غزوة الأحزاب والثقة بالله ونصره

By : د. علي القره داغي

أنزل الله هذه الرسالة ــ القرآن الكريم ــ، وأرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين؛ لتكون هذه الرسالة خالدة، وليكون هذا الدين شامخاً وباقياً دائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومتى تخلت البشرية عن هذا الدين فلا يبقى لها مكان على وجه الأرض، وستحل القيامة، فالنصر حتمي لهذا الدين والبقاء موجود له، وليس هناك خوف على الإسلام ولا على رسالته القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى قد تكفل بحفظها، وإنما الخوف دائماً على المسلمين ومدى التزامهم بهذا الدين، ومدى تأثرهم بالفتن التي تحاك من قبل الأعداء.

وإن الذي يطالع السيرة النبوية ليجدها ملأى بالعبر والعظات والحكم، وليجد فيها رؤىً واضحة لمستقبل هذه الأمة، وإننا اليوم لنطالع غزوة الأحزاب لنقف على عظاتها وعبره وحكمها المستفادة، التي تزرع في نفوس الأمة الأمل، والتي تبث في قلوب المسلمين الثقة بالله تعالى ونصره.

 تاريخ الغزوة:

وقعت هذه الغزوة في شهر شوال سنة خمس للهجرة.

سبب الغزوة:

حاولت قريش في كل معاركها القضاء على قوة المسلمين التي ترى فيها تهديداً مستمراً لطرق قوافلها وخطراً على مكانتها بين العرب، وأرادت في هذه المرة أن تحسم هذا الصراع مع المسلمين لصالحها، فحشدت له أكبر قوة ممكنة حيث لجأت إلى التحالف مع كل من له مصلحة في القضاء على المسلمين، ووجدوا أكبر ضالتهم في اليهود، فقد التقت أهداف الفريقين، وهو القضاء على المسلمين.

دعت اليهود قريشاً إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدهم بالقتال معهم ، حتى يستأصلوه ، وأفتى أحبارهم لكفار قريش ومن تحالف معها من القبائل العربية بأن دينهم خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنهم أولى بالحق منهم، وأججوا في نفوس قريش وزعمائها طلب الثأر لأنفسهم ولمن فقدوهم في الغزوات السابقة مع الإسلام والمسلمين، ثم اتجهوا بعد هذا إلى قبيلة غطفان النجدية الكبرى وأغروها بالتحالف معهم ومع قريش على حرب المسلمين، على أن يكون لهم نصف ثمر خيبر، إذا اشتركت معهم في الحرب، وكتب المشركون إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بقريش ومن اتبعه من قبائل العرب، فنزلوا بمر الظهران، ثم تحرك هذا الجيش العرموم الذي بلغ تعداده عشرة آلاف مقاتل  إلى المدينة.

فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الأمر، استشار أصحابه، وقد أشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق في المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة، أما الجهات الأخرى فكانت كالحصن تتشابك فيها الأبنية وأشجار النخيل وتحيطها الحرات التي يصعب على الإبل والمشاة التحرك فيها.

وافق المسلون على هذه الفكرة الجديدة، والتي لم تكن معهودة عند العرب، لعلمهم بكثرة الجموع القادمة لحربهم ، وشرع المسلمون وعملوا في حفر الخندق على عجل، وقد أصبتهم شدة الجوع والمسغبة.

وشارك جميع المسلمين في الحفر، لا فرق بين غني وفقير ومولى وأمير، أُسوتهم في ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حمل التراب حتى اغبر بطنه ووارى التراب جلده، وكان الصحابة يستعينون به في تفتيت الصخرة التي تعترضهم ويعجزون عنها، فيفتتها لهم. ويردد معهم الأهازيج والأرجاز لتنشيطهم للعمل، فيقول :

اللهم لولا أنت ما اهتدينا           ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا                            وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا                وإن أرادوا فتنة أبينا

وكان يمد بها صوته بآخرها، ويرتجز المسلمون وهم يعملون:

{نحن الذين بايعوا محمداً.. على الإسلام ما بقينا أبدا}.

فيجيبهم بقوله:{اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة}.

وربما يبدؤهم بقوله فيردون عليه بقولهم.

بشائر للمسلمين يوم الخندق:

عندما اعترضت صخرة للصحابة وهو يحفرون، ضربها الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات فتفتت. قال إثر الضربة الأولى : {الله أكبر ، أعطيت مفاتيح الشام ،والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة ، ثم ضربها الثانية فقال : الله أكبر ، أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض ، ثم ضرب الثالثة ، وقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة} .

ولقد كان موقف المؤمنين من هذه البشارة أن زادتهم إيماناً، وقد حكاه القرآن الكريم بقوله: {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً } ، و قد سخر المنافقون من هذه البشارة، وقالوا: موقف المنافقين الذين سخروا من البشارة : { ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً}.

دور نعيم بن مسعود ضي الله عنه:

أتى نعيم بن مسعود النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً وعرض عليه أن يقوم بتنفيذ أي أمر يريده النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: {إنما أنت رجل واحد فينا ، ولكن خذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة }.

وقبل أن ينتشر إسلام نعيم بين الناس، أتى بني قريظة ، فأقنعهم بعد التورط مع قريش في قتال حتى يأخذوا منهم رهائن ، لكيلا يولوا الأدبار ، ويتركوهم وحدهم يواجهون مصيرهم مع المسلمين بالمدينة. ثم أتى قريشاً فأخبرهم أن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوا ، وأنهم قد اتفقوا سراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يختطفوا عدداً من أشراف قريش وغطفان فيسلموهم له ليقتلهم دليلاً على ندمهم ، وقال لهم : فإن أرسلت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فإياكم أن تسلموهم رجلاً منكم. ثم أتى غطفان وقال لهم مثل الذي قاله لقريش. وبذلك زرع بذور الشك بينهم. وأخذ كل فريق يتهم الفريق الآخر بالخيانة.

ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، بعد أن أرسل عليهم رياحاً تقتلع خيمهم وتشتت شملهم، وتبث في نفوسهم الرعب، وتزعزع ثقتهم بأنفسهم، وتزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وانقلبوا إلى مكة خائبين، يجرون ذيل الهزيمة، ويتلفحون بالخيبة والعار.

الحكم والعبر والعظات في غزوة الخندق:
1.المشورة، حيث شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر، ولمم ينفرد باتخاذ القرار، وأخذ برأي سلمان الفارسي، وهذا يدل على أن الإسلام دين حضاري منفتح على جميع الحضارات، يأخذ منها ما لا يلبس عليها أمر العقيدة والدين، وما ينفع العباد والبلاد.
2.الرسول صلى الله عليه وسلم مثل أعلى في العدالة والمساواة، إذ شارك المسلمين في الحفر ونقل معهم التراب، وارتجز معهم ما يشد به عزمهم.
3.بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بفتح الشام والعراق وفارس واليمن، وقد تم كل ذلك بفضل الله وكرمه، حيث فتحت اليمن في عهده، وتحققت البشارة بفتح العراق والشام وبلاد فارس في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
4.اليهود لا عهد لهم ولا ميثاق، فهم أهل الغدر والخيانة في كل عصر وزمان، وإن المنافقين من بني جلدتنا هم الذين ينفذون أجندتهم في الداخل.

 

خاتمة:

يمكن أن نطلق على غزوة الأحزاب اسماً آخر، ونقول: إنها الفاضحة، حيث فضحت مكنون صدور اليهود، فقلوبهم تغلي بالحقد والحسد على الإسلام وأهله.

كما فضحت المنافقين الذين يعطوننا من طرف ألسنتهم حلاوة، وقلوبهم مفعمة بالكره والبغضاء للإسلام والمسلمين.

إن غزوة الأحزاب درس يتكرر ويتجدد في التعامل بين المنافقين و أصحاب الأهواء واليهود، فهم دائماً على أهبة الاستعداد وأتمه لاستغلال أي موقف يمكن أن يكون مدخلاً للإساءة إلى الإسلام والمسلمين.

حيثما اتفقت الأهواء والنفاق والشرك وجدت الصهيونية واليهود، لا سيما يهود اليوم وصهاينته، حيث درسوا تاريخ البشرية، وأخذوا دروس الخيانة والغدر والغش والخديعة والمكر والاحتيال.

وما غزوة الأحزاب إلا صورة واقعية لذلك، وما على أمتنا الإسلامية والعربية إلا أن تتنبه إلى ذلك وتدرس التاريخ لاستفادة من دروسه وحكمه وعبره وعظاته، فالنصر لن يكون إلا لمن كان الله معه وكان مع الله، والخيبة والخذلان لن يكون إلا لمن كان في معية الشيطان، تقوده الأهواء، ساعياً في الأرض الفساد.

التاريخ عبر والدنيا مواقف، وقيمة الإنسان بمواقفه وقيمه وحكمه، فالمواقف الشريفة تجعل الإنسان شريفاً وتعلو به، والمواقف القبيحة الرذيلة تجعل الإنسان رذيلاً.

هذا الجسد يتكون من عنصرين: مادة شهوانية حيوانية، ومادة ربانية روحانية، فإذا نزل الإنسان وانحط إلى جانب الشهوة نزل إلى مرتبة الحيوان، وإذ ارتقى وسما كان أفضل من عامة الملائكة.

على المرء أن يكون ربانياً في مواقفه، وأن يكون مع الله وأن يثق به وثوقاً مطلقاً؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما الذي فعلته قطر، البلد الكبير في مواقفه ومبادئه؟ ساهم في الصلح بين إخواننا في السودان، ووقف مع اليمن في وحدته، وغيرها من المواقف المشرفة التي تعجز الدول الكبرى عن القيام بها.

لا أرى حرجاً على العلماء أن يقفوا مع هذا البلد في مواقفه، فمعظم مواقفه المعلنة تتفق مع شريعتنا.

وقفة قطر مع حماس موقف عربي إسلامي، فهل هذا ذنب؟ أما كانت الأمة العربية تنادي منذ أكثر من سبعين سنة في قممها واجتماعاتها بالوقوف مع فلسطين والقضية الأولى للمسلمين؟ أكانت كلها مزايدات على حساب القضية الأولى؟

هل المساهمة في تعمير غزة ومساعدة أهلها للخلاص من الفقر الذي تبلغ نسبته 90 بالمائة مخالف للعروبة والقومية الخليجية والإنسانية؟

هل الوقوف مع دولة الدكتور مرسي، الدولة الشرعية التي بلغت نسبة التأييد له 93 بالمئة ذنب؟

وهل إيواء من فر من الظلم والبطش حفاظاً على كرامته وحياته وإنسانية جريمة؟

الغرب يمنح اللجوء لكل من يصل إليها طلباً لحفظ كرامته، فلا أحد يعتبر ذلك جرماً.

الصوت الإعلامي الوحيد الذي يوصل الرأي والرأي الآخر، شبكة الجزيرة، ليس إعلاماً قطرياً، بل هو عالمي، إنه يوجه انتقادات لقطر ـــ إن وجدت ــــ كما يوجهها إلى الدول الأخرى.

فهل وجود صوت حر هاف هادئ جريمة؟

لِمَ لا يسكتون ولا يمنعون هذه الأصوات النشاز، أصوات الفتنة ومعاداة الإسلام، وأصوات الفساد، وأصوات الرذيلة وأصوات العري، وأصوات الشذوذ الجنسي؟

كيف تحول الخير إلى الشر، والفضيلة إلى الرذيلة؟

كونوا على ثقة أن الله تعالى ينصر من ينصر قيم الفضيلة والإنسانية وينشرها بين المجتمعات، وأنه تعالى يخذل من يحارب الفضيلة ويعادي الإنسان والإنسانية.

اللهم أصلح أحوالنا. 


اترك تعليق