العودة في حديث خاص لـ(الرياضي): الرياضيون ليسوا مسؤولين عن مشاركة المرأة

By :

- كيف ترى الرياضة من منظورٍ شرعي.؟

الرياضة حركة البدن والعقل والروح، استجابة للطاقة الحيوية التي أودعها الله هذا الكائن الحي، النجوم تسبح في الفضاء، والأشجار تهتز، والطيور تحلق، والحيوانات تتقافز .. والإنسان كائن مختار ميزه الله على كل هؤلاء .. ومنحه الصورة القويمة والجسد الجميل والعقل المدبر والروح الوثابة .. فالحياة تتطلب الحركة والانفعال .. وها هو الطفل بمجرد قدرته على المشي يكرر المحاولة ثم يركض ثم يتعب أهله في الحركة والقفز ويتعرض للمخاطر .. والشريعة تستجيب لذلك وتنظمه، فالرياضة منشط فردي واجتماعي ضروري وحين لا نوفر المحاضن الإيجابية المنضبطة لها فسوف تعبر عن نفسها بأسلوب آخر لا يخدم المصالح العامة للمجتمع.

- هل الألعاب الرياضية مؤدلجة شرعيًا.؟

الشريعة تتجه نحو الفطرية والعفوية والتسهيل في مجال الحياة العامة ، على عكس المسائل التعبدية التي تميل فيها إلى الضبط الدقيق، وكلا الأمرين يعد من يسر الشريعة وسماحتها، فالعبادات والقربات محصورة لئلا تتسع وتأخذ المزيد من نشاط الإنسان ووقته.

والأمور العادية الحياتية مفتوحة واسعة لأن الأصل فيها الإذن والإباحة والعفو، وهي تتغير بحسب الزمان والمكان وظروف الناس.

- تهتم الشريحة الكبرى من المجتمع بالوسط الرياضي.. ألا يقلقكم هذا كعلماء.؟

كنت أنظر إلى الملاعب قبل سنوات فأجدها شبه خاوية، وأنظر إلى الدروس المحاضرات فأجد فيها الحشود الكبيرة.

واليوم يحدث العكس في الغالب، ومن المقلق أن يزيد اهتمام الشباب بالرياضة عن حده، وأن يتحول إلى (هوس كروي) وولع وتعلق بالأشخاص والأندية وولاء وانتماء .. خاصة وأنه يتعامل مع الرياضة كصناعة إعلامية وليس كممارسة شخصية، فنسبة السمنة تزيد في مجتمعنا الخليجي بشكل مفرط دون أن يكون للفرد برنامج رياضي يعالجها ويحافظ على لياقته، وإنما الهم الرياضي هو التشجيع لنادٍ محلي أو ناد عالمي ومتابعة للدوريات ولو كان في أيام الامتحانات!

- مشاركة المرأة في الأولمبياد أحدثت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السعودية بين عدة أطرافٍ وأحزاب.. ما مشروعية مشاركتها.؟

أرى أن الاندفاع في هذا المضمار ليس مقبولا ولا يخدم قضية التنمية والمعالجة الجادة لمشكلات المرأة، ولا لمشكلات الرياضة، أرى أن القصة كانت مجرد رسم صورة شكلية وكأننا نقول للعالم: نحن منفتحون ومتقبلون لمشاركة المرأة، بينما مشكلات المرأة الحقيقية في البطالة وبخس الحقوق والثقافة الاجتماعية التي تزدري المرأة في بعض البيئات والعنف الأسري، إضافة إلى المشكلات العامة التي تهم الرجل والمرأة على حد سواء..

كما أننا حين نقدم أنفسنا للعالم يجب أن نمتلك الاعتزاز بهويتنا واستقلالنا ونرفض التبعية.

وكذلك هي في ميدان الرياضة ليست معالجة جذرية تضمن تفوقنا في هذا المجال.

- ألا ترى أن مشاركة المرأة في الأولمبياد تسببت في توتر العلاقة بين الشرعيين والرياضيين.؟

الرياضيون ليسوا مسؤولين عما يحدث، فالوسط الرياضي حافل بأعداد غفيرة من اللاعبين والإداريين والمهتمين وهم جزء من هذا المجتمع ولهم حضورهم واحترامهم، ولا يجب أن يؤاخذ أحد بخطأ غيره، وعلينا أن نتجنب لغة التعميم.

- ثمة اختلاف شرعي حول التعصب الرياضي.. ما حكمك في هذا.؟

التعصب مذموم كله، وكم أفسد التعصب الرياضي من علاقة وصداقة وقرابة وضمير، والناس حين تدرك أن هذا الإنسان متعصب لن تقبل منه، لأنه فقد الحياد والاتزان والوسطية والانضباط، وسمح لميوله المسرفة أن تسيطر عليه ..

كل كلمة أو مقالة أو تعليق أو موقف بسبب التعصب هو مرفوض، والإنسان على نفسه بصيرة، ولذا أنصح أبنائي وأخواني أن يدركوا أن التعصب (وصمة) تلحق صاحبها وتحط من قدره، وأن يكون بعض من يوافقونك في تشجيع هذا النادي يصفقون لك فهذا من الغرور وتسويق الوهم.

وكل شيء تجاوز عن حده ينقلب إلى ضده حتى لو كل من الفضائل والمحاسن فضلاً عن غيرها.

- حسنًا.. ما علاج التعصب لدينا.؟

تخفيف حدة التعصب بين الأندية مطلب، وقد رأيت كثيرين يتهمون الفريق المنافس لهم دون بينة بتعاطي السحر مثلاً، أو ينشرون عنهم الشائعات، وأحياناً ربما سعوا في الإيقاع بهم أو ببعضهم وتدمير سمعتهم الشخصية وحضورهم الاجتماعي ..

والكبار هم كبار حتى في تنافسهم واختلافهم، والأخلاق تبين عند الاختلاف، وربما كان من الجيد أن تتبارى الأندية في ضبط مشجعيها وأفرادها بواسطة المحاضرات والنشاطات التوعوية والثقافية، ومحاربة الظواهر السلبية وإن كانت في صفوفها، كثيرون يرون الخطأ حين يكون في صف الخصم ولكنهم يسكتون عنه حين يكون في صفوفهم هم.

- نريد منك كلمة إلى بعض المشجعين الذين يفقدون أعصابهم في المدرجات ويتلفظون بكلامٍ غير مقبول على اللاعبين..

نعم . وبعضهم قد يشتمون اللاعب الذي يشجعونه ووالديه لأنه في نظرهم (فوت الفرصة)، أو يشتمون الفريق الآخر، وكل هذا محرم وباطل يجب تربية النفس على تجنبه والله تعالى يقول ( وقولوا للناس حسنا) ويقول ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم).

- الرياضة على المستوى العالمي تحولت إلى رسالة اجتماعية ووسيلة اقتصادية.. في السعودية هل وصل الأمر إلى ذلك.؟

أتذكر تجربة ( نلسون ماندلا) في جنوب أفريقيا وكيف استفادت من لعبة (الركبي) و(نادي بافانا) في الدمج بين البيض الذين كانوا يسيطرون على الأندية وبين السود الذين هم عامة الشعب، ونجح في ذلك نجاحا باهراً، فالرياضة إذاً رسالة اجتماعية وتربوية إذا أحسن توظيفها، وكم من لاعب مستقيم كان سبباً في زرع القيم والأخلاق لدى مشجعيه، والرياضة في جنوب أفريقيا كانت أحد أسباب الحيلولة دون حرب أهلية بينما في بلاد أخرى هي سبب للعديد من الحروب حتى داخل البيوت والفصول الدراسية ومكاتب الإدارات الحكومية!

والرياضة استثمار اقتصادي في الأندية واللاعبين والإعلان والبرامج والمشاريع.. ولكن لا أعتقد أن بصمة الأندية واضحة في عطاء تطوعي نافع للمجتمع وملموس حتى الآن.

- تحدثت في برنامج (ميلاد) عن الإعلام الرياضي.. وصفته بالحر الذي لا يخلو من العنصرية.. هل ترى الإعلام الرياضي عنصري؟

لست متابعاً جيدا للإعلام الرياضي، وأعتقد أنه مع ظهور الشبكات الاجتماعية تحول كثير من القراء والمشاهدين إلى تويتر والفيس بوك والأدوات الأخرى .. وأظن أن الإعلام الرياضي لا يخلو من نزعة تعصب في الجملة وإن كنت لا أعمم الحكم على الجميع فهناك كتاب ومعلقون ومحللون يشهد الجميع بنزاهتهم أو محاولتهم أن يكونوا نزيهين، ولهم منا جميعاً الشكر والدعاء بالمزيد.

- الأندية الرياضية خالية إلى حدٍ كبير من الجوانب الاجتماعية والثقافية.. أأنت مع حصر الأندية على الجانب الرياضي وإنشاء أندية خاصة للجوانب الاجتماعية والثقافية.؟

أرى أن أمام الأندية ميدان فسيح وفارغ من الأنشطة الطوعية الاجتماعية الضخمة التي سوف تجسّر العلاقة مع الناس وتفتح مجالاً واسعاً للتواصل وتضخ دماءً جديدة في الأندية الرياضية، لماذا لا يقوم كل ناد بوضع خطة لمناشط اجتماعية وخدمات إنسانية وأعمال طوعية يشرف عليها ويستقطب لها المئات أو الآلاف من أبناء المدينة؟

- الجانب الثقافي والجانب الاجتماعي في الأندية الرياضية تحت مضلة الرئاسة العامة لرعاية الشباب.. ترى إبقاءها أو نقلها إلى وزارت أخرى متخصصة.؟

التجربة لا زالت تدل على أن الأندية الرياضية لم تحقق ما هو مأمول في الجوانب الأخرى، والذي أراه أن تظل المحاولة قائمة، وربما طرأت ظروف وأسباب تسمح لها بنجاح أفضل، علماً أن ثم جهات أخرى هي مسئولة أصلاً عن مثل تلك المناشط كوزارة الشؤون الاجتماعية أو الشؤون الإسلامية أو الأندية الأدبية كجهة مختصة.

- صرح لاعب نادي التعاون الجزائري الحاج بوقاش أنه أشترط على إدارة ناديه تأدية فرضية الحج برفقتك.. هل وصلتك مطالبته وما ردك عليه.؟

نعم وصلت الفكرة وأرحب بابني الحاج بوقاش في بلده (بريدة) وأسعد بمقابلته وإهدائه مؤلفاتي، والتواصل معه، وسأرتب الأمر معه عندما يتم اللقاء، وأسمع منه مباشرة.

- ظهرت في مقطع عبر (اليوتيوب) تؤكد أنك من مشجعين نادي التعاون سابقًا وأحدث ذلك ضجيجًا كبيرًا.. بماذا ترد.؟

كان هذا حديثاً مازحاً في مجلسي ببريدة مع الأستاذ/ عبد الله الرواف وآخرين وقلت لهم إنني في حياتي حضرت مباراة واحدة فحسب وكنت طفلاً، وضعنا وسط الزحام .. ولم أظفر من تلك المحاولة إلا بكأس من عصير ( مصلح) وأفلحت جهود الشيخ (الوالد) في صرفي عن الرياضة إلى التجارة معه في المحل ثم إلى طلب العلم والدراسة.

- هل تمارس الرياضة بشكلٍ مستمر.؟

الرياضة هاجس دائم.. فإن وجدت فرصة فعلت، وإن لم أجد تحركت حتى لو كنت أدور وسط غرفة ضيقة بانتظام، وفي الاجتماعات العائلية والمناسبات أحاول استعادة لياقتي مستذكراً قول الشيوخ (من ترك المشي تركه المشي)!

- المجتمع القريب لشخصك ذو شجونٍ بالرياضة أو قلما تكون هناك فرصة.؟

بعض أولادي يتابعون المباريات والأندية ويشجعون باعتدال وأظن أن هذه مرحلة عمرية يتخطاها الإنسان ويشتغل المرء بالعمل والإنجاز والنجاح..

- كيف تقيم نفسك في متابعة الشأن الرياضي بالسعودي.؟

علاقتي بهذا الشأن تقتصر على معرفتي الشخصية بالعديد من مشاهير الرياضة واستقبالي لهم ومحضي المشورة والنصح فيما يسألون عنه، وحضوري بعض المجالس وإلقاء العديد من المحاضرات في تلك الأندية.

- المساحة الأخيرة متروكة لك..

تحيتي لكل من يتصفح هذه المطبوعة "الرياضي" ودعواتي لهم بالتوفيق والنجاح والسداد والسعادة، وأتمنى أن نفلح في التواصل والتعاون لبناء الحاضر ومواجهة تحديات المستقبل ومخاطره، وتوظيف الإمكانات لذلك، وأن تكون الرياضة (وغيرها) وسيلة للتواصل والتعارف وليس للقطيعة والاحتراب. 


اترك تعليق