د. وصفي أبوزيد: حصار قطر يناقض مقاصد الشريعة الإسلامية

By :

أجرى الحوار- عبدالحميد قطب 

اعتقال العلماء بغير حق اعتداء على الوحي وميراث النبوة
لم نعرف عن العلماء المعتقلين في بلاد الحرمين إلا كل خير

الاعتقالات تفتح الباب واسعاً لتفريخ الفكر المتطرف والفكر المتحلل
تحريض السعودية وتوابعها على قطر نتيجة وقوفها مع الشعوب

إجراءات الحصار لا يقرها دين ولا تقول بها رجولة أو مروءة
منْعُ المسلمين عن البيت الحرام كبيرة وموجب لإنزال غضب الله
البيت الحرام بيت الله ولا يجوز للسعودية أن تمنع أحداً عنه
كان الأولى بدولة "التوحيد " أن توجه حصارها للصهاينة المحتلين لا إلى قطر


قال الدكتور وصفي أبوزيد أستاذ مقاصد الشريعة وعضو اتحاد علماء المسلمين، إن حصار قطر يناقض مقاصد الشريعة الإسلامية التي تهدف لحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول، مؤكداً أن إجراءات الحصار لا يقرها دين ولا تقول بها رجولة أو مروءة.


وأكد في الجزء الأول من حواره مع "الشرق" أن اعتقال العلماء بغير حق اعتداء على الوحي وميراث النبوة، مشدداً على أن الاعتقالات تفتح الباب واسعا لتفريخ الفكر المتطرف والفكر المتحلل خاصة أن من تم اعتقالهم دعاة هدى واعتدال ووسطية وإرشاد للأمة، ولا يعرف عنهم إلا كل خير. وأكد أن منْع المسلمين عن البيت الحرام كبيرة من أكبر الكبائر، وذنب من عظائم الذنوب، لا يباح لأحد أن يمنع أحدا عنه، داعياً إلى أن تكون الخلافات السياسية بين الحكام والحكومات بمنأى تام عن شعائر المسلمين، كي لا تصبح الشعائر معبثة وملعبة في أيدي الحكام.


وإلى نص الحوار..


بينما يدعو علماء السعودية لعدم الخروج على الحاكم نجدهم يحرضون على الخروج على القيادة القطرية، ألا يعد ذلك تناقضا ومخالفة صريحة لشرع الله وتسييسه؟


لا شك أن هذا تناقض صريح للأدبيات التي استقر عليها حكم آل سعود، وهو تعظيم الحاكم وتبجيله، بل تقديسه في بعض الأحيان، وتحريم الخروج عليه تحريما قطعيًّا؛ رغم أن صورته التي يأتي بها في المملكة ليست في أعراف العصر الذي ينصب الحكام عبر صناديق الاقتراع، ومع هذا تجد علماء بلاد الحرمين لا يسع واحدا منهم مخالفة الحاكم في قليل أو صغير حتى لو خالف محكمات الشرع!.


ورغم وضوح هذه الأدبيات فإن أول من أيد الانقلاب العسكري في مصر هو الملك عبد الله؛ حيث أيد انقلابا دمويا على رئيس مسلم حافظ لكتاب الله، منتخب لأول مرة في تاريخ مصر، والعالم كله شهد بنزاهة الانتخابات التي جاءت به، فكيف يسوغ لملك من ملوك آل سعود أن يؤيد انقلابا على حاكم شرعي مسلم منتخب له بيعة معقودة في أعناق الشعب المصري؟!


ولا يقل عن ذلك تحريضهم ضد قيادة قطر، وتورطهم مع الإمارات في محاولات للانقلاب عليها، لا لشيء إلا لوقوف قطر مع حركات الشعوب نحو التحرر من ربقة الطغاة والمستبدين، وقيام قناة الجزيرة بدور مشهود في ذلك.


برأيك هل هناك أي وجاهة شرعية أو قانونية للحصار؟


الحصار تم بدون أسباب حقيقية إلا الرغبة في الانتقام والانقلاب على دولة لها إعلام مناصر للحرية وحق الشعوب في الحياة، وتحقيق مقاصد الشريعة من حفظ للنفوس والأموال والأعراض والعقول، ولو افترضنا أن هناك أسبابا حقيقية، فهل يحاسب بذلك الشعب كله برجاله ونسائه وأطفاله، أم تحاسب الحكومات والحكام فقط؟! قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام في سورة يوسف: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ) (79).. فما ذنب الأطفال والنساء والشيوخ والشيب ليحاصروا هذا الحصار الظالم الباغي الذي لم يفعله بعد قريش الكافرة إلا آل سعود بالتظاهر مع الإمارات والبحرين ومصر؟!


كان الأولى بدولة "التوحيد والولاء والبراء" أن توجه هذا الحصار للصهاينة المحتلين، أو لأعداء هذه الأمة الذين ينهشونها من يمين وشمال، ويقسمون أراضيها في الشرق والغرب، ويقتلون شعوبها جماعيا ويهجرونهم بالجملة، وهذا هو الولاء والبراء الحقيقي، أما أن تستبدل دول الحصار بذلك حصارَ الإخوة الأشقاء، فهذا ما لا يعرفه ولاء أو براء، ولا تعرفه عقيدة ولا شريعة، ولا يعرفه عرف ولا قانون، ولا تقره رجولة ولا مروءة!


اعتقال العلماء


اعتقلت السلطات السعودية عددا من العلماء والدعاة، كيف تنظر لهذا الأمر؟


العلماء في الإسلام هم ورثة الأنبياء، وحملة الوحي، ومبلغو الدعوة، ومقيمو الحجة والمحجة، ودافعو الشبهة، ومنابر الهدى، ومصابيح الدجى.. والاعتداء عليهم بالتحقير أو التشهير أو التهجير والإبعاد أو الاعتقال بغير حق أو بتهم باطلة هو اعتداء على الوحي مباشرة وعلى ميراث النبوة، ونذير شؤم على من يقوم به، ومؤذن بفساد كبير وشر مستطير، ويفتح بابا واسعا للفتن، كما أنه مناقض لمقاصد الشريعة، فمن أنواع المقاصد: بيان قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة، و إخراج المكلف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبدا لله اختيارا ، كما هو عبد لله اضطرارا، وهذا لن يتحقق هو وبقية أنواع المقاصد الشرعية إلا بالبيان والتوجيه والوعظ وتوضيح الحلال من الحرام، وبيان الحق من الباطل، وذكر الصواب من الخطأ، ولا يكون ذلك إلا بالعلماء، فتغييب العلماء يمنع تحقيق هذه المقاصد.


ومن عظمة خَطْب اعتقال العلماء رأى الفقهاء - وبخاصة المذهب الحنبلي الذي هو مذهب آل سعود المعتمد - أن اعتقال عالم واحد يشرع له القنوت! عالم واحد! فكيف بعشرات من العلماء في بلاد الحرمين وغيرها؟!


كيف ترى وصف الإعلام السعودي لهم بالإرهابيين؟


لم نعرف عن العلماء المعتقلين في بلاد الحرمين إلا كل خير، فهم دعاة هدى واعتدال ووسطية وإرشاد للأمة، يعرفهم القاصي والداني، وأرى أن اعتقال علماء من هذه النوعية باب واسع لتفريخ الفكر المتطرف والفكر المتحلل، وها هو الملك سلمان نفسه يأمر بإعداد قانون لمكافحة التحرش، وذلك يوم الخميس 8 محرم 1439ﻫ 28-9-2017م، وإذا صدر هذا القانون بدون تكوين القناعات المؤمنة به فلن تمنع التحرشَ قوانينُ الدنيا، وأفضل من يقومون بذلك هم العلماء الذين غيبتهم يد الظلم والطغيان والافتراء.


منع الحجاج


منعت السعودية الحجاج القطريين من زيارة بيت الله الحرام ومن قبل منعت العراقيين والليبيين- ما حكم ذلك ؟


منْعُ المسلمين عن البيت الحرام كبيرة من أكبر الكبائر، وذنب من عظائم الذنوب، وموجب من موجبات إنزال غضب الله وعذابه على من يفعله، قال تعالى في سورة الأنفال: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34).. بل جعل الله تعالى إخراج المسلمين من المسجد الحرام أشد من القتال في الشهر الحرام وأكبر من الصد عن سبيل الله والكفر به!! قال تعالى: (وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ..). [البقرة: 217].


فلا يجوز لأحد كائنا من كان أن يمنع أحدا من زيارة البيت الحرام؛ بيت الله تعالى، وإلا باء بهذه العقوبات جميعا في الدنيا والآخرة.


ألا يعتبر هذا الأمر تسييسا للحج؟


لا يقبل أبدا بحال من الأحوال أن يحدث التداخل بين شعائر المسلمين في كل مكان وبين أمور سياسية وخلافية بين قُطْر وآخر، أو أن تؤثر الخلافات السياسية على الشعائر التعبدية للمسلمين، وليس معنى خضوع الحرمين تحت حكم آل سعود أن ذلك يُمكّنهم من السماح لمن يشاءون بالدخول إليهما ومنع من يشاءون، فالبيت الحرام بيت الله، ولا يباح لأحد أن يمنع أحدا عنه، وأن تكون الخلافات السياسية بين الحكام والحكومات بمنأى تام عن شعائر المسلمين، كي لا تصبح الشعائر معبثة وملعبة في أيدي الحكام الذين يستحقون بذلك غضب المسلمين وعقاب الله تعالى.


قطع الأرحام


ما حكم الشرع في حصار قطر وقطع الأرحام ومنع الغذاء والحليب عن الشعب القطري؟


هذه الأمور لا تحتاج إلى فتوى ولا إلى حكم شرعي، فأبسط المسلمين يعلم حرمة هذه الجرائم، فهي - بحق - جرائم، لا يقرها دين، ولا يقبلها قانون، ولا تقول بها رجولة أو مروءة أو شرف، وهذا الحصار لم يقم به بعد كفار قريش إلا آلُ سعود، والعجيب أنه جاء في شهر رمضان المعظم، وضد إخوانهم المسلمين الذين تقطعت أرحامهم بهذه الإجراءات المرفوضة.


اترك تعليق