السامري والعجل وقطاع غزة

By : د. محسن صالح

يُقال في الأمثال العامية إن فلاناً قد "عبَّدوه العجل"، في إشارة إلى عمليات القهر والإذلال ومحاولات التركيع التي تعرَّض لها.

إن محاولات تركيع وتطويع قطاع غزة لم تتوقف طوال السنوات العشر الماضية، أما "العجل" المطلوب من القطاع أن يحني له هامته ويقبّل الأرض بين يديه فهو "التركيبة" الإسرائيلية الأميركية لـ"بيت الطاعة" الذي تريد إسرائيل وأميركا تصميمه للسلطة الفلسطينية، وتريدان فرضه وفق التصورات والشروط والأسقف التي وضعتاها.

لم يُخرج السامري الإسرائيلي من حُلِيّ قومه وجواهرهم هذا "العجل الجسد"، بل كان "أشطر" من جده السامري التاريخي، إذ إنه يتولى بنفسه جمع إيرادات الفلسطينيين من عائدات الضرائب، ثم يمنُّ بها عليهم، إن شاء أعطى وإن شاء منع.

كما أن شطراً كبيراً من "الحُلِيّ" يأتي من المساعدات الغربية المغموسة في ذُلِّ الشروط الأميركية، واستحقاقات "سدانة العجل". وإجمالي عائدات الضرائب والمساعدات الخارجية يشكل نحو 80% من مصادر دخل السلطة.

والعجلان التاريخي والمعاصر كلاهما "خواء"، وكلاهما له "خُوار"، وإذا كان خوار العجل التاريخي يثير العجب والرهبة لدى عابديه؛ فإن "خوار" العجل المعاصر يتمثل في التنسيق الأمني ومطاردة قوى المقاومة... وهو أمر يثير العجب... محاولا زرع الرهبة والهيبة المصطنعة... لكنه لا يثير أدنى درجات الإعجاب لدى الشعب الفلسطيني.


عندما قررت حركة فتح الدخول في اتفاق أوسلو، وإنشاء سلطة الحكم الذاتي في غزة وأريحا؛ كانت تطمح إلى أن تتطور هذه السلطة إلى دولة فلسطينية كاملة السيادة على الضفة الغربيةوقطاع غزة.


غير أن الطرف الإسرائيلي -الممسك بخيوط اللعبة وبعناصر القوة- حفر للسلطة مجرى مختلفاً لتجد نفسها بعد نحو 23 عاماً مجرد سلطة وظيفية، تخدم أغراض الاحتلال أكثر مما تخدم المشروع الوطني الفلسطيني.

فلا أفق لإنشاء الدولة الفلسطينية الحقيقية، ولا أفق للسيادة على الأرض، ولا أفق لتفكيك المستعمرات، ولا أفق للانسحاب من شرقي القدس، ولا أفق للسيطرة على المعابر والحدود، ولا أفق للسيطرة على مصادر المياه، ولا على المجال الجوي والبحري، ولا أفق للتحكم في الاستيراد والتصدير، ولا أفق لعودة اللاجئين، ولا أفق لإنشاء جيش وطني...

وبعد كل هذا المدى الزمني، لم تزد السيطرة الأمنية والإدارية للسلطة الفلسطينية على 20% من مناطق الضفة الغربية، التي هي أقل من 22% من فلسطين التاريخية.

أما الطرف الإسرائيلي فتمكن -خلال هذه المدة- من الانتشار بشكل هائل في أحشاء الضفة الغربية، فمزق أوصالها بالمستعمرات والجدار العنصري العازل والطرق الالتفافية، وصادر أراضيها، وتضاعفت أعداد مستوطنيه اليهود من نحو 280 ألفاً عند توقيع اتفاق أوسلو إلى نحو 780 ألفاً في وقتنا الحالي. هذا إلى جانب وَصْل الليل بالنهار في برامج تهويد القدس وتغيير هويتها الحضارية الإسلامية والعربية.

وفي الوقت نفسه، سمح الطرف الإسرائيلي للسلطة بالتضخم الأمني وبالترهل الإداري، مع تشكيل اقتصاد استهلاكي طفيلي يعتمد في اقتصاده وتجارته الخارجية على "عدوه الإسرائيلي"؛ ويقدّم وسائل "الرفاه تحت الاحتلال" بدلاً من صناعة اقتصاد مقاوم أو بنى تحتية لدولة عزيزة كريمة.

وتقوم هذه السلطة بكافة المهام "القذرة" التي لم يعد الاحتلال يمارس معظمها بيده، كإدارة الحياة اليومية للناس وخدمات النظافة والبلدية، إلى جانب مطاردة المقاومة وخلاياها... ليتحول الاستعمار الصهيوني إلى استعمار "خمسة نجوم" أو إلى "استعمار نظيف"، حسبما يقول مسؤولون إسرائيليون.

وهكذا أصبح لدينا نحو 165 ألف موظف في السلطة يربطون حياتهم وحياة أسرهم بعجلة السلطة ويعيلون نحو مليون إنسان، في الوقت الذي يبلغ فيه عدد موظفي الأجهزة الأمنية نحو 40% من مجمل الموظفين، ويستهلكون نحو ثلث الميزانية العامة للسلطة.

وهكذا نشأت عن السلطة المترهلة الفاقدة للاتجاه شبكةُ مصالح، ترى في السلطة "عجلها الذهبي" وبقرتها الحلوب؛ ولكنها سلطة "جوفاء" من أي مشروع وطني قابل للنمو والحياة.


عندما وصلت انتفاضة الأقصى إلى نهايتها سنة 2005، اضطرت قوى المقاومة -وعلى رأسها حركة حماس- للدخول في "فقه الضرورة"، بعد أن وجدت نفسها أمام استحقاقات السحق والتهميش وفق مشروع خريطة الطريق، خصوصاً أن قيادة السلطة (التي هي قيادة فتح والمنظمة) كانت تريد أن تجدد الحصول على الشرعية الشعبية، لتوفير الغطاء للمضي قدماً في تنفيذ استحقاقات أوسلو، بعد أن تثبت أن حماس حركة هامشية ضعيفة الشعبية.

ولذلك قررت حماس الدخول في انتخابات المجلس التشريعي، حيث فازت بالأغلبية الساحقة من المقاعد في يناير/كانون الثاني 2006. وأياً يكن تقييم دخول حماس في مؤسسة السلطة، فإنها تمكنت من انتزاع الشرعية الشعبية لخط المقاومة، مع استمرار رفضها لاتفاقات أوسلو واستحقاقاتها، ورفضها لكل الالتزامات المتعلقة بالشكل المطلوب لخدمة ورعاية "العجل الذهبي".

وجَّه فوز حماس ضربة قاسية "للسَّدَنَة" لأنه نزع عنهم شرعيتهم الشعبية المدّعاة، كما نزعت حماس شرعية "الطقوس" التي يمارسها السدنة في إطار الدور المرسوم "للعجل"!! بما في ذلك شروط الرباعية وعلى رأسها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي.


ما يعنينا أن أزمة ما يسمى الانقسام الفلسطيني تعود في جوهرها إلى أن حماس ما زالت تحتفظ بالشرعية الشعبية (إلى جانب شرعية المقاومة)، وبالتالي فمن حقها تشكيل الحكومة الفلسطينية، ومحاسبة وإسقاط أي حكومة فلسطينية للسلطة.

أما فتح فقد استخدمت مؤسسة الرئاسة -المقبولة إسرائيلياً وعربياً وغربياً، والتي تأتيها إيرادات الضرائب والمساعدات الدولية- للتحكم في السلطة بالضفة الغربية. وبالتالي شكلت حكومتها في الضفة على هذا الأساس مانعةً المجلس التشريعي من الانعقاد ولو مرة واحدة طوال السنوات العشر الماضية، لأن حكومتها لا تملك أدنى حظوظ لاجتياز عتبة الشرعية.

ومع ذلك فإن إعلام فتح ورئاسة السلطة والمنظمة -المدعوم من بيئة عربية ودولية تتوافق مع مسار التسوية- ما انفك يهاجم بضراوة حكومة تسيير الأعمال في قطاع غزة، ويصف ما قامت به حماس بـ"الانقلاب الأسود"، دون أن يلتفت إلى إنفاذ اتفاقات المصالحة، ولا إلى تعطيل فتح للمؤسسة التشريعية.

حماس لم تنقلب.. ولا قطاع غزة خرج عن كيانيته الفلسطينية، كل ما حدث هو أن قطاع غزة تحرر ولم يعد مرتبطاً بعبادة "العجل" وطقوس قدسيته، بل وقف كالمارد يعبِّر عن المسار الحقيقي للحركة الوطنية الفلسطينية في مشروع التحرير ورفض التنازلات.

والقطاع لم يقم بفعل شاذّ أو غريب؛ فهو تحت قيادة حماس يجمع شرعيتيْ المقاومة وصندوق الاقتراع. وحماس وسلوكها السياسي والمقاوم أقرب إلى الميثاق الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير بعشرات المرات من القيادة الحالية المتنفذة في المنظمة والسلطة وفتح.

كل ما هنالك أن "السامري" الفلسطيني و"السدنة" ومموليهم قد غضبوا، لأن تيار المقاومة كشف عورة السلطة وعوارها، كشف السحر والساحر، واستخدم "الأدوات" التي يَعدُّها السدنة "أدواتهم" لينتزع التمثيل الشعبي، ثم يتابع مقاومته، دون أن يمارس طقوسهم أو ينضبط بالتزاماتهم.


الأزمة التي افتعلتها السلطة في رام الله ضد حماس وضد قطاع غزة ليست جديدة، لكنها تنذر بإجراءات غير مسبوقة -حسب التسريبات المتداولة- لحسم سيطرة حكومة رام الله وفتح على قطاع غزة.

وتتضمن الإجراءات -إن صحَّت- عملياً إغلاق ملف المصالحة مع حماس، حيث سيتم إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً، والتعامل مع حماس كحركة خارج القانون، وتشديد كافة أشكال الحصار الاقتصادي والمالي بما في ذلك إيقاف الدعم المالي للكهرباء والمياه والشؤون الاجتماعية، ووقف الرواتب لأعداد من الموظفين.

والتفاهم مع "إسرائيل" ومصر على الإغلاق التام للمعابر في أثناء محاولة السيطرة على القطاع؛ وإنهاء المجلس التشريعي، وتوسيع ملاحقة حماس ومؤيديها في الضفة الغربية، والسعي لحسم شعبي (مدعوم أمنياً وعسكرياً) من طرف مؤيدي السلطة ضد قيادة حماس في القطاع.

ويُرجح البعض أن إجراءات خصم الرواتب التي قامت بها حكومة الحمد الله من موظفي القطاع كانت جزءاً من سيناريو التصعيد، وبالون اختبار لتحديد إمكانية السير في الخطوات التالية.

أما الجانب اللافت للنظر هذه المرة فهو أن قيادة السلطة في رام الله -رغم أنها مغرقة في علمانيتها- زادت حجم الاستعانة بالديكور والغطاء الديني. فقام أحد كبار "علماء السلطان" لديها بتشبيه حالة قطاع غزة بـ"مسجد الضرار"، مستذكراً قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر صحابته بتدمير هذا المسجد وإحراقه، حيث كان في ذلك الوقت مركزاً للنفاق والمنافقين والتآمر على دولة الإسلام في المدينة؛ ومبرراً بالتالي أي إجراءات مهما كانت قاسية يقوم بها "ولي الأمر" الرئيس محمود عباس.

وهكذا، ووفق وزير أوقاف السلطة السابق وقاضي قضاتها الآن؛ يصبح عباس ورفاقه في مقام رسول الله وصحابته، وتصبح حماس وقوى المقاومة وأسلحتها وبناها التحتية وأنفاقها التي بُنيت بالعرق والدم والأسنان والأظافر... مجرد "مسجد ضرار"، يجب إحراقه حتى يقوم "أمير المؤمنين" بإنفاذ التزاماته للصهاينة والأميركان تجاه مسار التسوية!!

لم يرهق "مفتي السلطان" نفسه بإجابة سؤال: لماذا تركب سلطة رام الله رأسها وتقتحم كل المصاعب في سبيل إنفاذ التزاماتها تجاه الكيان الصهيوني، ولا تبذل الحد الأدنى المطلوب لتنفيذ اتفاقية المصالحة الفلسطينية، التي وقعتها مع حماس والفصائل الفلسطينية منذ نحو ستّ سنوات (مايو/أيار 2011)؟!


مهلاً.. مهلاً.. "أَحَشَفاً وسوءَ كَيلة"؟!

أيهما هو مسجد الضرار يا قاضي القضاة:

- البيت المؤسس على إسلامية وعروبة كل فلسطين وعدم التفريط في أي جزء منها، أم البيت المؤسس على التفريط في 77% من فلسطين التاريخية؟!

- البيت المؤَسَّس على المقاومة، أم البيت المؤسس على التنسيق الأمني مع العدو؟؟

- البيت الذي يُخرّج أبناؤه كل صيف نحو عشرة آلاف حافظ للقرآن، أم البيت الذي يأكل السُّحت من كازينو أريحا؟!

- البيت الذي خاض ثلاث حروب ضد العدو الصهيوني مرّغ فيها أنف العدو بالتراب، أم البيت الذي قلَّم أصحابه أظافرهم وقلعوا أسنانهم منذ أن دخلوا في نفق أوسلو، فأصبحت المقاومة تثير رفض، بل و"اشمئزاز" أربابه؟

- البيت الذي أعدَّ ودرَّب ورعى أكثر من ستين ألف مقاتل من كتائب القسام وباقي قوى المقاومة، أم البيت الذي يطارد المقاومة وخلاياها، ويتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي للقضاء عليها؟!!

- ولست أريد أن أسألك يا "قاضي القضاة" أيهما أقرب للدين ولمنهج الله ورسوله، فهذا يعلمه الله، ويعلمه كثير من المؤمنين، ممن لم يؤثر فيهم سحر "السامري" ولا عجله الذهبي.


يمُنُّ رجال السلطة في رام الله على قطاع غزة أنهم ينفقون نحو نصف ميزانية السلطة على غزة، ويكررون ذلك في كل مناسبة، ولكنهم يذكرون فقط نصف الحقيقة، ويوظفون دلالاتها بشكل مُضلِّل وخاطئ، على طريقة "لا تقربوا الصلاة"!!

فمعظم المبالغ المالية التي تُحولها سلطة رام الله إلى القطاع تذهب لأعضاء حركة فتح ومؤيديها، من الموظفين الجالسين في بيوتهم والممتنعين عن الذهاب إلى العمل من أعضاء الأجهزة الأمنية وغيرها؛ وبما يكفل استمرار شعبية فتح وسلطة رام الله لدى قطاعات مهمة من أبناء القطاع.

والسلطة تحصل على عائدات الضرائب التي يجبيها الإسرائيليون من كل البضائع التي تأتي عن طريقهم، ضمن حالة الحصار المفروض على القطاع؛ حيث يكاد الإسرائيليون ينفردون بالبضائع بعد أن أغلِقت النوافذ والأنفاق مع مصر.

ورغم أن حماس هي التي تمتلك تشريعياً وقانونياً حق تشكيل الحكومة الفلسطينية، فإنها رضيت بتشكيل حكومة الحمد الله دفعاً لمسيرة المصالحة وإنفاذاً لبنودها. غير أن هذه الحكومة -ومن ورائها الرئاسة الفلسطينية- تريد إنفاذاً كيفياً مجتزَأً للمصالحة، ولا يحمل الحد الأدنى المطلوب للشراكة الحقيقية.

وتريد أن تستفيد من الظرف العربي والدولي حتى تأتيها حماس "وهي راغمة". وتستكثر على "حكومة حماس" -المستندة إلى أغلبية تشريعية ساحقة- أن تعيِّن نحو 22 ألف موظف طوال نحو عشر سنوات، بينما لا تستكثر فتح أن تعين -من خلال حكوماتها- نحو 160 ألف موظف وفق معاييرها واشتراطاتها. هذا فضلاً عن محاربتها لأنصار حماس والجهاد الإسلامي وتيارات المقاومة بالضفة الغربية في أقواتهم وأرزاقهم.


إذا ما صحت التسريبات وأصرَّت القيادة في رام الله على خطتها لتركيع قطاع غزة وقوى المقاومة؛ فإنها ستكون مقبلة على مغامرة غير مأمونة العواقب. وإذا كان الإسرائيليون وقوى عربية قد فشلوا قبل ذلك؛ فلتُعِد السلطة في رام الله حساباتها لأن السحر قد ينقلب على الساحر.. وعند ذلك لن ينفعها السامري ولا عجله الذهبي.


اترك تعليق