لمن يكتب تاريخ ليبيا.. يومُ العدوان الفرنسي على بنغازي

By : د. الصادق الغرياني

العدوان الفرنسي على بنغازي ليس وليد الساعة، بل ناتج عن تداعيات وأحداث تتكشف يوما بعد يوم.

 

ما يجرِي هو جنايةٌ على الوطن، بما في هذه الكلمةِ من معنًى.

 

مكيدةٌ صُنعت في دهاليزِ المخابراتِ، ونفَّذَها السفراءُ الأجانبُ، وما يُسمى المجتمعَ الدوليّ، بمباركةِ وتوقيع وحضور بعضِ النّخب والسياسيين والنّشطاء، وبعضِ مَن حُسبوا على الثورةِ، ونَكصوا على أعقابِهم، وجميعُهم لا يملِك أيّة صفةٍ شرعيةٍ ولا قانونيةٍ تُخوِّلُهم حق النيابةً والتوقيع عن الليبيين.

 

فجعلوا للأسف ظهورَهم مطيةً ركبَها أعداءُ الله؛ ليصِلوا مِن خِلالِها إلى ما يُريدُون مِن العَبثِ بمصيرِ ليبيا، وإجهاضِ ثورتها، والانقضاض على مُكتسباتِها.

 

استعملَ المخطّطونَ لذلكَ، المبدأَ المعروف للاستعمارِ (فَرّق تَسُد) تحتَ شعارِ اتفاقٍ سياسيٍّ كاذبٍ مزعومٍ.

 

هي جِناية في حقِّ الوطن. والمسئوليةُ الشرعية في الجنايةِ تقعُ عادةً على طرفينِ؛ المباشِر والمتسبّب، فهما شريكانِ في الإثمِ.

 

أمّا المباشرُ فلِقَول الله تعالَى: (مَن يَعملْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ).. والمباشرُ لهذا العبثِ بالملفِ الليبيّ الآنَ، هو مجلسُ الرئاسةِ وحكومَتُه، فهو مجلسٌ معلّقٌ، وحكومةٌ معلقةٌ، لا يحملُ أيٌّ منهُما صفةً قانونيةً، حتّى بمقتضَى ما وقّعُوا عليه في مسوداتِ الصخيرات، التي ارتضَوهَا، فهم اشترطُوا على أنفسِهم فيها -لاكتسابِ الشرعيةِ- اعتمادَهم مِن برلمانِ طبرق، وبرلمان طبرق لم ينعقدْ منذُ ذلك الحِين.

 

هذا بالإضافةِ إلى أنهم لم يُفلحوا في شيءٍ، ازداد معهم الخطف واختلال الأمن، وازدادتْ معهم الأزماتُ، والفوضى وعدم احترام القانون، وما يأتي هو لونٌ منها:

 

1- اقتحامُهم للمقراتِ العامة بالقوة، وهي سُنةٌ سيئةٌ سنّوها لكلّ الخارجين عن القانونِ، لا تؤسِّسُ لدولةٍ، ولا تقيم مؤسساتٍ، ولا تُصنَّف إلا في أعمالِ السطوِ والبلطجةِ، الخارجةِ عن القانونِ؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: (مَن سَنَّ فِي الإِسلامِ سُنَّة حَسَنَةً فلهُ أجرُها وأجرُ مَن عملَ بها مِن بعدِه، ومن سَنَّ في الإِسلام سُنَّة سيِّئة كانَ عليهِ وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عملَ بِها مِن بعدِه).

 

وتسأل أينَ التعديلُ الدستوريّ التاسع بتحكيم الشريعةِ؟ وأين مدونةُ القوانينِ، التي عُدلت بما يوافقُ الشريعة الإسلامية؟! لا بدّ أن نعرفَ أنّ هذا الإنجازَ من المؤتمر الوطني العام، كان على رأسِ ما استُهدفَ بهذه الفوضَى.

 

2- تفاقمتْ معهُم متاعبُ الناسِ؛ تعثّرٌ في المرتباتِ، شُحٌّ في السيولةِ، وهي أزمةٌ إضافيةٌ لم تكنْ مِن قبلُ، انقطاعٌ طويلٌ في الكهرباء، غلاءٌ فاحشٌ في الأسعارِ، ارتفاعٌ جنونيٌّ في سعرِ الصرفِ الأجنبي، تدنٍّ غيرُ مسبوقٍ في الخدماتِ، إلخ.

 

3- البياناتُ التي يصدرونها مِن حين لآخرَ في الشأنِ العام، كلّها تتملقُ حفتر، وتتوددُ إليه، وتتوافقُ مع التدخلِ الأجنبي ولا تستنكرُه، وتُدينُ سرايَا الثوار في الدفاعِ عن بنغازي ودرنة، وتصفُهم بالإرهاب.

 

هذا بعضُ ما نراه منذ دخولهم طرابلس، والقائمةُ تطولُ.

 

الطرفُ الثاني - الذي يتحملُ المسؤوليةَ التاريخيةَ والجنائيةَ - هو المتسببُ في هذا العبثِ، فإنّ المتسببَ في الإثم كالمباشر، قال النبي صلى الله عليه وسلّم: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى, كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا, وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ, كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أوزارهم شَيْئًا).

 

وهؤلاء هم كلّ مَن طبّل وزمَّر للاتفاقِ الكاذبِ، مِن الإعلاميينَ والسياسيين، والذيول التِي تعيشُ في الغربِ، الذين كانوا وقتها لا يطيقونَ حتى أنْ يوجّه أحد مُجردَ انتقادٍ لِما يُسمى زورًا بالتوافقِ، ويتهمونه بأنّه ضد توافق الليبيين ويهددون بأن اسمَه سيُدرجُ فِي قائمةِ العقوباتِ، تكميمًا للأفواهِ، وقهرًا لإرادةِ الناسِ! ومنهم من تولى الوشاية وقدم قائمة ببعض الأسماء إلى لجنة العقوبات!

 

واستطاعَ المخططونَ لهذا الشرِّ الوبيلِ، شراءَ ذِمم عناصرَ ، كانوا قادةً في فبراير وفجر ليبيا، استخدمُوهُم للتّخذيلِ وشقِّ الصفّ، وتوهينِ الهِمم، كما استطاعُوا شراءَ أصواتٍ إعلامية وسياسية لامعة، كانتْ تُدافع على الثورةِ ومبادئِها بكلّ قوة، فتحوّلت بينَ عشيةٍ وضحاهَا إلى الضفةِ الأخرَى؛ ظنًّا منها ومِن بعضِ السياسيينَ والنشطاءِ، أنّ الأمرَ قد حُسم، وأنّه لا فائدةَ من التمسكِ بالمبادئِ والثوابتِ، التي ماتَ مِن أجلِها الشهداء، وأنّ هذا هو المُمكن المتاح، ارتكابًا في زعمِهم لأخفِّ الضررينِ، وأنّ المسألةَ مصالح ومفاسد، فصارَ الكلُّ يُفتي، ويحللُ ويحرمُ إثمًا وزورًا.

 

الآنَ تبينَ الصبحُ لذي عينينِ، ولا بدّ أنّه تبيّنَ لهم أنّ المسألةَ كانَ حسمُها بأيديهِم، لا بيدِ عدوّهم، وأنّ مصابنا بأيدينا، لا بيد عدونا، وعلى نفسِها جَنَتْ بَرَاقِش!

 

أدْعُو الجميع، وبالخصوص كلّ مَن اجتهدَ وأخطأَ أن يعودَ إلى الصوابِ، وألا يتمادى الأطراف في حشرَ الخلافاتِ الشخصيةَ في قضايا قد تُضيّعُ الدينَ والوطنَ، وليستفيدوا من موقف المعارضة في تجربة الإطاحة بالانقلاب التركي الفاشل.

 

ومراجعة النفس بالرجوع إلى الحقّ ليس هزيمةً ولا مذلّةً، بل هو شجاعةٌ وثقة بالذات، وانتصارٌ للنفسِ وانتصار للوطن، قال النبي صلى الله عليه وسلّم لأصحابِه ذاتَ يومٍ: (هَل تَدرونَ مَا الشَّجَاعَة فِيكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَال، قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ).

 

أمّا استهدافُ سرايَا الثوارِ مِن قبلِ القواتِ الفرنسية، فهو وإن لم يكن في ذاته مفاجأة، للتداعيات السابقة، لكن المفاجأة فيه هي اعتراف فرنسا به (رسميا) وكان ذلك منها بمثابةِ إعلانِ حربٍ على ليبيا، فقدْ أشادَت وزارةُ الدفاعِ الفرنسيةُ بشجاعة جنودها فيما يقومُونَ به في بنغازي، وصعوبة مهمتهم، ويُعد إعلانها بهذه الصورة عُدوانا سافرا على التراب الليبي، والسيادةِ الليبية، يعطِي الحقّ لليبيينَ أنْ يُدافعوا عن أنفسهِم، بكلّ الوسائلِ المشروعةِ الممكنة.

 

وعلى أهل ليبيا جميعًا أن يخرجُوا في مظاهراتٍ عارمةٍ، استنكارًا لهذا العُدوان الصارخِ، ويُطالبوا بقطعِ العلاقاتِ مع فرنسا، ومع أيّ دولةٍ تشترك معها في العدوانِ على أرضِ الوطن، كما أن عليهم أن يلتحقُوا بالجبهاتِ؛ لقتالِ الخوارج في سرت، وقتال حفتر ومرتزقتِه، وأعوانِه مِن الغزاةِ في بنغازي، نصرة لإخوانهم المُهجّرين، الذين هَجَّرهم حفتر وأعوانه مِن ديارهم، واستباحُوا حرماتِهم وأملاكهم، ومَن مات في قتالِهم صابرًا محتسبًا ماتَ شهيدًا بإذنِ الله.

 

هذه التجربة المُرّة للاتفاق المزعوم، تؤكد أن المؤتمر الوطني العام، هو الجسم الشرعيّ الوحيدُ الذي له ولاية الأمر في ليبيا إلى حدِّ الآن، وذلك لأمرين:

 

1- حكمِ المحكمةِ العليا التي قضت ببطلان انتخابات برلمان طبرق.

 

2- لم يتمّ تسلمُ السلطة منهُ بصفة مشروعة لأي جهة، لذا فإنّي أدعو كلّ أعضائِه، الذين تسرعُوا والتحقُوا بما يسمّى مجلس الدولةِ، إلى الرجوعِ للمؤتمر لعقدِ جلسةٍ قانونيةٍ؛ لأنّ الأمانةَ التي حُمِّلوها وحلفوا عليها اليمين لا تزالُ في أعناقِهم، وأطلبُ منهم -ليُبرّؤوا ذمّتَهم- أنْ يختارُوا أفضل المبادراتِ التي قُدمت إليهم مِن مجلسِ التوافق الوطنيّ للحوار الليبي الليبي، ويسلّموا إليهِ السلطةَ، فإن مِنْ طُرق تنصيب ولي الأمر في الفقه الإسلامي أن يعهد ولي الأمر السابق إلى واحد من بعده يختاره، كما فعل الصديق، في اختياره الفاروق -رضي الله عنهما- أو يعهد السابق إلى جماعة من بعده، كما فعل الفاروق رضي الله عنه، عهد بها إلى ستة ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.

 

جمع الله الكلمة على الهدى والحق، وخذل الظالمين وأعداء الدين (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خَوَّان كفور).


اترك تعليق