انقلاب تركيا .. دروس وعِـبَر

By : د . محمد موسى الشريف

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ.. قد منّ الله علينا بإخفاق الانقلاب الأثيم في تركيا بعد ليلة ليلاء بلغت القلوب فيها الحناجر, وزلزلنا زلزالا شديداً.. ليلة زاغت فيها الأبصار وظننا بالله الظنونا

 

اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.. وهذا أقصر انقلاب في تاريخ المنطقة الحديث, إذ بقى بضع ساعات وانقضى واعتقل أكثر القائمين عليه ولله تعالى الفضل في كل حال.

 

هذا وإن هنالك دروساً مستفادة من الانقلاب الآثم أوجزها في التالي :

 

1- كان واضحاً كل الوضوح التعلق بالله تعالى من قبل الأتراك والجماهير العربية والإسلامية وسؤاله بإخلاص وإقبال أن يبطل كيد الكائدين, وما تكبير الأتراك ودعاؤهم الله تعالى وهتافهم باسمه سبحانه في الشوارع والميادين إلا دلائل على هذا الذي ذكرته, وما سجودهم وصلواتهم فى الطرقات إلا مظهر يدل على الذي قلته, ودع عنك التأذين من المنائر والتكبير وقراءة القرآن , أما عشرات الملايين من العرب والمسلمين الذين كانوا يبتهلون ويدعون فهم دليل آخر على حسن الصلة بالله وجليل التعلق به, ولو لم نخرج من هذه الحادثة إلا بهذا لكان هذا كافيا ولله الحمد والمنة , فالتعلق بالله والانكسار إليه وقت الشدائد لهو مفتاح النصر وطريق الفوز.

 

2- ظهر واضحا جليا في تلك الليلة مدى اتحاد الشعوب العربية والإسلامية واجتماعها على حب الخير لتركيا قيادة وشعبا فعشرات الملايين كانت قلوبها مع الأتراك , وقد أظهروا فرحاً منقطع النظير بسقوط الانقلاب ومن نظر في الفيس وتويتر والقنوات الفضائية الشريفة علم ما قلته وهذا يدل بوضوح على أن المسلمين يد واحدة مهما اختلف زعماؤهم وساءت العلاقات السياسية, وأن قلوب المسلمين مع تركيا وتجربتها الجليلة , وتوجهاتها الإسلامية الظاهرة.

 

3- أظهر القائد أردوغان رباطة جأش منقطعة النظير وقام بتوجيه شعبه إلى الخروج في الشوارع والمرابطة بالميادين, وهكذا ينبغي أن يكون القائد المرتبط بشعبه, والواثق بربه, فلا يخنع ولا يخضع, بل يتقدم الصفوف, ويوجه الملاين التي تنتظر إشارته, وكم كانت الجماهير التركية وفية لقائدها الذي قدم لها الكثير وبذل لها الكثير, وما أجمل كلمته التي قالها بأن الدبابات والمعدات الحربية الموجودة في الشوارع لا تتبع الجيش التركي فانقض عليها الشباب ضربا وأسرا للجنود ورأينا بأم أعيننا الشباب العزل يخوضون معركة الكرامة أمام حفنة من العبيد وما أغنى عنهم سلاحهم شيئا وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب ويوما بعد يوم يتضح لنا ربانية هذا الرجل الصالح المصلح القائد المحنك فعندما قال له الأعداء لن تدخلوا الاتحاد الأوروبي ولو بعد 3 ألاف سنه فقال لهم لا ندرى أين سيكون اتحادكم بعد 30 سنه وها هو يبدأ بالتفكك بحمد الله ومنه وكرمه بعد خروج انجلترا منه وقد منح الله تعالى عبده أردوغان فرصة عظيمة ليقضى بهاعلى من ظهر منهم الخيانة فى الداخل (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ).

 

4- أظهر سفهاء العرب ومنافقوهم تضامناً غريباً في الترحيب بالانقلاب والتشفي من أردوغان وحزب العدالة , ونعقت قنوات الضلال وعلى رأسها القنوات المصرية الفاجرة كالبوم مبشرة بزوال حكم أردوغان, واستضافت الشامتين والشامتات, وفعلت كل ما تستطيع فعله لإظهار حقدها وعداوتها وشماتتها, وقام جماعات من مغردى السوء والضلال ببث سمومهم فى التويتر فرحين شامتين فأبى الله تعالى إلا خذلانهم وإبقاء عبده أردوغان على رأس الدولة التركية (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ).

 

وهذا التضامن العلماني التغريبي الضال دالُّ على طبيعة المعركة وأنها بين الحق والباطل, وأن أعداء هذا الدين قد شمروا عن سواعدهم, وفعلوا كل ما يستطيعون لتنحية كل عامل لدين الله تعالى باذل معطاء مصلح, ووأد كل تجربة إسلامية شريفة نزيهة وتعطيل كل عمل صالح, لكن حسبنا الله ونعم الوكيل, إن ربك لبالمرصاد.

 

5- أظهر الشعب التركي وعيا وفهما جليلاً وإدراكاً لطبيعة المعركة, ولا أكتمكم أنى لم أكن أظن أن الشعب التركي هكذا , والحمد لله قد خاب ظني, والعقبى للشعوب العربية أن تعي وتفهم وأن تضحى وتبذل وأن تستفيد من تجربة الشعب التركي الجليلة.

 

6- قد ظهر واضحاً وجوم القيادات الصليبية والصهيونية وذهولها وأنها لم تنكر على الانقلاب إلا على مضض وبعد لأي ووقت طويل نسبياً مما يظهر أن المؤامرة دولية وليست فقط جولانية وإنما فتح الله جولن وأذنابه كانوا كلاباً دربها مدربون حُذاق ظنوا أنهم سيهزمون التجربة الإسلامية بهم فأتاهم الله تعالى من حيث لم يحتسبوا فأفشل صنيعهم وأذهب تخطيطهم أدراج الرياح.

 

7- وإن كان هنالك من فائدة من هذا الانقلاب, ومنحة ربانية في ثنايا تلك المحنة فهي أن الجيش لن يجرؤ بعد ذلك على الانقلاب على الشرعية الدستورية - إلا أن يشاء الله - فقد رأوا من استبسال الشعب وقومته قومة رجل واحد أمام الانقلاب ما يقنعهم باستحالة تكرر ذلك, وأن ما شبح العسكر الانقلابيين قد ولى إلى الأبد ولله الحمد والمنه , وأن تركيا مقبلة على تاريخ جديد وستتم غربلة الجيش التركى من الخونه الذين باعوا أنفسهم للأعداء

 

وفى النهاية أقول :

قد خرج أردوغان وأركان حزبه والمسلمون كلهم في تركيا أقوى بكثير مما كانوا عليه قبل الانقلاب وهى فرصة جليلة لتطهير تركيا من العلمانيين والفاسدين والمتآمرين ومن الإسلاميين الجولانين الكاذبين ومن الخونة والمجرمين.

 

وقد أصبح المسلمون العاملون والدعاة فى جميع أنحاء العالم أقوى بكثير بعد الانقلاب وأكثر ثقة , وأصلح وعيا وفهماً , ولله الحمد والمنة.

 

(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)


اترك تعليق