رئيس جمعية العلماء المسلمين يؤكد في حوار لـ السياسي : موقف الجزائر من الأزمة الخليجية مشرف

By :

أثنى رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الدكتور عبد الرزاق قسوم على الموقف الجزائري من الازمة الخليجية_القطرية واصفا إياه بالمشرف،رافضا في السياق إقحام القضية الفلسطينية في هذا الصراع ، الذي انتهى إلى حد تصنيف عدد من الدعاة و العلماء في خانة الإرهاب و هو ما اعتبره ذات المسؤول تعصبا خطيرا ينبغي على الأشقاء العرب أن يعملوا على إسقاطه من قاموس معاملاتهم. و أفتى الدكتور قسوم في حوار مع السياسي بعدم جواز إفطار مترشحي البكالوريا في رمضان، فيما سلط الضوء على البرامج الخادشة للحياء و المحرضة على العنف التي تبثها بعض القنوات التلفزيونية في الشهر الكريم، مبرزا أن ما تقوم به الأخيرة عدوان على العقل الجزائري يستدعي تدخل الدولة الجزائرية بقوة الدستور .
بداية مع امتحان شهادة البكالوريا الذي شهد افطار العديد من المترشحين استنادا إلى فتاوى مجهولة المصدر ؟ ما رأي جمعية العلماء المسلمين في هذه المسالة ؟

 لا يجوز الإفطار في رمضان بسبب امتحان البكلوريا، لأنه ليس عذرا من الأعذار التي تبيح انتهاك صيام رمضان لأن صيامه فَرْضٌ على كل مسلم عاقل بالغ، إلا أصحاب الأعذار المُرخَّص لهم فِي الفطر كالمسافر، والمريض، أو من أشرف على الهلاك بسبب عطش أو جوع، والمرأة المرضعة أو الحامل، والشيخ الكبير، والمكره...أما إذا أفتت جهة معلومة بجواز الفطر فلتتحمل مسؤوليتها أمام الله لأن المفتي موقع عن الله، أما الفتاوى التي تصدر عن مجهول فالأصل في المسلم أن يحتاط فلا يأخذ دينه إلا عن العلماء المعروفين المعتبرين المشهود لهم بالعلم والتقوى. والله اعلم.

 شهدت الجزائر مؤخرا تعديلا حكوميا أبقى على وزير الشؤون الدينية محمد عيسى ، ما رأيكم ؟

لسنا في موقع يؤهلنا من الحكم، على الأشخاص أيا كان موقعهم، فنحن نتجه في أحكامنا دوماً إلى المبادئ لا إلى الأشخاص، فالأشخاص يزولون والمبادئ هي التي تبقى. ثم إن القائمين بالشأن السياسي هم أعلم بشؤون سياستهم، وبخصوص وزير الشؤون الدينية، ليست لدينا أية مشكلة معه، فنحن كنا وسنبقى –إن شاء الله- نتعامل مع المؤسسات لا مع الأفراد، وإن كانت تجمعنا به علاقات شخصية ودية. 

  الحكومة الجديدة شهدت تثبيت وزيرة التربية نورية بن غبريط التي عارضتم إصلاحاتها بشدة، ماهو تعليقهم ؟

أعيد ما سبق قوله، بالنسبة للسؤال السابق أننا نعارض كل موقف إيديولوجي، يتنافى مع ثوابتنا الوطنية، وبخصوص إصلاحات وزيرة التربية الوطنية، فمواقفنا كانت واضحة، وسبق أن أعلنا عنها أمامها شفوياً، وكتابياً على أعمدة الصحف. بل وإننا ضمنا هذه المواقف في كتابين قدمناهما للوزارة، فصلنا فيها، كل ملاحظاتنا وتحفظاننا على ما اعتبرناها أخطاء، وننتظر ردود فعل القائمين على الشأن التربوي بخصوصها، ولكل حادثة حديث. ونعتقد أن لا مجال لتطبيق أية إيديولوجية خاصة، بأي كان، خارج القناعات الوطنية التي نؤمن بها جميعاً، وهي بناء مدرسة جزائرية الانتماء، ثقافية اللسان، إسلامية الروح. 

  ما موقف الجمعية من الجدل الدائر حول مواقيت الصلاة  الرسمية في الجزائر ، بعد تأكيدات عالم الفلك  لوط بوناطيرو أن الجزائريين يصلون الفجر قبل 40 دقيقة من موعدها، والعشاء بعد 40 دقيقة من موعدها الشرعي؟ يبدأ وقت صلاة الفجر من تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والمراد به هنا الفجر الذي تحل به الصلاة، ويبدأ وقت صلاة العشاء بمغيب الشفق الأحمـر، والمسلم مطالب أن يتحرّى الوقت الصحيح حتى يؤدي صلاته في أوقاتها المعلومة، وقد وضعت الوزارة الوصية رزنامة المواقيت المعتمدة رسميا في الجمهورية الجزائرية بناء على حسابات فلكية قام بها خبراء متخصصون على حد ما صرح به القائمون على الوزارة الوصية وهم وحدهم يتحملون المسؤولية الشرعية أمام الله.

عرفت العديد من المساجد عبر الوطن تكرار المظاهر المؤسفة و التي باتت مألوفة خلال الشهر الكريم ،من عراكات بين الائمة و المصلين و نوم في بيوت العبادة ...الخ ، أين مكمن الخلل حسب رأيكم ، و ما السبيل إلى تفادي مثل هذه المظاهر التي باتت تسيئ إلى بيوت الله ؟

المساجد هي بيوت الرحمن التي يدخلها عباده لأداء الصلوات وذكر الله والتسبيح والتفقه في الدين، إذ لها وقارها وحرمتها، والواجب على المسلمين جميعا أئمة ومأمومين أن يحافظوا على سمتها الإيماني ويساهموا في نشر الطمأنينة والرحمة والأخوة فيها ويتجنبوا كل أنواع السلوكيات التي تسيء إليها وتتنافى وأخلاق المسلمين، خاصة في شهر رمضان شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، ولهذا جاء في الحديث صراحة أن الغاية من الصيام أن يرفع الإنسان المسلم من درجة القرب من الله حتى يصل إلى مرتبة الإحسان التي تجعل منه عبدا يلتزم بأوامر ربه في السر والعلن، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ، رواه البخاري رقم 1804. إن رمضان فرصة مواتية ليتخلص فيه بعض الناس من عادات ضارة، وأفعال لا تتماشى مع ما يدعو إليه الإسلام من أخلاق وسلوكيات، وهو فرصة أيضا ليتحصل الـمؤمن على زاد رباني يتقوّى به على مفاتن الدنيا وشهواتها، ومكايد الشيطان ووساوسه، ورغبات النفس ومطامعها. 

  أقدمت العديد من القنوات التلفزيونية الجزائرية منذ بداية رمضان على بث برامج خادشة لحرمة الشهر،  وكاميرات مخفية لترويع الجزائريين، ما مدى خطورة مثل هذه التجاوزات الدخيلة على المجتمع الجزائري ؟، ومن المسؤول عن المحاولات المتكررة لإشاعة الفاحشة وكسر الطابوهات في بلد محافظ مثل الجزائر ؟

يُعرف شعبنا الجزائري بأنه شعب مسلم وإلى العروبة ينتسب، كما قال إمامنا عبد الحميد بن باديس، وهذا الانتماء يتضمن قيماً أخلاقية إسلامية نبيلة، ومبادئ إنسانية سامية، وهو ما يكفله الدستور الجزائري، الذي حظي بإجماع الشعب، لذلك فكل ما من شأنه أن يخدش حياء شعبنا، أو يمس بمقدساته مرفوض بجميع المعايير. ومن هذا المنطلق، فإن إقدام بعض القنوات الخاصة أو العامة، على عدم احترام هذه القيم، هو عدوان على العقل الجزائري، وعلى الضمير الإنساني العميق الكامن فيه. وعلى الدولة التي هي حامية الدستور والإسلام، الذي هو دين الدولة بنص الدستور أن تتصدى لكل من تسول له نفسه، خدش حياء شعبنا، أو محاولة نشر الرذيلة أو الفاحشة بين صفوفه تحت أي مسمى كان. نحن مع حرية الإعلام الفني، ونشجع الإبداع في هذا الإعلام، لكن بشرط أن لا يكون على حساب مبادئنا وقيمنا وقناعاتنا. فحرية كل فرد تنتهي ببداية حرية الآخر.  

 تعرف الأزمة الخليجية _القطرية تداعيات خطيرة وصلت إلى حد فرض حصار اقتصادي على الإمارة الصغيرة، أولا ما موقف جمعية العلماء من هذه الأزمة ، و ثانيا ما المطلوب من السلطات الجزائرية اليوم لإخماد نار هذه الفتنة ؟ إن موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أزمة الخليج، وتداعياتها، موقف صريح وواضح كنا سباقين إلى إعلانه لمجرد اندلاع الأزمة، في ندائنا إلى أبناء الأمة الإسلامية، وهو ضرورة تطويق هذه الأزمة، بأسرع ما يمكن، والجلوس إلى طاولة الحوار بين الأشقاء الفرقاء، لنزع فتيل الأزمة، وتفويت الفرصة على أعداء أمتنا. فأيا كانت اختلافات المواقف السامية، فإن ذلك لا ينبغي أن يتسبب في تصدع البنية الهيكلية الاجتماعية، أو الثقافية، أو الاقتصادية، لأن الشعوب العربية على اختلاف مواقفها الجغرافية، تحكمها لُحمة التاريخ، وتربطها أواصر الألفة الأسرية، ولذلك فهذه الاختلافات إن وجدت لا ينبغي أن تفسد للود قضية. أما موقف الجزائر من الأزمة، فيبدو موقفا مشرفاً حتى الآن، ونؤكد على ضرورة أن تبقى الجزائر حاملة للواء أدب الاختلاف، وحسن الجوار، وبذل المساعي الممكنة للحيلولة دون تفاقم الأزمة. كما أن الجزائر، وهي بلد الثورة والثوار، مدعوة إلى أن تبقى في موقفها القاضي بعدم تمكين العدو من التدخل في شؤوننا الداخلية، وتقديم العون المادي أو المعنوي، لكل جهة يمكن أن تتضرر من تداعيات هذا الاختلاف، وخاصة العمل على عدم إقحام القضية الفلسطينية، وهي قضية الإجماع العربي والإسلامي، في هذا الصراع الذي تدار فُصوله من خارج المنطقة، فالتاريخ صحائف، ويجب أن تخلد الجزائر فيها جميل الذكر. 

  تضمنت لائحة الإرهاب التي أعدتها السعودية و بلدان عربية أخرى مؤخرا أسماء لعدد من أشهر الدعاة في العالم و منهم القرضاوي و  الصلابي ، ما رايكم في هذه اللائحة ؟

  إن من الخطإ الفادح من وجهة نظرنا، الخلط بين العلماء والإرهاب، فالذي نعلمه أن العالم لا يحمل قنبلة أو سلاحاً، وكل ما لديه هو الكلمة الشريفة التي تعبر عن حرية الرأي، والكلمة الشريفة يجب أن يكون الرد عليها بالكلمة الشريفة. أما هذا التعصب الخطير، الذي يصنف أي عالم حقيقي، من أي بلد كان، في خانة الإرهاب، فإنه تصعيد خطير، ينبغي على الأشقاء العرب أن يعملوا على إسقاطه من قاموس معاملاتهم. فحذار، لأن لحوم العلماء مسمومة، وويل لمن يقدم على نهشها. وعلى كل الهيآت والمؤسسات العلمية أن تتصدى لمثل هذا الانحراف الخطير، لأن مثل هذا الانحراف من جانب الحكام وأهل الرأي، من شأنه أن يجرّئ فآت من الشعب، على نزع الاحترام والتبجيل عن علماء الأمة، وهو ما ينتج التكفير، والتخوين، والتبديع الذي هو سلاح التطرف الذي تعاني منه أمتنا، في واقعنا المتردي اليوم.  

 كلمة أخيرة تريد أن نختم بها حوارنا دكتور عبد الرزاق قسوم ؟
 نأمل أن يكون رمضان، وهو شهر الغفران والتسامح عامل ألفة، وتسامح، وتسامي عن الأحقاد والضغائن.               


اترك تعليق