من أمراض الأمة: سوء الفهم

By : يوسف القرضاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبع هداه.

(وبعد)

الأمَّة الإسلاميِّة أمة حيَّةٌ لن تموت:

هناك المبشِّرات من القرآن والسنَّة، ومن التاريخ والواقع، أن هذا الإسلام لن تغيب شمسُه، ولن تنطفئ جذوته، وأنه باقٍ ما بقيت الحياة، وأن الله وعد بأن يظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون، وأنَّ هذه الأمَّة أمَّة الإسلام باقيةٌ حيَّةٌ لا تموت ولن تموت؛ لأنَّها الأمَّة الخاتمة للرسالة الخاتمة.

ليس بعد الإسلام شريعة، ولا بعد القرآن كتاب، ولا بعد محمد نبي، وهذه الأمَّة هي الأمَّة الأخيرة التي حمَّلها الله الرِّسالة الأخيرة إلى أن يَرِثَ الله الأرض ومَن عليها.

الأُمَّةُ الإسلاميَّة محفوظَةٌ من الاستئصال:

ولهذا حفظها الله من أن تُستأصَل، وعد الله ألا يُهلكها بالكوارث، والزلازل، والغرق، والمجاعة ونحوها، ووعد الله رسوله وضمن له ألا يُسلِّط عليها عدوًّا من غيرها، فيستبيح بيضتها، ويستأصل شأفتها.

عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألتُ ربِّي لأمَّتي أن لا يهلكها بسُنَّة عامَّة، وأن لا يسلِّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربِّي قال: يا محمد إني إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يردُّ، وإني أعطيتُك لأمَّتك أن لا أهلكهم بسُنَّة عامَّة، وأن لا أسلِّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها- أو قال: مَن بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا"[1].

الأُمَّة الإسلامية  تمرض ولكنها لا تموت:

هذه الأمَّة باقيةٌ حيَّةٌ لم تمت، ولن تموت، ولكنَّها تمرض، تعتريها الأمراض والعلل كما تعتري سائر الأمم، وتَنفُذ فيها سنن الله وقوانينه في الكون والمجتمع، كما تَنفُذ قوانينه وسننه في الأمم الأخرى، {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر:43].

هذه الأمَّة لا تموت ولكنها تمرض، وقد لقيني أحد الأخوة الصالحين النابهين وقال لي: حبَّذا لو ذكرت لنا هذه الأمراض التي تعتري الأُمَّة؛ حتى نكون على بيِّنة منها، وحتى نكون على حذرٍ منها، وحتى نحاول أن نعالجها إذا كان لها علاج.

وكلُّ علَّة لها علاج، "ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علِمه مَن عَلمه وجهله مَن جهله"[2]. هذا في الأمراض الماديَّة، وفي الأمراض المعنويَّة، في أمراض الأفراد، وفي أمراض الجماعات والأمم.

ولقد استجبتُ لهذا الأخ الكريم، وأردتُ أن أذكر هذه الأمراض والعلل والأدواء التي أصابت أمَّتنا في تاريخها، وفي واقعها، فأخَّرتها بعد أن كانت متقدِّمةً، وجعلتها في ذيل القافلة، وبعد أن كانت في الطليعة.

الأمَّة الإسلامية أمَّةٌ رائدة:

الأمة الإسلامية كانت الأُمَّة الأولى حوالي ألف عام تقريبًا، كانت هي الأمة الرائدة والقائدة في العالم كلِّه، كانت هي أمَّة العلم والحضارة، كانت مدارسها وجامعاتها موئل لطلاَّب العلم من العالم، وكانت كتب علمائها هي المراجع العلمية للعلماء والأطباء والفيزيائيين والكيمائيين وغيرهم.

كانت هذه الأُمَّة هي الأُمَّة الأولى، اللَّغة العربيَّة هي لغة العلم والحضارة في العالم.

أقامت هذه الأُمَّة حضارتها على هدي من كتاب ربِّها، وسنَّة نبيِّها، أقامت حضارة لا تماثلها حضارة، حضارة جمعت بين الربَّانيَّة والإنسانيَّة، مزجت بين الماديَّة والروحيَّة، حضارة وصلت الأرض بالسماء، ووصلت الإنسان بخالقه، حضارة لا نظير لها في التاريخ. ثمَّ أصاب هذه الأمة ما أصابها من أمراض وعلل.

أمراض الأُمَّة:

هناك كما قلنا: أمراض وعلل أصابت الأمة، وهي:

سوء الفهم للدِّين:

أوَّل هذه الأمراض، وأولى تلك العلل: أنها أساءت الفَهم لدينها، لكتاب ربِّها، لسنة نبيِّها، فقدت الفقه الصحيح في جملتها، الفقه الذي مَن آتاه الله إيَّاه فقد آتاه الخير، الفقه في الدين، والفقه في السنن، والفقه في الواقع، الفقه بمعناه القرآني والنبوي.

القرآن تحدَّث عن الفقه، ليس هو الفقه بالمعنى الاصطلاحي الذي اشتهر بعد ذلك، وأصبحنا نطلق كلمة الفقه على مَن يعرف الأحكام الفرعية العملية التفصيلية. مَن يعرف أحكام الطهارة من الوضوء والاستنجاء والحيض والنفاس، وأحكام الصلاة، والمعاملات، والزواج والطلاق والرضاع، هذه الأحكام الجزئية المتناثرة، الفقه بهذا المعنى: هو معنى اصطلاحي، ولا مُشَاحة في الاصطلاح.

الفقه المفقود هو الفقه بسنن الله:

ولكن الفقه القرآني شيء آخر، شيء أعمق من هذا، جاء في القرآن المكِّي قبل أن تُشرع الأحكام، وقبل أن تُشرع الأنظمة، وقبل أن يأتي فقه العمل، والله تعالى يقول: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:98]، نفس واحدة، ومنها يتكاثر الناس، قد فصَّلنا الآيات، آيات الله وسنَنَه، لقوم يفقهون، عندهم فقه، عندهم نور في عقولهم وقلوبهم، يستطيعون أن يقرؤوا آيات الله المبثوثة في كونه، هذا في سورة الأنعام المكية.

وفي هذه السورة يقول الله تعالى منذرًا المشركين، ومخوِّفًا غيرهم: {قلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:65].

خصائص السنن الإلهية:

الفقه إذن فقه في آيات الله، فقه في سنن الله عزَّ وجلَّ، ولله سنن تُسيِّر هذا الكون في قوانينه المادية وقوانينه الاجتماعية، وهي سنن عامَّة، وسنن ثابتة، لا تلين لأحد، ولا تحابي أحدًا، تجري على الأقدمين كما تجري على المتقدمين، تجري على المؤمنين كما تجري على الكافرين، سنن عامَّة، وسنن ثابتة.

من هذه السنن:

1- سنة التغيير: أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:53].

2- سنن النصر: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7]، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40].

{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47].

3- النصر لا يكون إلا للمؤمنين وبالمؤمنين، كما قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} [الأنفال:62]، سنن النصر، سنن التغيير.

4- سنن التداول:{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140].

الأمر بالإطلاع على سنن الله:

القرآن مليء بالتنبيه على هذه السنن، ويأمرنا أن نسير في الأرض وننظر فيها، ونطَّلع على سنن الله: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137].

القرآن المكي يحدثنا عن هذا الفقه، فقه الآيات، فقه السنن.

المشركون والمنافقون محرومون من فقه الآيات:

والقرآن المدني حدَّثنا أيضًا عن هذا الفقه، وأن الله حرَمَ منه المشركين، وحرم منه المنافقين، في سورة الأنفال يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال:65].

طاقة المؤمن بطاقة عشرة من المشركين:

يغلبوا ألفًا من الذين كفروا، المؤمن ممكن أن يعمل بطاقة عشرة من غير المؤمنين، عنده من الطاقة والقدرة ما يوازي عشرة من غيره، هذا في الميدان العسكري، وفي الميدان الاقتصادي، وفي الميدان الحضاري، المؤمن بعشرة، لماذا؟ يقول الله: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال:65]، هؤلاء الكفرة ليس عندهم فقه أهل الإيمان، ليس عندهم نور البصيرة، طُمست أعينهم فلا ترى، وخُتِمَ على آذانهم فلا تسمع، وطُبِعَ على قلوبهم فلا تفقه.

المنافقون لا يفقهون هذا الفقه:

وكذلك وصف الله المنافقين في كتابه في آيات عدة كثيرة وفيرة بأنهم لا يفقهون، المنافقون لا يفقهون، النفاق أعمى بصائرهم، وغشَّى على عقولهم وقلوبهم فما عادوا يفقهون شيئًا، وهذا واضح في سورة التوبة، في سورة المنافقون، يقول الله تعالى عن المنافقين: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة:87].

{وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة:81]، {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ}[التوبة:127].

وفي سورة المنافقون يقول الله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون 3].

الفقه أخص من العلم وأعمق منه:

هذا هو الفقه الذي نريده نحن من الأُمَّة الإسلاميَّة، وفي فترات المرض والضعف فقدته الأمة، لم تفقه دينها ولم تفقه دنياها، لم تفقه الدِّين الذي جاء به الحديث: "مَن يًرِد الله به خيرا يفقِّهه في الدين"[3]. لم يقل يُعَلِّمْهُ، الفقه أخصُّ من العلم، وأعمق من مجرَّد العلم، العلم يتَّصل بالرأس فقط، والفقه يتَّصل بالرأس والقلب معًا.

ـــــــ 
[1]- رواه مسلم في الفتن (2889)، وأحمد (22452)، أبو داود (4252)، والترمذي (2176) كلاهما في الفتن.

[2]- رواه أحمد (3922)، وقال مخرجوه: صحيح لغيره،  وابن ماجه في الطب (3438)، وصححه الألباني في الصحيحة (451)، عن ابن مسعود.

[3]- سبق تخريجه.


اترك تعليق