوبتر تابعة للجيش في سيناء يناير/كانون الثاني الماضي 2014.

 شعبية دون قاعدة صلبة
الانطباع العام أن المشير السيسي يتمتع بشعبية وتأييد كبيرين بين عدة قطاعات في المجتمع، ولكن هذه الشعبية لا ترتكز على قاعدة سياسية-اجتماعية صلبة، وإنما على ما يُسمى تحالف 30 يونيو/حزيران والذي يحمل داخله العديد من التناقضات؛ فأغلب مؤيديه من فئات من الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية البسيطة وغير المسيسة، التي همّشتها ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وأنهكها الاضطربات السياسة وأضرتها وتحلم بالاستقرار ولقمة العيش المضمونة. كما أن من بين مؤيدي السيسي بعض مؤسسات الدولة وفلول نظام مبارك ورجال أعمال استفادوا من حكمه، وكثير من هؤلاء لا يذهب ولاؤهم بالضرورة للسيسي وإنما يريدون التخلص من ثورة تحاسبهم ولاعتيادهم الارتباط بأجهزة ومؤسسات الدولة لحماية مصالحهم. وهناك أيضًا قطاع من المثقفين والإعلاميين الطامحين للارتباط  بالسلطة والنظام الجديد.


لا يمكن للسيسي أن يراهن على تحالف 30 يونيو/حزيران (قطاعات شعبية-أحزاب ليبرالية-فلول-رجال أعمال) مدعومًا من أجهزة أمنية وعسكرية؛ حيث إن هذا التحالف الاجتماعي الاقتصادي أخذ في التفكك بالفعل منذ فترة، بدءًا باستقالة الدكتور محمد البرادعي من الحكومة عقب مجزرة فض رابعة والنهضة، والانشقاقات التي وقعت بين شباب حركة تمرد، والتناقضات مع الأحزاب الليبرالية الجديدة التي أيدته في البداية ثم تخلى عنها، وعدم إمكانية المراهنة على الفلول بالرغم من عودتهم لمساندة النظام الجديد (وزارة محلب-ورموز النظام السابق).


إذن يحتاج السيسي إلى قاعدة اجتماعية سياسية جديدة غير الفلول أو الإسلاميين يستند عليها في حكمه خلال الفترة القادمة، والخيارات أمامه غير واضحة حتى الآن:

الخيار الأول: يؤسس حزبه الخاص به -حزبًا طليعيًا جديدًا من الشباب- يوفر له قاعدة تأييد صلبة ويسمح له بضخ دماء جديدة داخل أجهزة الدولة. وسيواجه صعوبات كبيرة في تحقيق ذلك حيث ليس لديه الوقت الكافي لصناعة حزب حقيقي ذي جذور اجتماعية، كما أن أجهزة الدولة غير قادرة -مهما توفرت على إمكانات وقدمت من إغراءات- على صناعة حزب دولة قوي. إضافة إلى أن تجربة الأحزاب الفوقية يكون مصيرها عادة الفشل.

الخيار الثاني: يبدأ في إنتاج ناصرية جديدة متمثلة في انحياز للفقراء مع ديمقراطية موجهة. المشكلة الواضحة في هذا الخيار أن السيسي ليس جمال عبد الناصر ولا يملك رؤية واضحة، كما أن منظومة يوليو/تموز انتهت وعليه أن يبحث عن منظومة جديدة على أساس جديد يقوم على الديمقراطية والدولة الراشدة الحديثة.

الخيار الثالث: هو الاعتماد على الرموز المقبولة من الحزب الوطني. وقد يفسر هذا دور عمرو موسى وظهور بعض رموز النظام القديم بعد الانقلاب خاصة معاونتهم له في صناعة وتسويق الدستور (ظهور فتحي سرور ومفيد شهاب من جديد)، إلا أن هناك إدراكً أن الحزب الوطني القديم لن يتمكن من العودة مرة ثانية وليس من المفضل أن يعود، كما أنه لا يمكن التعويل عليه لأنه فقد الرموز القادرة على أن تجمع الناس حول السيسي.

تصدر من السيسي إشارات وتدور حوله شخصيات توحي بعدم استقراره حتى الآن على مسار، كما تظهر أيضا تصارع كل هذه الأجنحة من حوله.

كان من الممكن -إن كان للسيسي رؤية بخصوص الديمقراطية والتعددية- أن يلجأ إلى خيار أكثر سهولة وأقل تعقيدًا، وهو التعاون مع الأحزاب الليبرالية التي رحبت بالانقلاب العسكري ودعمته في استئصال الإخوان والتمسك بوجودهم معه. إلا أنه تخلص منها ربما رضوخًا لضغوط التيارات الاستئصالية والفلولية داخل أجهزة الدولة وممن حوله أو لإحساسه بأنه قد استنفد غرضه منها، ولإدراكه هشاشة قاعدتها الاجتماعية التي لا تصلح أن يستند إليها. وسيقلل التوجه إلى اقرار قانون انتخابي يعتمد النظام الفردي، ويستعيد النظام الذي سارت عليه انتخابات مبارك، من فرص الأحزاب الجديدة ويعطي فرصة أكبر لمحترفي الانتخابات في النظام القديم (سطوة المال والعائلات وأصحاب النفوذ والتربيطات مع الأجهزة الأمنية) لاستعادة نفوذهم والعودة بقوة إلى البرلمان وإعادة إنتاج برلمانات ما قبل 2011؛ مما يجعل السلطة الفعلية والنفوذ في يد رئيس الدولة القادم.

 تحديات السيسي
سيواجه السيسي تحديات ضخمة عليه أن يثبت أنه قادر وحده على حلها. على رأس تلك التحديات التعامل مع الدولة والأمن والاستقرار والاقتصاد وعلاقته مع المؤسسة العسكرية.
 

"مفاصل الدولة فكّت”
لعل أكبر تحد يواجه السيسي عندما يصل للحكم هو حال الدولة المصرية وكيفية التعامل معها؛ فكما ذكر هو في أحد أحاديثه: "مفاصل الدولة فكت”. بالفعل أصبحت الدولة المصرية منهكة ورخوة؛ فهي تعاني من مشاكل مزمنة متمثلة في البطء الإداري وتفشي الفساد والرشاوى، وعدم قدرتها على توفير الخدمات الأساسية والمقبولة من تعليم ورعاية صحية ومرافق وخدمات، كما أنها أصبحت تفتقد الآن "لشخصيات الدولة” المخلصين للنظام ممن كانوا يستطيعون التحكم في مفاصلها والسيطرة عليها.


تاريخيًا، ترتكز القوة في مصر في "الدولة المصرية” والتي تحولت منذ الحكم العسكري في خمسينات القرن الماضي من دولة في خدمة المواطن والوطن إلى جهاز بيروقراطي لا يخدم  الدولة وإنما النظام، فتماهت الدولة تدريجيًا مع نظام الحكم وتسلط الحاكم وأصبحت حامية لمصالح فئة صغيرة (إما مؤسسة عسكرية أو رجال أعمال أو الاثنين معًا).


ظل القضاء محتفظًا باستقلاليته عن النظام وعن السلطة التنفيذية إلى وقت قريب، ثم أصاب القضاء ما أصاب المؤسسات الأخرى فأصبح يدعم النظام؛ فكل الأحكام الاستثنائية كانت تُتخذ في السابق خارج القضاء العادي من خلال المحاكم العسكرية، ثم أصبح القضاء المدني الآن أشد قسوة من القضاء العسكري.


السيسي هو مرشح من داخل الدولة ولكن علاقته بها لن تكون سهلة؛ فالسيسي يريد أن تدور أجهزتها في إطار مشروع الحكم العسكري والذي يعتبره مشروعا وطنيا. يتحدث عن الحاجة لبناء الدولة وإصلاحها ولكن لخدمة مشروعه، كما  ركَّز مساندوه من الإعلاميين على مسألة استعادة الدولة لهيبتها ووحدتها والحاجة إلى إنقاذها والمحافظة عليها.

الدولة حاليًا متوجسة منه وهي في حالة كمون وترصد إلى أن تتضح ملامح النظام الجديد وما سيطلبه منها. فحتى لو سعى لإصلاحها فإنها مستعصية على الإصلاح. الدولة العميقة ستحاول استيعابه كي يقدم تنازلات لها؛ فالداخلية ستحاول توريطه وتوريط الجيش باستمرار كي لا ينقلب عليها كما فعل المجلس العسكري بعد يناير/كانون الثاني 2011؛ حيث تخلى عن رؤوس الداخلية ورضخ للضغوط المطالبة بتقديم العادلي ومساعديه من مدراء الأمن للمحاكمة.

سيستمر السيسي في الخيار الأسهل وهو المضي في مسار عسكرة جهاز الدولة، والذي اشتدت وتيرته منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وخلال الفترة الانتقالية الأولى التي أدارها المجلس العسكري، لكن هذا الخيار سيقلل مع الوقت قدرته على التحرك ويقلص خياراته.


الامن والاستقرار
يرغب مؤيدو السيسي في الاستقرار حتى لو كان الثمن هو عودة الدولة البوليسية والقمع وحكم الفرد. وبالرغم من القرارات القمعية وقوانين التظاهر وقوانين الإرهاب فإنها لم تنجح في استعادة الأمن والأمان للمواطن، ولم تحد من التظاهر والحشد والاحتجاج الذي لا يزال صامدًا لأكثر من عشرة أشهر متواصلة، حيث تخرج يوميًا المظاهرات والحشود المعارضة للحكم العسكري ولعودة الدولة البوليسية وزرع الخوف في نفوس المصريين من جديد. وحسب استطلاع للرأي أجرته صحيفة (الواشنطن بوست) فإن الإخوان المسلمين لا يشكّلون أكثر من 20% من القوة الحاشدة لتلك المظاهرات. كما تواجه الحكومة مظاهرات طلابية حاشدة في معظم الجامعات، تزداد وتيرتها وحدتها. وكذلك تشهد مصر أكبر موجة إضرابات عمّالية منذ يناير/كانون الثاني 2011. وقد تلاشى سحر السيسي أمام عمال مصر بسرعة ملحوظة، ففي الأشهر الثلاثة الماضية فقط شهدت البلاد اعتصامات وإضرابات عمالية غير مسبوقة حيث بلغ عدد الاحتجاجات 1400 احتجاج عمالي.


الاقتصاد: كعب أخيل
يشكّل الاقتصاد "كعب أخيل” أو نقطة الضعف التي يمكن أن تُسقط هذا الانقلاب؛ فمنذ تسعة أشهر وحتى الآن لم تستطع حكومات الانقلاب أن تضع سياسة اقتصادية متماسكة؛ فلا يمكن أن ينتعش الاقتصاد في مثل هذا الجو من الإضرابات وانعدام الأمن والمناخ غير الجاذب للاستثمار والسياحة. لن يستطيع الدعم الخليجي للانقلاب مهما بلغ حجمه أن يحل المشكلات الاقتصادية، كما لا يمكن لهذه الدول أن تستمر في دعم الانقلاب إلى الأبد؛ فمصر تواجه مشاكل اقتصادية هيكلية مزمنة، مثل عجز الميزانية والخلل في الميزان التجاري ونقص السيولة، إضافة إلى الأزمات المتفاقمة مؤخرًا، مثل: معدلات النمو المتدنية وارتفاع نسبة التضخم والبطالة وأزمة الوقود والكهرباء وتردي حال المرافق والبنية التحتية. كما تحتاج مصر إلى الفكاك من الاعتماد على المعونات الخارجية وهبات دول الخليج.


لا تبدو للسيسي رؤية اقتصادية واضحة حتى الآن؛ فانحيازاته الاجتماعية واختياراته الاقتصادية غير محددة، ويمكن أن تتراوح بين تضخيم دور الدولة والجيش كمحرك أساسي في دفع عجلة الاقتصاد والانحياز للفقراء، وبين تفضيل المشروعات الضخمة وإسنادها إلى القطاع الخاص المحلي أو الإقليمي.

العديد من المؤشرات يذهب إلى أن السيسي لا يرغب أو لا يستطيع أن ينحاز للفقراء؛ فقد أعلن في التسريبات عن نيته إلغاء الدعم وتحميل المواطن كلفة أية خدمة يتلقاها ليس فقط من الدولة ولكن حتى من القطاع الخاص (اللي يتكلم يدفع واللي يسمع يدفع). كما ظهر بعض ملامح مشروعه الاقتصادي في منح عقود مشاريع ضخمة لشركات خاصة إقليمية (مشروع بناء مليون وحدة سكنية للشباب مع شركة إماراتية وعقود ضخمة لمشروع تنمية قناة السويس) وعقود طويلة الأجل للجيش المصري. كما فسّر البعض قانون الاستثمار الأخير بأنه صدر في الأساس لحماية المستثمرين وأصحاب الأموال الضخمة.

المشكلة أن معظم مطالب المصريين آنيّة لا تحتمل الصبر، والشارع المصري في حالة ضيق شديد من غلاء الأسعار وانهيار الخدمات وعدم الاستقرار؛ فهناك حاجة ملحة إلى إعادة الانضباط وسيادة القانون ومواجهة التحديات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية. لا شك أن أنصاره سيعطونه فرصة بعد الانتخابات إلا أن استمرار تأييدهم له سيرتبط بقدرته على الإنجاز وتلبية حاجاتهم والاستجابة لتطلعاتهم. لن يستطيع الاستجابة لتلك المطالب في غياب الاستقرار الأمني وتردي الأحوال الاقتصادية وسيطلب منهم فسحة من الوقت. وإذا لم يشعر المواطن المصري العادي بنجاح وتحسن سريع فإن الاحتجاجات ستتزايد وتتسع، وستفاقمها الحلول الأمنية.

 المشير والمؤسسة العسكرية
من الطبيعي أن تتغير علاقة السيسي بالمؤسسة العسكرية بعد وصوله للرئاسة، خاصة بعد التعديلات التي أُدخلت في دستور 2014 والتي تجعل المؤسسة العسكرية أقوى في شؤون هامة من رئيس الجمهورية. ولعل هذا أحد الأسباب وراء تردده في تولي منصب الرئيس؛ فهو يعلم جيدًا أنه بمجرد أن يخلع بدلته العسكرية يصبح أقل حصانة وعرضه للهجوم والنقد، وغير آمن حتى من أقرانه السابقين. ولعل هذا ما دفعه لتعيين أحد أقاربه في منصب رئيس الأركان. فقد كان الأفضل للسيسي البقاء في منصبه كوزير دفاع محصن، مع العمل مع رئيس مدني ضعيف دون قوة حقيقية؛ مما يُعفيه من التعامل مع المشاكل الملحة بصورة مباشرة.

بقاء السيسي في المشهد يزيد من الاستقطاب -حيث إنه يجسد لقطاعات كثيرة حالة الانقسام والدموية التي تشهدها البلاد-، كما أن عجزه عن حل المشكلات قد يدفع المؤسسة العسكرية إلى التراجع خطوة أو خطوتين إلى الخلف، نائية بنفسها عن الاستمرار في دعمه بشكل مباشر (كما فعلت مع رئيسها مبارك من قبل) كي لا يزيد فشل استراتيجيته في تشوية صورة الجيش، أو يؤدي إلى الصراع بين صفوفه وتقليل فرصة المؤسسة العسكرية في السيطرة على البلاد مستقبلاً. ويمكن أن يتدخل الجيش مرة ثانية لو ساءت الأمور وفشل السيسي في معالجتها وأحس قادة الجيش بأن صورة المؤسسة العسكرية تهتز أكثر مما هي عليه. في هذه الحالة من الممكن أن يكون سقوط السيسي مروعًا وسريعًا كما كان ظهوره مفاجئًا وسريعًا أيضًا.


ترويض الاستقطاب

يمارس السيسي استراتيجية تقوي خصومه وتزيد في عزلته؛ فمن جهة أدت سياسته القمعية لكل من عارضه إلى توسيع جبهة الرافضين لسلطته، فلم تعد تنحصر فقط في الإخوان المسلمين بل تعدتهم إلى القوى الشبابية الثورية ثم إلى العمال والطلبة وغيرهم، ومن جهة ثانية أدى إقصاؤه لحلفائه في الإطاحة بمرسي إلى خسارة قوى سياسية ورمزية يحتاجها لبسط سلطته وفرض عزلة أكبر على خصومه. هذه الاستراتيجية تسرِّع من جانب صعوده للسلطة، لكنها من جانب آخر تفاقم الاستقطاب الذي أفشل محاولات كل من سبقه في حكم مصر بعد 25 يناير، سواء الإخوان الذي لم تعوضهم الانتخابات النزيهة عن ضرورات التوافق أو المجلس العسكري الذي لم تحمه القبضة الأمنية من الرحيل.


اترك تعليق