الإيمان والعمل من ركائز النهضة (جمال نصار)

By :

أولى القوى التي ينتصر بها المسلمون على أعدائهم هي القوة الإيمانية، فإذا عصى المسلمون ربهم تساووا مع عدوهم في المعاصي فيكلهم الله إلى أنفسهم، وعندئذٍ الأكثرُ قوة وعددًا وعدة سيكون صاحب النصر؛ ولذا كتب عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص وجنده في حرب العراق وصية، قائلا: "فإني آمرك ومن معك من أجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب. وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا نُنصر عليهم بفضلنا فلن نغلبهم بقوتنا.

واعلموا أنه عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدونا شر منا، فلن يسلط علينا وإن أسأنا، فرب قوم قد سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل لمّا عملوا بمساخط الله كفار ومجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعد الله مفعولا. واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم. أسأل الله ذلك لنا ولكم"، فتحقيق شرع الله في أرض الله ضمان لنصر الله.

وإذا كُنا في عصر العولمة، والعالم كله أصبح قرية صغيرة، فلابد أن نجيد آليات التعامل مع الآخرين، لابد أن يتعامل المسلمون مع غيرهم بمنطقهم لا بمنطق المسلمين فقط، منطق القوة والعلم والتكنولوجيا، ومن ثمّ فإننا لكي نحقق اليوم الاستجابة الصحيحة للأمر الإلهي بالإعداد، علينا إذن أن نقرأ فكر غيرنا، وما عنده من إمكانات علمية وتكنولوجية غير عادية تحقق له أهدافه، ويشمل الإعداد لمسايرة تحديات العصر في كافة ميادين الحياة، ويمكن أن نجمل تلك القوانين في نقاط محددة، وهي:

• ميدان العلم؛ والمراد الإعداد العلمي والتكنولوجي، وبناء قاعدة علمية صُلبة، من مدارس وجامعات ومراكز بحوث علمية، وقبل كل هذا بناء الشخصية الإسلامية المتعلمة بناء صحيحًا؛ لأنها هي المحرك الأساس والأول في العملية التعليمية.

• ميدان الاقتصاد؛ فنحن نحتاج إلى نهضة اقتصادية شاملة من تجارة، وصناعة، وزراعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي؛ لأن شعبًا لا يملك رغيف خبزه لن يملك صنع قرار نفسه.

• ميدان الاجتماع؛ الذي يقوم على العدل بين أفراد المجتمع بحيث يجد كل فرد حقه الطبيعي في حياة كريمة تجعله مواطنًا صالحًا منتجًا.

• ميدان السياسة؛ فإقامة نظام حكم إسلامي، يقوم على الشورى، ويسمح بتداول السلطة، وعدم احتكارها لفئة معينة كفيل بإفراز شعب يستطيع أن يصنع قراره، كما يستطيع أن يحدث ثورة في شتى مجالات الحياة الأخرى، طالما هو شعر بذاته ومكانته.

• الميدان العسكري؛ ويعني الحصول على أحدث الأسلحة وتصنيعها محليًا، وإقامة قواعد عسكرية تتمكن من حماية البلاد الإسلامية.

• الميدان المعنوي؛ الذي يقوم على تأهيل أفراد الأمة نفسيًا، وإشعارهم بخطر المواجهة، والدور الملقى على عاتقهم، ومناط تحقيق هذا الإعداد هو: الإعلام، والعلم، والمسجد، فهذا المثلث هو المنوط به تحقيق ما يسمَّى بالإعداد المعنوي والنفسي.

• ميدان المعلومات؛ يحتاج الجيل المسلم الآن إلى إعداد معلوماتي متكامل، فالمعلومات الآن ثروة لمن يحصل عليها، ونحن نعيش بحق في عصر المعلومات، وأصبحت المعرفة قوة، والقوة أيضًا معرفة، وصارت المعرفة رأس مال لمن يحسن استخدامها.

نريد – إذًا - بناءً حضاريًا يُؤَسَّسُ على المنهج الإسلامي، بهذا الفهم في الإعداد، وبفهم صحيح في استقبال كلام ربنا وكلام نبينا، وبوضعهما موضع التطبيق، والبناء الحضاري ومظاهر التقدم ما هما إلا محصلة تفاعل الأمة والمجتمع مع البيئة بجميع ما فيها من قيم ومبادئ، وسنن وقوى، وموارد مادية وبشرية، ورسوخ البناء الحضاري ما هو إلا تعبير أصيل عن قيم الأمة، وتجسيد حي لكيانها العقدي والنفسي، والفكري والسلوكي. فالأمم تزدهر بقيمها وأخلاقها، وتنحط وتنهار بفسادها وسوء أخلاقها، وقديمًا قال شاعرهم:

وإنما الأمم الأخلاق ما صلحت    فإن همو فسدت أخلاقهم فسدوا

وأخذ هذا المعنى أحمد شوقي وبلوره في بيته الشهير فقال:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت        فإن همو ذهبت أخلاهم ذهبوا

 وتلك القيم، وهذه الكيانات العقدية والنفسية والفكرية والسلوكية قد وضعها القرآن بين أيدينا، وضعها منهجًا متكاملا لإنشاء حضارة مثلى، ناهيك عن وضعه منهجًا متكاملا - أيضًا - لأصول التربية الإنسانية، وبتعبير أكثر حداثة إنه وضع بين أيدينا نظرية متكاملة للتربية المُثْلَى والحضارة الإنسانية المُنْتَظَرَة. 

وبقاء الحضارات وديمومتها رهن دائمًا بوجود هذه القيم، وديمومة تلك المبادئ.

ينبغي على الأمة الإسلامية – إذًا - بناء جيل بناء متكاملا، على ثقافة شاملة تقوم على مبادئ الإسلام الحنيف؛ إذ ثقافة كل أمة تكون مغموسة في الدين المتلقى عند مراحل النشأة الأولى، والمبادئ التي يتلقاها النشء في هذه المراحل هي المبادئ التي تدوم خُلُقًا له، وهذه المبادئ هي مرآة جامعة في حيزها المحدود لكل ما تشعث وتشتت وتباعد من ثقافة كل فرد من أبنائها على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة.

إن تحققت تلك الثقافة الرشيدة فسوف تحدث التنمية؛ إذ التنمية كما يقول نبيل السمالوطي ليست إلا "تفاعل بين متغيرات بشرية وبيئية ودينية وقيمية، وإمكانات مادية وفنية في إطار سياقات تاريخية ... وترتبط بالتفسيرات الدينية والموجهات القيمية للواقع بأبعاده المختلفة، وهي المحدد لموقع الإنسان من الحياة، والمجتمع والآخرين والعلوم، وهي المحدد لسلوك الإنسان المدعِّم أو المعوِّق".

فالنظرة إلى المجتمع المسلم اليوم توحي باليأس لمن فقد الفهم لسنن الله في الكون، نعم، واقع المسلمين اليوم واقع أليم، ودعونا نعترف بشجاعة وصدق أننا - نحن المسلمين - لا نملك اليوم حضارة تحمل سماتنا، وتعبر عن هُويتنا، ولكننا نعيش في ظلال حضارة أقامها الأجداد، متمثلة في التراث العميق الذي ورثناه، ولم نبذل الجهد الكافي، ولا الجدية المطلوبة حتى الآن لإحيائه وتقديمه لأمتنا بأسلوب العصر؛ ليكون أحد مصادر طاقتها، ووقود مسيرتها نحو مبتغاها من التطور والتقدم والنهضة.


اترك تعليق