نص كلمة راشد الغنوشي أمام مركز كارينجي للدراسات بواشنطن

By :


نص الكلمة التي ألقاها الشيخ راشد الغنوشي - عضو مجلس الأمناء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - وزعيم حركة النهضة التونسية، الأربعاء 26 فبراير 2014 في مركز كارنجي للدراسات في واشنطن.

بسم الله الرحمن الرحيم

اعبر عن سعادتي بلقائكم للحديث عن التجربة التونسية والنموذج التونسي الذي اثبت للعالم ان الديمقراطية حلم قابل للتحقيق ليس في العالم الاسلامي، فحسب بل وفي كل ارجاء المعمورة ونحن نرى الحرية تزحف على أوكرانيا، وعلى أماكن اخرى، رغم الانتكاسة القوية التي عرفها الربيع العربي في الأشهر الماضية.

التجربة التونسية اثبتت للمتوجسين من تحول الربيع العربي الى شتاء أصولي، ان تشجيع الانقلابات العسكرية، ليس الحل وانه لا يخلف الا الفوضى، والخراب، في مقابل الحرية التي ينعم بها الشعب التونسي، الذي دافع بسلمية عن ثورته وانتقاله الديمقراطي، وتصدى للإرهابيين وكل من خطط للفوضى السياسية لإجهاض الثورة.

التجربة التونسية اثبتت ان كلفة تشجيع الانقلابات ، والتخلي عن الربيع العربي اكبر بكثير من الصبر على الشعوب وهي تبحث عن حلول ذاتية، للخروج من أزماتها الداخلية، وتجاوز خلافاتها، وهي في الغالب نتيجة قلة خبرة نخبتها السياسية ، وحاجتها الى متسع من الوقت للتعود على الممارسة الديمقراطية بعد عقود من الاستبداد.

التجربة التونسية اثبتت للمشككين في نوايا الاسلاميين، أنه لا تعارض بين الإسلام والديمقراطية، وان ضحايا عقود من القمع والتهميش والإقصاء، لا يحملون أحقادا ورغبات في الثأر والانتقام، بل مشروعا تنويريا حداثيا مدنيا، جسده الدستور التونسي الذي ضمن أوسع وفاق ممكن حين تبناه 200 نائب من المجلس الوطني التاسيسي، الذي يعد 217 نائبا اي بالأغلبية المطلقة التي تكاد ترتقي الى مرتبة الإجماع.

لقد بررت أنظمة الاستبداد التي عصفت بها الثورة، قمع الاسلاميين بانه ضرورة للتصدي للظلاميين، ولحماية الديمقراطية من الدولة الدينية، والأمن العالمي من الارهاب والتطرف، وغير ذلك من الشعارات التي استباحة الحرمات، وزجت بالآلاف في السجون والمنافي، وقتلت المئات تحت التعذيب، وقضت على الحريات.

ولكن تونس اليوم تؤكد زيف هذا الادعاء، وان الخطر على الديمقراطية، وعلى الامن والاستقرار هو الاستبداد، والفساد، واحتكار السلطة.

تونس اليوم تقول للعالم والأصدقاء الحرية ، انه لا تعارض بين الاسلام والديمقراطية، وان الاسلاميين يقفون في مقدمة القوى المدافعة عن حق الاختلاف والتنوع الثقافي والتعددية السياسية، وحرية الضمير، وحقوق المرأة، وكل القيم الكونية التي تؤسس مجتمع الحرية والعدالة والتنمية.

نجاح التجربة التونسية، حضرات السيدات والسادة، لم يكن عفويا، ولا مفاجئا لمن واكب منذ البداية المسار الذي حرصنا على انتهاجه قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 ، وبعدها.

بعد فوزنا بالأغلبية في انتخابات التاسيسي، كانت حركتنا اول من دعا الى الوحدة الوطنية، والى عدم احتكار السلطة، والتعايش بين العلمانيين والاسلاميين، وكانت الترويكا بين النهضة وحزبين علمانيين، دليلا على اقتناعنا بان تونس لا تحكم بغير الوفاق، وان المراحل الانتقالية لا تدار بمنطق الأغلبية والأقلية.

سواء في الحكومة او في المجلس التاسيسي، التزمت النهضة حضرات السيدات والسادة، بنفس الخط التوافقي، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الحزبية، وعدم الانزعاج من تقديم التنازلات، لتسريع كتابة الدستور، وللحفاظ على السلم الاجتماعي، ووحدة الدولة، حتى وصلنا الى التضحية الأكبر وهي التنازل عن الحكومة، للخروج من ازمة سياسية كان من الممكن ان تعصف بالثورة، بل وبالبلاد.

كثيرون كانوا يرددون ان النهضة لن تسلم الحكم، حتى لو خسرت الانتخابات القادمة، وان الديمقراطية لا تعني للإسلاميين الا الاستحواذ على الكرسي، واحتكار السلطة.

هذا الكلام كان يؤلمنا، ولكنه في نفس الوقت يشجعنا على ان نبرهن لشركائنا، ولشعبنا وللعالم، على انه مجرد مخاوف لا مبرر لها، في تونس. وان حركة النهضة حزب سياسي ناضج، متجذر في الديمقراطية.

اليوم لا يستطيع احد ان يشكك في نوايانا الديمقراطية، وفي وواقعيتنا السياسية، وفي احترامنا لإلتزامنا المدني.

لا يستطيع احد ان يزعم ان النهضة خرجت من الحكم، اضطرارا، وليس اختيارا، او مناورة تكتيكية، لاعتبارات عديدة حضرات السيدات والسادة، اهمها :

اولا: ان تنازلنا عن الحكومة جاء في سياق تمش كامل حرصنا فيه على الوفاق الوطني، في الحكم وفي الدستور. رؤيتنا كانت واضحة وهي ان الهدف من وصولنا للسلطة في المرحلة الانتقالية الثانية، كان إنجاز الدستور، وقيادة البلاد نحو الانتخابات، وكلاهما يقتضي التوافق، وتوفر مناخ من الوحدة الوطنية. لقد رفضنا ان يكون الدستور التونسي، دستور أغلبية ، تفرضه على الأقلية، وتفهمنا مطالب بعض القوى السياسية حول شفافية العملية الانتخابية، وضرورة إشراف حكومة مستقلة على تنظيمها.

ثانيا: لقد رفضنا الإستقطاب الإيديولوجي لأنه خطر على الوحدة الوطنية, ورفضنا حسم الخلافات في الشارع رغم أن شارعنا هو الأكبر, ورفضنا تقسيم التونسيين، وحرصنا على ان فتح قنوات اتصال مع المعارضين، منعا للقطيعة، وقبلنا بالحوار الوطني، لاننا كنا ندرك جيدا ان منطق الصراع والصدام لن يحل المشاكل، وان النهضة باعتبارها الحزب الأكبر في البلاد مدعوة الى تقديم التنازلات الأكبر حماية للثورة، والمسار الانتقال الديمقراطي.

ثالثا: ان مغادرة النهضة للحكومة كانت بعد نجاح الحوار الوطني، وليس نتيجة الضغط او الفشل في معالجة الأزمة. لقد اتفقنا على تنفيذ خارطة الطريق في إطار تلازم المسارات اي استقالة حكومة لعريض، بعد التوافق على رئيس الحكومة الجديد، وتوقيع الدستور وانتخاب الهيئة المستقلة للانتخابات. لذلك كان يوم المصادقة على الدستور، عيدا وطنيا، ومشهدا تاريخيا، لن يمحى من تاريخ تونس، وكانت استقالة الاخ علي لعريض درسا في التداول السلمي على السلطة، واحترام الاسلاميين لنواميس الديمقراطية.

لقد خرج التونسيون يوم 23 أكتوبر 2011، لينتخبوا مجلسا تأسيسيا مهمته الرئيسية هي اعداد الدستور، والشعب سيحاسبنا على هذه المهمة التاريخية.

سيحاسبنا على إنجاز الدستور، وايضاً على مضمون الدستور. وهل هو دستور يؤسس لحكم ديمقراطي حداثي يحترم هوية الشعب التونسي ام دستور يفرض رؤية أغلبية على أقلية؟

على يمين النهضة ضغطت أطراف عديدة، ليكون الدستور محافظا، وعلى يسار القوى العلمانية المعتدلة ضغطت القوى العلمانية المتطرفة ليكون دستورا يتعارض مع هوية الشعب التونسيين، ولكن النتيجة كانت انتصار الوسط، الذي نعتبره ثمرة تعايش صعب بين الاسلاميين والعلمانيين في الحكم.

انتصار الوسط هو الذي سيجعل الدستور، حلقة الربط بين التونسيين وهو الذي سيحمي بلادنا باذن الله من الاندفاعا نحو اليمين ونحو اليسار، وهو ما تحتاجه تونس في العقود القادمة.

الدستور التونسي من هذا المنطلق نابع من رؤية استشرافية لتونس في المستقبل، لاننا لا نريد نصا يؤسس للحكم والتسلط، وترسيخ ثقافة الثأر والانتقام بتثبيت وضع سياسي تميل فيه الكفة لجهة دون اخرى، لان منتصر اليوم يمكن ان يكون منهزم الغد، وهذه مشكلة السياسة قصيرة النظر. بل أردنا دستورا لجميع التونسيين, يحفظ حقوقهم وحرياتهم الأساسية ويؤسس لدولة القانون والمواطنة والمساواة.

دستورنا يمثل تحقيقا لحلم المصلحين الكبار منذ القرن التاسع عشر الذين أرادوا أن يزاوجوا بين قيم الإسلام وقيم الحداثة وأنه لا تعارض بينهما ولا تعارض بين الإسلام والديمقراطية, والإسلام والقيم الكونية.

هذه حضرات السيدات والسادة، ملامح تجربة يمكن اختزالها في كلمة واحدة هي الوفاق الوطني. هذه الكلمة التي أهدت تونس دستور الثورة، وأخرجت البلاد من ازمة خانقة، وتسير بها اليوم باذن الله نحو الانتخابات. الوفاق يعني أن الجميع منتصرون, ليس هناك غالب ومغلوب.

توصلنا الى تحقيق الوفاق الوطني بمساعدة منظمات المجتمع المدني التي قدمت مبادرة للحوار الوطني عندما احتد الصراع بين السياسيين. خلال الأزمة السياسية التي دامت ستة أشهر، تحاور 22 حزبا من تيارات مختلفة حول كيفية الخروج من الأزمة وقدم الجميع اقتراحات وتنازلات ساهمت في الخروج من هذه الأزمة التي كادت تعصف بالتجربة التونسية. توحد اتحاد رجال الأعمال مع اتحاد الشغل في سابقة تبدو غريبة لانجاح الحوار الوطني، والتقيت رئيس حركة نداء تونس، الاستاذ الباجي قائد السبسي، رغم التباينات العميقة بين حزبينا، وتجاوزت كتلة النهضة مع الكتل الاخرى في التاسيسي الخلافات التي كان من الممكن ان تؤدي الى تأجيل الدستور. كل ذلك يعني ان الوفاق ممكن وانه الحل الوحيد لتجاوز الخلافات، وإرساء ديمقراطية مستقرة، تستفيد من ميزة من اهم مميزات تونس، وهي حيادية المؤسسة العسكرية، ورفضها لعب اي دور سياسي يتنافى مع واجبها الجمهوري.

الوفاق في تونس انتصر والحمد لله، واعتقد ان النخبة السياسية ملتزمة الى حد كبير بدعم حكومة السيد مهدي جمعة، التي تحظى بمباركة الشعب التونسي. ولكن المسيرة مازالت طويلة والقوى المتربصة بالثورة والانتقال الديمقراطي في بلادنا لن تيأس من محاولة إرباك المسار.

بلادنا حضرات السيدات والسادة، موحدة الان في مواجهة الارهاب، والنخبة السياسية واعية الى حد كبير، بان العودة لوضع الاحتقان والصدام لا مبرر له، وأن دعم مناخ الوفاق والتهدئة يساعد على تنظيم الانتخابات في افضل الظروف.

طبعا الظرف الاقتصادي مهم جداً في ضمان الاستقرار في البلاد، ونحن نتمنى ان يشجع الوفاق الوطني، أصدقاء تونس في العالم على مساعدة الحكومة اقتصاديا وماليا، وتحفيز المؤسسات المانحة ورجال الاعمال على دعم تجربتنا الفتية، التي بقيت الشمعة الاخيرة المضيئة في الربيع العربي.

تونس طوت صفحة صعبة من تاريخها السياسي، والحمد لله. ووضعت قطار الديمقراطية على السكة، وأهدت العالم اول دستور لثورات الربيع العربي، وهي بذلك تؤكد نهاية عهد " الاستثناء العربي " في مجال الديمقراطية. العرب والمسلمون قادرون على إقامة أنظمة حرة ديمقراطية، قادرون على التداول السلمي على السلطة، قادرون على إنجاز دساتير تقر حرية الضمير وحق الاختلاف، وتضمن حقوق المرأة، والأقليات وتحافظ على البيئة والتنمية المستديمة، وتكفل العدالة.

نعتقد أن هذا الوفاق يجب أن يتواصل حتى بعد الإنتخابات القادمة.

يجب على التيارات الأساسية في البلاد أن تساهم في صنع تونس الغد, يجب على سفينة تونس أن تقلع بجميع أبنائها.

نعتقد أن حزبنا له حظوظ كبيرة في الإنتخابات القادمة, ولكن مع هذا فإننا نعتقد أن البلاد لا يمكن أن تحكم بتيار أو حزب واحد. في المراحل الإنتقالية عندما تكون المؤسسات هشة لا يمكن لأغلبية 51% أن تؤسس حكما مستقرا' بل يجب أن تشارك التيارات والأحزاب الأساسية في الحكم عن طريق حكومة إئتلافية موسعة تحقق الإستقرار وتقوي الديمقراطية والمؤسسات.

هذا هو الدرس التونسي، درس تونس الدولة الصغيرة برقعتها الجغرافية ومواردها الطبيعية، الكبيرة بشعبها المحب للحرية والديمقراطية والسلام.

شكرا مرة أخرى على هذه الفرصة وشكرا على الإستماع.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


اترك تعليق