حماة في عهد حافظ الأسد (قصة الإسلام)

By : أ. د. يوسف القرضاوي

اغتصب حافظ الأسد السلطة بانقلاب عسكري في نوفمبر/تشرين الثاني 1970م، واستولى على كافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأجرى استفتاءً صوريًّا وعين مجلسًا للشعب، وقدَّم لهذا المجلس دستورًا مفصلاً على مقاسه، أبقى فيه السلطات الثلاث بيده، وصار حافظ رئيسًا للجمهورية، يعيِّن رئيس الوزراء والوزراء ويقيلهم، وفي الوقت نفسه هو رئيس لمجلس القضاء الأعلى، وصارت وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفاز حكرًا لزمرة الأسد وصنائعه، وأبعد عنها الأكفاء، ما دام ولاؤهم لنظام الأسد غير مضمون، فتردت إلى الحضيض.

ولم يبق أمام رجال الفكر والمثقفين مجال لطرح أفكارهم، وترشيد السير، وفضح الممارسات الخاطئة من قبل الأجهزة القمعية والجيوش الطفيلية من أمثال: الوحدات الخاصة، وسرايا الدفاع، وسرايا الصراع، والميليشيات المسلحة التي أطلقوا عليها الكتائب العمالية والكتائب الطلابية، وفتيان عليٍّ، وفتيات علي، والفرسان الحمر، وفرق المظليات، وجمعية الإمام المرتضى، والآلاف المؤلفة من عناصر المخابرات وعملائهم من المخبرين.. لم يبق لرجال الفكر وعلماء الدين من مكان يطلقون منه صوت النذير سوى دور العبادة والندوات لدى نقابات المهن العلمية، كنقابات المحامين والمهندسين وأطباء الأسنان والصيادلة، والمهندسين الزراعيين، والأطباء.

وقد أجمع المثقفون ورجال الفكر والسياسة والقانون على المطالب التالية:

1- رفع حالة الطوارئ، وإلغاء المحاكم العرفية الاستثنائية.

2- إعادة جميع صلاحيات التقاضي إلى القضاء المدني.

3- استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.

4- احترام مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فعلاً وممارسةً، وعدم الاكتفاء بالقول، واعتبار كل نص تشريعي مخالف لمبادئه مُلغَى ولو توافرت فيه الشروط الشكلية.

5- إجراء انتخابات حرة يختار الشعب بها رجال السلطة التشريعية.

وصارت منابر دور العبادة والندوات العلمية لدى نقابات المهن العلمية، مراكز للإعلام ومجالاً لطرح الأفكار وللمطالبة بالإصلاح، ولنقد الممارسات الخاطئة واللاإنسانية.

وتم الاتفاق بين كافة قطاعات الشعب على إعلان الإضراب العام يوم 31/3/1980م تأييدًا لهذه المطالب، فأضربت النقابات، وأغلقت الأسواق، وتوقفت الحركة في المدن والأرياف، وطُبعت عشرات الآلاف من النشرات، تبيِّن المطالب المتفق عليها، ووزعت في أنحاء القطر، وخرجت المظاهرات الشعبية الصاخبة، في مختلف المدن والقرى تضامنًا مع هذه المطالب.

جرائم النظام السوري:

 أسقط في أيدي الحفنة المتحكمة بمقدرات البلاد، ولم يعد أمامها سوى هذين الخيارين: القبول بمطالب الشعب -وهذا يفقد مرتزقة النظام مكاسبهم غير المشروعة- أو اللجوء إلى البطش بالشعب؛ لإخماد هذه الروح التحررية التي سرت في صفوف الشعب.

وبالطبع اختار النظام القمعي ما يتلاءم وطبيعته اللاوطنية واللاأخلاقية اختار الطريق الثاني، فبادر إلى حل النقابات العلمية، ومجالسها وفروعها، ومؤتمراتها العامة، واعتقل أعضاءها، كما اعتقل عددًا كبيرًا من أساتذة الجامعات والمحامين والأطباء والصيادلة والمدرسين وعلماء الدين، وآلافًا من طلاب الجامعات والمدارس الثانوية، وقتل المئات منهم، وألقى بجثثهم في الشوارع، من أمثال الدكتور الشهيد أدهم سفاف -الأستاذ بكلية الزراعة في جامعة حلب- والمربي الأستاذ الشهيد عبد القادر خطيب -مدرس الرياضيات في ثانويات حلب- وأغلق عددًا كبيرًا من دور العبادة، ودمر قسمًا منها، وصار الجنود يدخلون المساجد بأحذيتهم، يطلقون النار على المصلين، ويمزقون المصاحف، ويتحدون مشاعر المسلمين..!!

وبدأ عهد مرير من الإرهاب دونه عهود محاكم التفتيش، وارتكب النظام الأسدي جرائم لا عهد لأبناء أمتنا بها أو بمثلها.. فلقد أقدم النظام على مجازر جماعية؛ من أجل سحق المعارضة الشعبية التي تشكل أكثر من 90% من مجموع أبناء الشعب في قطاعاته وفئاته وأحزابه ونقاباته كلها.

تمشيط المدن والقرى:
ابتدع نظام حافظ الأسد طريقة للإرهاب تعلَّمها من صديقه ومرشده الإرهابي بيجن، وهي الاعتداء على حرمة المساكن، واختطاف النساء والفتيات، والسطو على الأموال والممتلكات، وقتل الأزواج، والتمثيل بهم أمام الزوجات والأولاد.. أقدم النظام على هذه الجرائم تحت اسم "تمشيط المدن والقرى"؛ إذ تقوم الحوامات والدبابات والقوى المحمولة بتطويق المدن والقرى التي يراد تمشيطها، ويؤمر الناس بمنع التجول والمكوث في بيوتهم، وتقسم المدينة إلى قطاعات تتولى كل قطاع مجموعة كبيرة من الجنود والوحدات الخاصة وسرايا الدفاع وعناصر المخابرات والكتائب الطائفية..!!

ويستبيحون كل شيء في أثناء "التمشيط"، يسرقون وينهبون ويدمرون ويعتدون على الناس، والحرمات والمقدسات، ويقتلون كل من يرفع صوته محتجًّا على هذه الانتهاكات، زاعمين أنه من الإخوان المسلمين..!! وكثيرًا ما أبادوا أسرًا كاملة، وقطعوا أيدي النساء وأصابعهن من أجل الأساور والخواتم الذهبية.. يسحلون من يقتلون بالسيارات والدبابات أمام الناس؛ لنشر الذعر والرعب والإرهاب في قلوب المواطنين، ولم تكد تخلو مدينة أو قرية في القطر إلا وتعرضت للتمشيط؛ فحلب مثلاً مشطت مرتين، ومدينة حماة مشطت تسع مرات، وهكذا سائر المدن والقرى.

أهم المجازر الجماعية في سورية:
ارتكب نظام حافظ الأسد عددًا من المجازر الجماعية في طول البلاد وعرضها، نذكر فيما يلي أهمها:

1- مجزرة جسر الشغور:
قامت القوات الطائفية المسماة بالوحدات الخاصة التي يرأسها العميد الطائفي علي حيدر بتطويق مدينة جسر الشغور، وقصفها بمدافع الهاون، ثم اجتاحها في العاشر من مارس/آذار 1980م، وأخرج من دورها 97 مواطنًا بريئًا من الرجال والنساء والأطفال، وأمر عناصره بإطلاق النار عليهم.

وقد شهد هذه المجزرة وشارك فيها المجرم توفيق صالحة عضو القيادة القطرية لحزب الأسد، كما أمر حيدر وصالحة بتدمير البيوت وإحراقها، فدمروا ثلاثين منزلاً، وأمرا بالتمثيل ببعض الجثث أمام الناس الذين حشروهم حشرًا، وممن مثلوا بجثته طفل، أمرا بقتله أمام أمه والتمثيل بجثته وشقها نصفين، فماتت أمه على الفور من شناعة الحادث!!

2- مجزرة قرية كنصفرة:
تقع هذه القرية الوادعة في جبل الزاوية بمحافظة إدلب، وقد قدر لها أن تشهد جانبًا من ظلم حافظ الأسد وأعوانه في مارس/آذار عام 1980م، يوم أن قدم إليها أمين سر فرع الحزب في محافظة إدلب، ومديرا التربية والتموين فيها، إضافة إلى مسئولين آخرين، وقد اجتمعوا في القرية مع بعض الحزبيين فيها، وفي نهاية الاجتماع حاول الأهالي البسطاء اغتنام الفرصة، فعرضوا بعض مطالبهم الضرورية كالماء والكهرباء والمدارس..

ولكن الزائرين المتغطرسين سخروا من المواطنين واستثاروهم، ثم أمروا عناصرهم المسلحة بإطلاق النار عليهم، فقتلوا مواطنًا وجرحوا عشرةً آخرين، ثلاثة منهم بجراحٍ خطيرة، وما لبثوا بعد أيام أن أمروا بحملة اعتقالات واسعة بين المواطنين.

3- مجزرة سجن تدمر:
الجرائم التي ترتكبها السلطة الغاشمة في المعتقلات الأسدية عامة وفي سجن تدمر الصحراوي خاصة، أكثر وأكبر من أن تُتخيَّل وتدرك وتُحصى، والتعتيم على ما يجري فيها وطمس تلك الجرائم، جعلا نظام الأسد يفضِّل قتل من فيها شنقًا ورميًا بالرصاص، على الإفراج عن معتقل واحد، يخرج ليروي للناس ما لقي هو وسائر المعتقلين من ألوان البلاء..!!

والأفراد النوادر الذين نجاهم الله من ظلم الأسد، رووا من الوقائع الرهيبة ما يفوق كل تصور. ولسنا الآن بصدد الحديث عن سجن تدمر تفصيلاً، ولكننا نريد التحدث عن المجزرة الكبرى التي اقترفها الطائفيون الآثمون يوم 27/6/1980م عندما أمر السفاح رفعت الأسد -شقيق الطاغية حافظ الأسد- عناصره من سرايا الدفاع بتنفيذها.. لقد كلف رفعت صهره الرائد الطائفي معين ناصيف باقتحام سجن تدمر وقتل من فيه من المعتقلين، ونفذ الطائفيون جريمتهم الشنيعة، فقتلوا أكثر من سبعمائة معتقل في زنزاناتهم.

4- مجزرة سوق الأحد بحلب:
بتاريخ 13/7/1980م هاجمت عشرون سيارة عسكرية محملة بالعناصر (سوق الأحد) المزدحم بالناس الفقراء البسطاء من عمال وفلاحين ونساء وأطفال، يؤمون هذا السوق الشعبي الواقع في منطقة شعبية في مدينة حلب؛ من أجل ابتياع ما يحتاجون إليه من الباعة المتجولين على عرباتهم وبسطاتهم.. وأخذت تلك العناصر المسلحة تطلق النار عشوائيًّا على الناس، فسقط منهم (192) مائة واثنان وتسعون مواطنًا، وحاول الناس إسعاف الجرحى الذين مات الكثيرون منهم بعد ساعات أو أيام.

5- مجزرة سرمدا:
كانت هذه القرية الأثرية المشهورة بعواميدها الأثرية تعيش حياة آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من الأرض التي يكدح أهلها الفلاحون بحراثتها وزرعها. وفي يوم 25/7/1980م طوقتها قوات (الوحدات الخاصة)، ثم داهمتها وفتكت بنسائها ورجالها الذين جمعت ثلاثين منهم في ساحة القرية، ثم أطلقت نيران الرشاشات على 15، ثم ربطت بعض شباب القرية بالسيارات والدبابات، وسحلتهم أمام الناس، وتركت الجثث الأخرى في القرية.

6- مجزرة حي المشارقة بحلب:
في صبيحة عيد الفطر يوم 11/8/1980م وفيما كان الناس يتزاورون مهنئين بعضهم بعضًا بالعيد، وإذا المقدم الطائفي هاشم معلا يأمر رجاله بتطويق حي المشارقة الشعبي، ويأمر بإخراج الرجال من بيوتهم، ثم يأمر بإطلاق النار عليهم، فقتل منهم (86) ستة وثمانين مواطنًا، أكثرهم من الأطفال.

7- مجزرة بستان القصر في حلب:
في اليوم التالي لعيد الفطر وللمجزرة التي ارتكبها المجرم هاشم معلا في حي المشارقة، أي في 12/8/1980م، جمعت قوة من العناصر الطائفية في الفرقة المدرعة الثالثة التي احتلت حلب - جمعت خمسة وثلاثين مواطنًا، أخرجتهم من بيوتهم، وأطلقت عليهم النار، فقتلتهم جميعًا.

8- مجزرة تدمر النسائية:
هذه المجزرة فريدة بين المجازر التي ارتكبها الطغاة عبر التاريخ، ففي 19/12/1980م حفرت (بلدوزرات) نظام الأسد أخدودًا كبيرًا، استاقت إليه مائة وعشرين امرأة. كانت سلطات الأسد اعتقلتهن كرهائن من أمهات الملاحقين وأخواتهم، وأودعتهن في سجن تدمر الصحراوي، ثم أطلقت عليهن النار، وهنّ على حافة الأخدود، فوقعن فيه مضرجات بدمائهن، ثم أهال المجرمون التراب عليهن، وبعضهنّ يعلو أنينهن؛ إذ لم يفارقن الحياة بعدُ!!

9- من مجازر مدينة حماة:
كانت مدينة حماة -وما تزال- بحكم التكوين النفسي والديني والوطني والتاريخي لسكانها، الهاجس الذي أقلق رأسي النظام الأسدي: حافظ ورفعت، حتى بلغ الأمر بالسفاح رفعت أن يصرح أكثر من مرة، أنه سيجعل المؤرخين يكتبون: أنه كان في سورية مدينة اسمها (حماة)، وأنه سيبيد أهلها؛ لتكون عبرة لغيرها من المدن السورية.

ومن هنا.. من رأسي النظام كان مصدر البلاء، وكانت الكوارث التي صبها الطائفيون على مدينة أبي الفداء؛ حتى فكروا بتغيير اسمها. وفيما يلي أبرز المجازر التي أقدموا عليها:

أ- المجزرة الأولى:
تعرضت مدينة النواعير لأول مجزرة جماعية في إبريل/نيسان 1980م عندما حوصرت من كل الجهات، وقطعت عن العالم الخارجي، وقطعت عنها المياه والكهرباء، وفُتشت بيتًا بيتًا، وقتل المجرمون عددًا من أعيان المدينة وشخصياتها، كما اعتُقل المئات الذين لم يفرج عنهم حتى تاريخ صدور هذا الكتاب.

ب- المجزرة الثانية:
في 24/4/1980م طوقت المدينة بالدبابات وبقوات كبيرة من الوحدات الخاصة، مدعومة بمجموعات كبيرة من سرايا الدفاع، وأعملوا بالمواطنين قتلاً وتعذيبًا.

فاستشهد من أبناء حماة (335) ثلاثمائة وخمسة وثلاثون مواطنًا، أُلقيت جثثهم في الشوارع والساحات العامة، ولم يُسمح بدفنهم إلا بعد عدة أيام.


اترك تعليق