بمناسبة الذكرى الثلاثين لمجزرة حماة

By : محمد سعيد حوّى

لا يمكن أن نتكلم عن مأساة حماة من غير نظر في:

1- جذورها التاريخيه, وتاريخ المدينة العميق وعلاقة ذلك بالمأساة وقد تستغربون.

2- طبيعة هذا النظام.

3- أهداف النظام من هذه المأساة ولمذا كانت المجزرة؟.

4- ضرورة إبراز جانب مهم من اسرار ما حدث من باب أنه يجب أن نتذكر.

5-  صور خطيرة من الإجرام لنعرف كيف نتعامل مع هذا النظام ؟وكيف نقود المرحلة ؟و كيف نثبت ؟ولماذا يتحرك الشعب الآن ؟ ولماذا لابد أن يتحرك ولماذا تأخر كثيرا؟.

أولاً: الجذور التاريخية

1- تقع مدينة حماة  وسط (سوريا) وهي  وسط في كل شئ في اللهجة والعادات.والتدين والفهم و ومن عرف حماة عن قرب يعرف ذلك. 
2-  وهي مدينة أثرية (مساجد، كنائس ، مكتبات، نواعير، قلعة، زوايا، كتايا، قصور أثرية  ).
3- وجدت آثار من العصر الحجري (الألف الخامس قبل الميلاد).
4- سكنها الكنعانيون 2500 ق ,م 
5- ممن حكمها نبوخذ نصر ثم قورش الفارسي الذي أحرقها بعد 538 ق.م، وحكمها الاسكندر المقدوني بعد 333ق.م.
6- حكمها الرومان 64 ق.م – 17ه.
7- فتحت صلحاً على  يد أبي عبيدة.
8-جميع المدن السورية قاومت الفتح الاسلامي لا سيما حلب التي نرجو أن تقاوم الآن فلا يعقل أن تسكت على الطغاة وتقاوم المسلمين.إلا حماة قاومت دائما الطغاة ولم تقاوم الفتح الاسلامي ، لانقول ذلك تعصبا ولكن مجرد حقائق تاريخية 
9-حماة البلد الوحيد التي فتحت صلحاً سلمياً ودخل أهلها الاسلام طوعا .
10- تعرضت إلى هجوم شرس من القرامطة الباطنيين الحشاشين (أصول عائلة اسد )عام  291 فقتل أطفالها وأهلها وكذا فعلوا في حمص والمعرة ؟؟؟  ((المناطق الساخنه)) وانجدهم السلطان العباسي.
11- قاومت الصليبين بشدة على مدى 420 سنة (-1089-1522م )لم يستطع الصليبيون دخولها،
12-قاومت الفرنسيين وكسرت شوكتهم1925- 1945.
- وواجهت الفرنسيين من 1925 – 1945 مع الثورة السورية بجانب غوطة دمشق وجبل العرب وشمالي سوريا.و من أوائل البلاد السورية التي  دحرت الفرنسيين.(تأكيد مجرد حقائق تاريخية لاتعصب) 
- وقد قصفها الفرنسيون بالطائرات.
13-تميز أصول شعب حماة فأساسهم من قبيلة قيس العربية ، وفي الحديث :(إن قيساً فرسان الله في الأرض ،قيس بيضة أهل البيت ، أن قيساً ضراء الله(أي أسد الله )  أخرجه الطبراني وقال الهيثمي :رجاله ثقات  .
14-كانت المدينة قلعة للأيوييين وصلاح الدين في وجه الحشاشين والباطنيين والصليبيين والمغول .
15-والمملكة الأيوبية في حماة مشهورة جداً ، وكانت عامل استقرار ورباط  داائم  و كانت مشاركة دائماً في حملات محاربة الصليبيين في عكا ومدن الساحل وحطين وعين جالوت.
16- بلد العلماء والمحافظة والمساجد على صغر حجمها قبل ذلك.
17- وقع عام 552 ه زلزال مروع  في مدينة حماة  ( تصور مات جميع ابناء بعض المدرسة) .
18- فأعاد بناءها  نور الدين زنكي فهي  من ثمار آل زنكي (روح آل زنكي الجهادية والشرعية والعلمية  فيها).
19- وكانت  قد سلمت   لعماد الدين زنكي بن آق سنقر123ه.
20- توفي عماد الدين وتولى نور الدين زنكي 541 و بعد الزلزال أعاد مدارسها والقلعة وبني الجامع النوري.
21- 569 توفي نور الدين فورثه ولده الملك الصالح إسماعيل وفي عام 570 دخلت البلاد الشامية في حكم صلاح الدين فولى على حماة خاله شهاب الدين محمود الحارمي سميت بالمملكة الأيوبية 583.
22- في سنة 742 ه انتهى حكم  الأيوبيين ، كان لأهلها دور كبير في تحرير القدس وجند صلاح الدين.


إذن وراء الموقف من حماة:
         1-العراقة التاريخية ولها دلالات.
2-حرقها قورش ، واليهود ودورهم...حاضر.
3-قوة الإسلام فيها... وسلامة صدور أهلها.
4-مقاومة القوى الصليبية.
5-حقد القرامطه والحشاشين.
         6-دورها في تحرير بيت المقدس.
         7-دورها المميز السبّاق في مقاومة الفرنسيين.


ثانياً: طبيعة النظام.
-منذ احتلال فرنسا كانت هناك أمور خطيرة، منها:  
1- تجنيد الأقليات.
2- تفسيق الجيش ونشر الرذائل فيه.
3- تصفية كل  متدين... في الجيش,
4-أحزاب معادية للتدين والأخلاق برعاية فرنسية
5-إبعاد أبناء المدن والعوائل عن الجيش,
6-تصفيات مستمرة في الجيش( منذ تسلم الأقلية سنة 1963 م إلى سقوط الجولان سُرِح 85 %من كفاءات الجيش السوري.
7-اجتماع التفسيق/ الحقد التاريخي اليهودي الصليبيين والباطنيين والحشاشين )/ العداء للدين .
8- ثبوت دور أسد الاب في مساعدة اليهود /67/ وتسليم الجولان ، وكتاب الضابط خليل بريز؛ سقوط الجولان ؛ وثيقة مهمة في ذلك  وقد اختطف بسببه من لبنان وسجن إلى الآن 
9-  وكانت حرب تشرين 73.لتكون طريقا إلى هدنة لاتنتهي وحماية دائمة لإسرائيل .
10- وكان دور نظام أسد في حماية (إسرائيل ) في الجولان واضحاً وتعداه إلى  حماية شمال فلسطين بمؤامرة مركبة (إخراج البندقية الفلسطينية والاتيان بحزب الله لتحقيق ذلك باسم المقاومة والممانعة) .
11- يلخص عهد الاسدين ب : تدمير المجتمع السوري ؛ مثلا :تشويه مادة التربية الاسلامية ، والتنكيل بمدرسي هذه المادة ، واعتقال العلماء أو طردهم أو تحجيمهم ، وتدمير الجيش في حرب 67 ضمن خطة مسبقة أبرز عناصره إضعاف  الجيش من خلال  التسريح والترفيعات غير الصحيحة ، إضافة إلى الحكم البوليسي الدموي ، مع انتشار الفساد في كل شئ ، وابتزاز التجار وسحق العمال والمزارعين  وتدمير كل مظاهر الاقتصاد...


المجرم هو المجرم..
12- هذه بعض حقائق النظام الذي نفذ مجزرة حماة وجملة من المجازر الأخرى ( تدمر، جسر الشغور).
13- خطط لذلك.من عدة جوانب وبإصرار على القتل  ومنها جانب استخباراتي:
-استدرج بعض عناصر متحمسة (عقلة).
    -اتصل هؤلاء المتحمسون  بقيادة الداخل في غفلة من قيادة الخارج .
-قيل صدرت رسالة  من القيادة تحذر الداخل من خطة النظام ، و لا نعلم محاضر توضح كيف تعامل من كان عليه أن يوصل الرسالة  مع الواقع.
14- تباطئ في إرسال الرسالة ثم عدم إرسالها( ولانعلم السبب الحقبقي لذلك )  فنجحت خطة النظام...


ثالثاً: أهداف النظام من تدمير حماة
تدمير تاريخ عريق 
انتقام للباطنية والحشاشين والصليبيين واليهود 
قتل الروح الايمانية والجهادية المحافظة في المدينة
رسالة لكل المجتمع السوري 
 رابعا :إذ نستذكر الماساة؛ كيف نفيد منها؟:
1- تحتاج إلى شرح، لفهم طبيعة هذا النظام.
2- فهم كيفية تعامله وماذا يتوقع منه.
3- ضرورة حفظ التاريخ ليكون وقوداً للحركة.
4- التذكير ببعض الجرائم تحريكاً لبعضهم للانتفاع.
5- ماذا سيحدث لو بقي النظام.
6- تعليم الجيل الجديد حقيقة ما جرى.
7- تذكير أن جرائمهم لم تنس منذسنة 64 19 عام هُدم مسجد السلطان في حماة.

 

خامسا: وقائع من الفظائع  
-48ألف شهيد على الأقل وتهديم 80 مسجدا و4 كنائس 
أما المشاهد المأساوية فلا تحصى وإن ما يشاهده العالم اليوم على الفضائيات منذ سنة تقريباً من مذابح ومجازر في حمص ودرعا وريف  دمشق وإدلب وحماة وبانياس وغيرها من المدن السورية لهو نموذج حقيقي لما حدث في حماة خلال أقل من شهر،مع أن ضحايا المجزرة خمس أضعاف من استشهد إلى الآن في الثورة السورية المباركة فلك أنتتصور حجم الماساة ، لكن لم يكن من يصوِّر ولا يوثِّق والآن الأمر اختلف ، وإليك بعضاً يسيراً منها:


المشهد الأول:
 زجت السلطة في يوم الخميس 4/2/ 1982 بلواء  ميكانيكي هو اللواء المدرع 21 في الحرب التي تشنها على سكان المدينة، فكان لهذا اللواء المدرع دور كبير في اجتياح المدينة، وتنفيذ خطة تدميرها وانتهاكها كما فعل اللواء 47 من قبل.
كانت تعليمات شفيق فياض لقائد اللواء 21 العقيد فؤاد إسماعيل تقضي بالقتل الجماعي لكل من يسكن في حماة، ولو كان من عناصر الحزب الحاكم.
المشهد (2): من الشواهد على التصميم والإصرار على القتل، أن المواطن شحود حسن شيحاوي البالغ من العمر 28 سنة، اقتاده عناصر السلطة لقتله، فأبرز لهم هويته الحزبية، وأنه عضو عامل، وأنه متفرغ للحزب، وقال: هذه سيارتي، وهذا مسدسي، فلم يشفع ذلك له، وما هي إلا لحظات حتى كان في عداد المقتولين.
المشهد (3): في يوم الجمعة 5/2 اتصل العقيد العلوي ديب ضاهر قائد الوحدات الخاصة الذي قام  بالهجوم والقصف والهدم باللاسلكي بقيادته يخبرهم بالبطولات التي يقوم بها، وأن قواته تواجه بعض المقاومة، فقيل له: اضربوهم بالنابالم، ولا نريد أن نرى بيتاً لا يستسلم سكانه.
المشهد (4): اقتحمت قوات السلطة في اليوم الخامس للمجزرة يوم السبت 6/2 حي سوق الشجرة، وهدمت، حوالي خمسين منزلاً، وقتلت أعداداً كبيرة من سكان الحي، ثم أجبرت القوات الباغية، بعد اقتحامها الحي السيد فواز الأحدب ليستطلع الطريق، وعندما رأوا تمهله أطلقوا عليه النار، ثم قتلوا كل رجال الشارع – في حي سوق الشجرة- على الصفين، حتى وصلوا إلى مسجد الحي، فقتلوا على جداره 75 مواطناً بين شاب وشيخ، وكانت مجموعات أخرى من القوة الباغية تمارس القتل، فأعدمت 15 مواطناً في طاحونة سوق الشجرة، وتركتهم دون دفن 14 يوماً في العراء.
المشهد (5): في يوم السبت 6/2 أيضاً جمعت قوات السلطة الرجال والنساء والأطفال الذين بلغ عددهم 75 مواطناً، حشرتهم في دكان أحمد الحلبية، وأطلقت عليهم النار رشاً، ثم صبت عليهم الزيت من برميلين كانا في الدكان وأضرمت فيهم النار، وبعضهم كان لا يزال حياً.
المشهد (6): وأمام مسجد الشيخ محمد الحامد  –غربي المدينة- وقفت أربع شاحنات محملة بالمعتقلين الذين جمعتهم السلطة من أبناء الحي، ولما غصت السيارات بالمعتقلين المكدسين، ولم تعد تتسع للمزيد منهم، قامت قوات البغي بقتل خمسين منهم، وألقوا بجثثهم في حوض كبير تتجمع فيه مخلفات جلي البلاط لمصنع تعود ملكيته للمواطن عبد الكريم الصغير، ثم ظهرت هذه الجثث بعد عشرة أيام من هذه الجريمة بعد أن جفت مخلفات الحوض.
المشهد (7): في يوم الإثنين 8/2، أنزل الشيخ العلامة رئيس جمعية العلماء في حماة الشهيد عبد الله الحلاق أبو صالح من منزله بثياب النوم، وقتل على باب بيته رشاً، ثم نهب البغاة قسماً من أثاث بيته، وأحرقوا القسم الباقي، كما قتل السفاحون عدداً من شباب هذا الزقاق على مثلث مفرق جامع السلطان، ثم توجهت محموعات من العساكر لاحتلال سطح سوق الطويل.
المشهد (8): في يوم الإثنين 8/2، ذهبوا إلى منزل الدكتور زهير مشنوق ، وفي قبو المنزل تجمع 39 امرأة  وطفلاً  هرباً من القصف، فدخلوا عليهم، وانهالوا عليهم برصاص أسلحتهم، فاختلطت أصوات التكبير بصراخ الأطفال وأزيز الطلقات، ليقضي الجميع نحبهم، ولم ينج منهم إلا السيدة انتصار الصابوني التي لم تكن إصابتها قاتلة، فنقلت إلى المستشفى، فتعافت، وظلت على قيد الحياة.
المشهد (9): من الأحداث الرهيبة والمرعبة في هذه المجزرة قصة طفل رضيع عمره خمسة أشهر، وجد بعد ستة أيام من المذبحة حياً يرضع من صدر أمه الشهيدة دماً، فلم يفارق الحياة. 
المشهد (10): في أيام الثلاثاء 16 – 2- 1982، والأربعاء 17- 2- 1982، والخميس 18 – 2- 1982، تابعت السلطة ممارستها الوحشية على النساء والأطفال والمسنين، والإجهاز على الجرحى، وارتكاب المجازر، ونهب المنازل وسلبها وإحراقها، دون أن تكف عن القصف العشوائي على حي البارودية بدعم الدبابات، واستخدام البلدوزرات لشق الطرق والأزقة الضيقة، وإزالة أكوام التراب والحجارة التي تسد الطرق.
المشهد (11): في يوم الإثنين الموافق 22 شباط، استمر القصف والنهب والإجهاز على الجرحى، واعتقال كبار علماء المدينة ورجالاتها ووجهائها، ونقلهم إلى جهة مجهولة بعد تعذيبهم والتنكيل بهم، كما اعتقل البغاة في هذا اليوم 300 مواطن من سكان حي الكيلانية، وفي المعتقلات قرأ السفاحون أسماء كل من له صلة بالدعوة الإسلامية، وبالمؤسسات الإسلامية، مثل العلماء وموظفي الأوقاف والإفتاء والمساجد ومدرسي التربية الإسلامية، فنقلوا إلى جهة غير معلومة، وقد شوهد لآخر مرة مفتي مدينة حماة الشيخ بشير مراد، ومعه كبار علماء المدينة، أثناء اعتقالهم وسوقهم إلى جهة مجهولة، ولم يعد أحد يسمع بهم، أو يسمع لهم ذكراً ، لأنهم قتلوا جميعاً، دون أن يعلم أحد من حماة عن مصيرهم، وكيف قتلوا، أو كيف تم قتلهم، رفع الله شأنهم، وأعلى قدرهم، وجعل الجنان مستقرهم ومأواهم.
المشهد (12): في اليوم الخامس والعشرين من أيام المجزرة المفزعة، يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر شباط، اعتقلت السلطة 1500 مواطن ساقتهم في شاحناتها، دون أن يعرف أي مواطن عنهم شيئاً، ولم يعد يعرف أهل المدينة عن مصيرهم وما آل إليه أمرهم، إمعاناً في ترهيب المدينة.
المشهد (13): لقد حشد البغاة عشرات الألوف من عساكرهم لهدم المدينة فوق رؤوس أصحابها، وضربوا من حولها ثلاثة أطواق بحيث لا يستطيع طائر أن يمر، ولا جرادة أن تدخل المدينة، أو أن تخرج منها، وحركوا لهذه الغاية الثورية النبيلة جداً أكثر من 200دبابة 100 مدافع ميدان عيار 130 مم مداه 25 كم، وعشرات  مدافع هاون عيار 160 مم،وأكثر من 200 قاعدة إطلاق صواريخ، وعدداً من الحوامات المزودة بصواريخ م/د جو أرض، وعدداً من راجمات الصواريخ الكورية الملحقة بسرايا الدفاع، كما أن عدد الجنود والضباط بلغ نحو 25000، شاركوا في المجزرة، هي مجموع اللواء 47 دبابات، واللواء 21 ميكانيكي واللواء 124 دبابات من سرايا الدفاع، والفرقة الانتحارية 22 التابعة لسرايا الدفاع، والفوج 114 مدفعية ميدان.
المشهد (14): من الأعمال الهمجية أن قوات السلطة تمكنت من فتح ثغرات في حي جنوبي الملعب البلدي في اليوم الثالث من يوم الحصار، فقامت سرايا الدفاع بجمع عشرة جرحى من المدنيين في المستشفى،وباشرت بفتح صدورهم، وتركها مفتوحة حتى تفيض أرواحهم إلى بارئها ، وهذا ما تكرر بأعداد كثيرة في مقبرة سريحين شرقي مدينة حماة.
المشهد (15): ومن التصرفات الوحشية أن امرأة من آل المصري خرجت من باب بيتها عندما دخل جنود البغي حي العصيدة، فقام الجنود بإطلاق النار عليها، وأردوها قتيلة في الحال، وعندما خرجت والدتها جزعاً على قتل ابنتها، قام الأشاوس بقتل الأم بجانب ابنتها( وهذا تكرر أمثاله كثيراً).    
المشهد (16): لقد سكن الشيخ سيف الدين حفيد الإمام العارف الكبير بالله عبد القادر الكيلاني، في مدينة حماة وبنى الزاوية القادرية، فأكمل ولده وأحفاده من بعده البناء وأجملوه، فأضحى تحفة فنية مدهشة وساحرة، ولا أود أن أستفيض بالحديث عن أقسام الزاوية وجمالها، فذلك حديث يطول على القارئ، والمصادر موجودة لمن أراد أن يطلع على تطور هذه التحفة الرائعة، وإذن فهذه العائلة الكيلانية تنسب إلى الشيخ سيف الدين أحد أحفاد الإمام عبد القادر الكيلاني المتوفى في بغداد في القرن الخامس الهجري، ويرجع نسب الشيخ عبد القادر إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهم،  وقد سكن سيف الدين مدينة حماة، بعد عودته من الحج، وتوفي فيها عام 734 هـ ، وبدأ قبل وفاته بناء الزاوية القادرية بجوار بيته عام 690 هـ  الموافق 1290 م، ثم تابع البناء ابنه شمس الدين محمد وولده علاء الدين، ثم طوّر الشيخ ياسين بناءه، كما أعلى الشيخ ووسع حجم الناعورة التي تجاور المسجد وترفع إليه الماء. فهدّمت كل هذه الآثار فضلا عن قتل الإنسان لم ينجو منهم حجر ولا شجر ولا بشر .
المشهد (17): و أما الأماكن الأثرية الأخرى والمقابر المدمرة، وأهم القصور التي حطمت وزالت، والمضافات فشيء كثير.
المشهد (18): كانت مجزرة سريحين من أكثر المجازر دموية إذ تجاوزت العشرات والمئات وحشية وقسوة، وبالرغم من أن كثيراً من تفصيلاتها ظلت مجهولة، لأن القتل استمر بها، ولم ينج منها أو من هولها إلا عدد قليل لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، غير أن واحداً من هؤلاء الذين وعى هذه الحادثة الأليمة، ووقف على تفاصيلها، شهد بما يلي:
كنت أحد الناجين من هذه المجازر، وكنت ضمن أعداد كبيرة ملأوا إحدى عشرة سيارة شاحنة، بكثافة كبيرة وازدحام شديد، حتى كادت تنقطع أنفاسنا.
سارت بنا السيارات نحو قرية سريحين حيث أمرنا بالنزول فنزلنا، وكان أول ما وقعت العين عليه مئات الأحذية المتناثرة على الأرض، فأدرك الجميع أنها تعني مقتل مئات المواطنين من أبناء بلدنا، وأننا على الموت مقبلون.
فتشنا القتلة بعد ذلك، وأخذوا الأموال القليلة التي كانت في جيوبنا، وجردونا من ساعاتنا،ثم أمرنا البغاة بالتقدم نحو الخندق العميق الذي يمتد أمامنا لمسافة طويلة، وأمروا قسماً آخر منا بالنزول، إلى خندق مجاور، وعندما تقدمت لموقعي أمام الخندق، رأيت الجثث المتراكمة على بعضها تلطخها الدماء، فكان مشهداً رهيباً لم أطق تحمله، فأغمضت عيني، وتحاملت على نفسي خشية الوقوع على الأرض، وحدث ما كان متوقعاً، إذ انهال الرصاص الغزير، فهوى الجميع إلى الخندق مضرجين بدمائهم، أما العدد الذي أنزل إلى الحندق الآخر فقد أطلقت النار عليه داخله.
كانت إصابتي غير قاتلة، وقدر الله لي أن أنجو بأن صبرت حتى خلا المكان من السفاحين، فهربت متحاملاً على جراحي، وأنقذني الله من هذا المصير، حيث يموت الجريح تحت الجثث الأخرى.
المشهد (19): لقد جاء ذكر ما بين عشرين إلى ثلاثين مجزرة في حماة خلال شهر شباط 1982، فقتل في بعضها 35 ضحية في دكان عبد المعين مفتاح، وفي بعضها 21 ضحية من آل موسى، و39 ضحية في بناية الدكتور زهير مشنوق، و13 ضحية من آل الصمصام، و40 ضحية من آل المصري، و60 ضحية من آل الصحن...  
المشهد  (20): دخل الجنود على نساء وأطفال آل الشيخ عثمان، فطلبت إحدى النساء منهم المساعدة في نقل إحدى النساء التي كانت في حالة مخاض، وعلى وشك الوالادة، فقال أحد الجنود أنا أساعدك، واقترب منها وبقر بطنها بحربة بندقية وهي حية، وأخرج الجنين الطفل وقتله أمام الجميع، ثم شرع الجنود بإطلاق الرصاص، وأبادوا الجميع، ولم يبقوا منهم باقياً من هذه العائلة المنكوبة، وذكر راوي الحادثة هذه، وهو ممن بقي من العائلة –لم يكن بين النساء والأطفال- أسماء من تذكر أسماءهم من الشهداء وهم: محي الدين شيخ عثمان، وكان في السبعين من عمره، وعمر، وإبراهيم، وراكان، وأسامة، وممدوح، وعدنان، وعبد المجيد، وعبيد، ومأمون، ودجانة، ومحي الدين (الخفيد)، وبسام، وخالد، وعدد من البنات الصغيرات، والباقي من النساء والأطفال، ثم قتل معهم وبجانبهم عدد آخر من الجيران، هم من عائلات أخرى.
ينظر للتفصيل :كتاب مأساة العصر ، وكتاب :الإخوان المسلمون ،للإستاذ عدنان سعد الدين ، رحمه الله ،  المجلد الرابع .  
وأختم هذه المشاهد بما قاله الاستاذ عدنان سعد الدين، في كتاب الإخوان المسلمون في سوريا،4/393، (( ثمة أمران لا مناص من ذكرهما والتأكيد عليهما:
أولهما: أنه لا بد من عقاب المجرمين والسفاحين مهما طال الزمن، لا بد من توقيع العقاب الصارم على من سفك الدماء، ونهش الأعراض، وقتل الألوف بحمامات دم جماعية، ونهب بيوت المواطنين، وسطا على كل ما يملكون من أثاث وحلي ومال ...الخ، أياً كان انتماؤه ، سواء أكان علوياً أم سنياً أم إسماعيلياً أم درزياً أم مسيحياً، فالعقاب أن ينبغي أن ينال كل من ارتكب بحق مواطن جرم، وليس على انتمائه العرقي أو الدين أو الطائفي.
وثانيهما: أن كارثة حماة هي مأساة القرون، وليس القرن العشرين وحده، وهي من العمق والكارثية بحيث لا يمكن طيها بالتقادم أو النسيان، وإذا كان التاريخ لا يزال يذكر الشعوب والأمم بإحراق نيرون لروما بالرغم من مرور حوالي ألفي عام على حدوثها، فإن ما أصاب حماة أفدح مما وقع لروما، وسوف يذكرها المؤرخون والباحثون على مدى عشرات القرون، ليقولوا إن فئة قليلة قفزت على السلطة، وهدمت الحياة الدستورية والمدنية والإجتماعية والقضائية، وحاربت القيم الأخلاقية والأعراف الراسخة التليدة، واستباحت دماء عشرات الألوف، واذلت وجهاء الناس وكرامهم، ثم انتهت – كما هو المأمول والمتوقع بإذن الله وقدرته- إلى غير رجعة غير مأسوف عليها.
والأمر كما قال الأستاذ عدنان سعد الدين (كتاب الإخوان المسلمون في سوريا ، ج4، ص387): هل ينسى الشعب هذه الكوارث التي حلت بالمواطنين على نطاق واسع، بعدما سطا ضباط طائفيون على مقاليد السلطة؟ 
هل يقولون لهم عفا الله عما سلف...؟ لا وألف لا...، لا بد أن ينال المجرمون العقاب ولابد  أن يثأر السوريون من البغاة والمجرمين دون أن يظلم بريء... (بقطع النظر عن هويته كما بين الأستاذ عدنان سعد الدين).


اترك تعليق