"إسرائيل".. وكابوس الطوق السني

By : صالح النعامي

لا خلاف في إسرائيل على أن انتخاب محمد مرسي، مرشح جماعة " الإخوان المسلمين " كرئيس لجمهورية مصر العربية، يمثل أخطر مظاهر التغيير الذي طرأ على البيئة الإستراتيجية للكيان الصهيوني كنتاج لثورات التحول الديمقراطي التي اجتاحت العالم العربي. وإن كانت إسرائيل  تخشى خسارتها الكثير من مواطن الذخر الإستراتيجي التي كانت تتمتع بها في ظل العلاقة بالنظام المصري السابق، فإن كل الدلائل تؤكد أن دوائر صناع القرار في الكيان الصهيوني ليس في حكم الوارد لديها الاستسلام للواقع الجديد؛ بل أنها باتت تسعى منذ الآن لتقليص حجم المخاطر التي ستنجم عن انتخاب مرسي. وسنحاول في هذه الورقة حصر الخسائر التي تخشى إسرائيل أن تتكبدها في أعقاب فوز مرسي، إلى جانب رصد ماكينزمات التحرك الإسرائيلي الهادفة لتقليص الأضرار الناجمة عن هذا التحول الكبير.

إسرائيل وتبعات فوز مرسي

يرصد الإسرائيليون عدداً من المخاطر التي من الممكن أن يسفر عنها صعود مرشح " الإخوان المسلمين " لسدة الحكم في مصر، ونحن هنا بصدد الإشارة إلى أهم هذه المخاطر:

أولاً: كابوس الطوق السني

إن سيناريو الرعب الذي تخشاه إسرائيل هو أن تنتقل التجربة المصرية في حال نجاح مرسي إلى دول عربية أخرى، بحيث يمثل هذا التطور مناخاً مناسباً لسيطرة الحركات الإسلامية على مقاليد الأمور في المزيد من الدول في العالم العربي. لكن مما لا شك فيه أن أكثر ما يثير القلق لدى صناع القرار في إسرائيل هو أن يؤثر صعود مرسي على مستقبل نظام الحكم في الأردن، الذي يوصف بأن " أوثق حلفاء " إسرائيل في المنطقة. وتخشى النخبة الإسرائيلية أن يؤدي وصول " الإخوان المسلمين " لسدة الحكم في مصر إلى تشجيع " الإخوان " في الأردن على مواصلة الضغط بشكل أقوى من أجل تحويل النظام الأردني إلى " الملكية الدستورية "، الذي يعني تجريد الملك من الصلاحيات التي مكنته حتى الآن من توظيف الأردن في خدمة المصالح الإسرائيلية. إن ما يفاقم القلق من فوز مرسي لدى إسرائيل هو أن صناع القرار في إسرائيل باتوا يخشون تداعيات سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في أعقاب حديث إسرائيل المفاجئ عن " تعاظم دور الإسلاميين في الثورة السورية ". وترى الكثير من النخب الإسرائيلية أنه في حال تم تحويل النظام في الأردن للملكية الدستورية، وفي حال تولي الإسلاميين مقاليد الأمور بفي سوريا، فإن إسرائيل ستفاجأ وقد أحاط بها طوق سني يبدأ بتونس ويمر بليبيا ومصر والأردن وسوريا وينتهي بتركيا.

ثانياً: تقليص قدرة إسرائيل على ضرب المقاومة الفلسطينية

يكاد لا يختلف إثنان من الخبراء الإسراتيجيين في إسرائيل على توصية صناع القرار في تل أبيب بإبداء أقصى درجات الحذر قبل أن يأمروا بشن أي عمل عسكري ضد حركات المقاومة الفلسطينية، سيما في قطاع غزة بعد فوز مرسي.  ولا يرجع الحذر الإسرائيلي من شن عمل حربي على قطاع غزة للخوف من إمكانية أن ترد مصر رداً حربياً، بل أن جيورا أيلاند، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق يؤكد أنه يكفي مرسي أن يتخذ خطوات دبلوماسية وسياسية عقابية ضد إسرائيل حتى  يتسبب ذلك في أذى كبير لإسرائيل.

ثالثاً: فقدان الشراكة الاستراتيجية

تمثل اتفاقية " كامب ديفيد " التي وقعتها مصر وإسرائيل عام 1979، أحد أهم الأسس التي يقوم عليها " الأمن القومي " الإسرائيلي، إذ أن هذه الاتفاقية أخرجت أكبر دولة عربية من دائرة العداء مع إسرائيل، مما منح تل أبيب القدرة على التفرغ لمواجهة التحديات الإستراتيجية على الجبهات العربية الأخرى، علاوة على أنها قلصت إلى حد كبير إمكانية اندلاع حرب كبيرة بين إسرائيل والدول العربية تشكل تهديداً وجودياً للكيان الصهيوني. لكن إسهام " كامب ديفيد " في الأمن القومي الإسرائيلي لا يتوقف عند هذا الحد، بل أن هذه الاتفاقية شكلت الأرضية لنقل العلاقة المصرية الإسرائيلية من مرحلة إنهاء العداء إلى الشراكة الاستراتيجية الكاملة، وذلك في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك. فقد وظف مبارك الوزن الإقليمي لمصر في مساعدة إسرائيل على تنفيذ مخططاتها الاستراتيجية ضد الأطراف العربية الأخرى. ومما لا شك فيه أن إسرائيل شنت الحرب على لبنان عام 2006، والحرب على غزة عام 2008 في ظروف مثالية بفضل المظلة الإقليمية التي وفرها مبارك. إن إسرائيل باتت مهددة بخسران التعاون الأمني والاستخباري القوي والعميق الذي كان قائماً بين الأجهزة الأمنية المصرية ونظيراتها الإسرائيلية، والذي لعب اللواء عمر سليمان، مدير المخابرات المصرية السابق الدور الحاسم في بلورته وتطويره.

إن أحداً في إسرائيل لا يساوره أدنى شك أن مصر في عهد مرسي لن تقبل بمواصلة الشراكة الاستراتيجية مع تل أبيب، حيث أن سياسات الأمن القومي المصري في العهد الجديد سترتكز على مبادئ مناقضة تماماً للأسس التي كانت تستند إليها في عهد مبارك. وعلى الرغم من تشديد الرئيس مرسي على أن مصر تحت قيادته ستلتزم بكل الاتفاقات الدولية، إلا إن صناع القرار في تل أبيب ينطلقون من افتراض مفاده بأن التحولات التي طرأت على البيئة الداخلية المصرية ستفضي في النهاية إلى جعل اتفاقية " كامب ديفيد "، ليس أكثر من مجرد اتفاق لوقف إطلاق نار. لقد دفع الواقع الجديد العديد من الجنرالات الإسرائيليين المتقاعدين لدعوة صناع القرار في تل أبيب بصراحة للاستعداد لتحول مصر إلى طرف عدو، مع كل ما يتطلبه ذلك من استعدادات أمنية وعسكرية. ولا يمكن هنا تجاهل الحكم القاطع الذي أصدره وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي اعتبر أن مصر في عهد مرسي ستكون أخطر بكثير من إيران، وهو ما دفعه بالتالي للدعوة إلى إعادة تقييم خارطة المخاطر الإستراتيجية التي باتت تواجه إسرائيل. من هنا فقد تعاظمت الدعوات في إسرائيل لإعادة صياغة مفهوم الأمن " القومي " الإسرائيلي في أعقاب فوز مرسي.


اترك تعليق